لماذا تصمت أسمرا؟

المنفي رقم ٢٤ يكتب…
في وقتٍ تتسابق فيه وزارات الخارجية لإدانة، أو استنكار، أو على الأقل التلميح بشيء من الموقف…
في لحظةٍ يتكثف فيها التصعيد بين طهران وتل أبيب، وتتحول القواعد العسكرية إلى أهداف، والمياه الدافئة إلى ساحات اختبار…
في خضمّ البيانات الخليجية التي تسابق بعضها في اللهجة، بين من يستنكر بأشد العبارات، ومن يحتفظ بحقه في الرد…
تختار أسمرا الصمت.
لا بيان.
لا موقف.
لا حتى تغريدة يتيمة من حساب حكومي.
كأن شيئًا لم يحدث.
هذا ليس إهمالاً… هذا نهج.
أسمرا لا تغيب عن الحدث. هي فقط لا تتورط فيه علناً.
نظامٌ يفضّل أن تُقال المواقف داخل الغرف المغلقة، لا في المؤتمرات الصحفية.
تخاطب من يعنيهم الأمر مباشرة، أو لا تخاطب أحداً على الإطلاق.
صمتها ليس فراغاً، بل قرار. قرار بأن تبقى خارج دائرة الضوء، طالما لم يُطرق بابها رسميًا.
اريتريا مدرسة الغموض السياسي الدولة التي تقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتجاور كل ساحات التوتر في المنطقة، لطالما تبنّت سياسة “اللاحضور الصاخب”.
هي حاضرة حيث لا تُرى.
تفعل دون أن تعلن.
وتعلن فقط ما تريد أن يصل لمن تختار.
لذلك لا تستغرب إن لم تجد بياناً على موقع شابايت الرسمي.
ولا تنتظر تعليقاً من وزير خارجية لم يغرد ولو بتغريدة يقول أنا هنا .
فأسمرا تؤمن أن العالم ليس بحاجة إلى موقفها، والعالم لم يسألها أصلاً .
السؤال الخطأ هو: “لماذا لم تعلّق؟”
السؤال الصحيح: “لماذا تتوقع منها أن تفعل؟”
منذ استقلالها، تبنت إريتريا سياسة قائمة على العزلة الإرادية.
لا تحالفات راسخة.
لا انضمام لمنظومات إقليمية فاعلة.
لا مشاركة في التصويتات الرمزية للأمم المتحدة إلا حين تقتضي الحاجة.
هذا بلد لم يقطع علاقاته رسمياً بإسرائيل، ولا أعلن عداءه لإيران.
بل يستضيف الجميع… بصمت.
يفتح الباب من الخلف، ويغلقه دون أن يُسمع صوت المفاتيح.
حين يصمت الجميع، يُقال إنهم مربَكون
لكن حين تصمت أسمرا… فهي مرتاحة.
تراقب.
تسجل.
وتراهن على مرور العاصفة.
فهي تعرف أن كل الأطراف ستحتاجها لاحقاً.
ربما كوسيط.
ربما كبوابة.
وربما كأرض لا تُسأل فيها الأسئلة.
في النهاية…
المنطقة تغلي، والخليج على حافة الانفجار.
الدبلوماسيات تلهث خلف المؤتمرات والمواقف.
وإريتريا؟
تقف هناك، كما كانت دائماً، في الظل.
تغلق النافذة، وتطفئ الأنوار، وتراقب من خلف الستار…
ليس لأنها خائفة، بل لأنها لا ترى نفسها معنيّة… إلا حين تُقرر هي ذلك.
المنفي رقم ٢٤
من هناك، من حيث لا أحد يتكلم.