معارك تيغراي.. مؤشرات ما قبل الانفجار

رصد اريتريا | تقرير خاص 

في تحول بارز ومقلق لمسار الأحداث في إثيوبيا اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات دفاع تيغراي والجيش الإثيوبي في عدد من المناطق خلال اليومين الماضيين وسط مخاوف من تجدد الحرب في إقليم تيغراي المنكوب. 

وقد بدأت الاشتباكات بين الطرفين في 26 يناير/كانون الثاني هجوم قوات دفاع تيغراي على منطقة صلمتي بعد عبورها نهر تيكيزي وتقدمها في المنطقة التي تشكل البوابة الرئيسية لمنطقة ولقاييت ذات الأهمية الاستراتيجية الفائقة.

وتشير بعض المصادر إلى أن أعداداً كبيرة من قوات دفاع تيغراي توغلت في منطقة صلمتي مسنودة بالأسلحة الثقيلة حيث دخلت في مواجهات مع قوات الجيش الإثيوبي وحلفائه من مليشيات حراس تيكيزي وهي مجموعات محلية من أبناء إقليم أمهرا.

تأتي هذه التطورات على خلفية الانسداد السياسي في إثيوبيا وفشل أطراف اتفاقية بريتوريا الموقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 في التوصل آليات لتطبيق بعض بنودها الإشكالية، وعلى رأسها القرارت المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها بين إقليمي أمهرا وتيغراي وما نتج عنها من مأساة النازحين المتفاقمة في تيغراي.

وفي تطور ذي دلالة علقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى إقليم تيغراي اليوم مع احتمال استئنافها غداً، كما شوهد تدافع كبير من المواطنين على المصارف في مدن تيغراي وسط شح في السيولة وقيود على سقوف المبالغ المسموح بسحبها.

وقد برزت خلال الأيام الماضية مؤشرات هامة على انسداد الأفق السياسي بين مقلي وأديس أبابا، حيث أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي عدداً من البيانات المتتابعة أكدت فيها نفاد صبرها ودعوتها الحكومة الفيدرالية للانسحاب من مناطق جنوب وغرب تيغراي وعودة النازحين منها إليها، وهي ما واجهته أديس أبابا باتهام الجبهة بعرقلة تطبيق بنود اتفاقية بريتوريا.

وفي مؤشر آخر وقع سجال لفظي هو الأكثر حدة بين الجبهة الشهبية لتحرير تيغراي والسفير الأمريكي في أديس أبابا أرفين ماسنغا على خلفية زيارة الأخير لأراض متنازع عليها بين الأمهرا والتيغراي في 16 يناير/كانون الثاني، وإصداره بياناً حيث الأطراف الفاعلة على منح أولوية للجانب الإنساني وعدم تسييس موضوع النازحين. 

أثار هذا البيان الجيهة التي ظنت أنه يلمح إليها، ولذلك لم تتأخر في الرد مباشرة ببيان لافت وكلمات قاسية، حيث أعربت في بيان عن قلق عميق تجاه تصريحات السفير ووصفتها بأنها تهدد بترسيخ الاستقطاب بدلاً من المساعدة في جسر الفجوة المتسعة بين الأطراف الموقعة على اتفاق بريتوريا، كما اتهمت التصريحات بأنها توحي بالانحياز.

ووصف البيان الدعوات إلى “وضع الناس أولاً” بأنها تظل جوفاء طالما أن أمن وحقوق وإرادة هؤلاء الناس أنفسهم لم تتم معالجتها، مطالبة بتوفير البيئة الآمنة لعودة النازحين الذين لا يستطيعون القيام بذلك في ظل نفس الإدارة التي ارتكبت الجرائم بحقهم.

ورغم إصدار ماسينغا فيديو بعد ذلك يفهم منه تراجع عن بعض ما قاله لكن اللافت هو التصادم اللفظي بين الاثنين، والتي عبرت عن تخوف الجبهة من أن تكون أمريكا اختارت الانحياز لجانب أديس أبابا التي تؤكد دوماً على أن الجبهة هي التي تعرقل عودة النازحين وتحول الملف على قضية سياسية. 

تزامنت هذه البيانات مع تصريحات رئيس الإدارة المؤقتة لإقليم تيغراي، الفريق أول تاديسي وريدي، برفضه للنهج المعتمد في تسهيل عودة النازحين داخلياً إلى منطقة صلمتي، معتبراً أن هذا النموذج لا يحقق النتائج المرجوة، ومحذراً من تعميمه على مناطق أخرى، في مؤشر آخر على فشل المعالجات السابقة لهذا الملف.

أما أخطر المؤشرات فكانت المقابلة التي أجراها المتحدث السابق باسم قوات دفاع تيغراي قبل الهجوم على صلمتي بيومين، حيث أكد بوضوح أن جيش دفاع تيغراي لا يزال موجوداً كقوة متماسكة ومنظمة. وأشار إلى أن من يعتقد أن الجيش قد انتهى أو تفكك فهو “واهم”، مشدداً على أن الهيكل القيادي والوحدات القتالية لا تزال قائمة وتحت السيطرة.

وبخصوص المناطق المتنازع عليها فقد صرح بأن القوات لن تقبل ببقاء هذه الأراضي تحت سيطرة القوات التي وصفها بـ “الغازية” إلى الأبد، وشدد على أن “استعادة الأراضي والنازحين” هي مهمة مقدسة للجيش، وإذا فشلت السبل السياسية والدبلوماسية في إعادتها، فإن الجيش جاهز لانتزاعها.

بجانب ما سبق نشرت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في يوم 26 رسالة لافتة حيث تحدثت عن ما وصفته “بالإبادة الجماعية التي تحدث للتغراي في غربي تيغراي”، داعية الحكومة الفيدرالية إلى وقفها و”سحب المليشيات المسلحة والمستوطنين الذين استولوا على منازل وممتلكات ومزارع المواطنين في منطقة غرب تيغراي فوراً”.

كل هذه المؤشرات كانت علامات متزايدة على أن شيئاً ما يلوح في الأفق، وأن طبول الحرب قد بدأ صوتها بالارتفاع، في حين تظل ساحات القتال مفتوحة على كل الاحتمالات. 

Exit mobile version