ستون عاماً من الجفاء — كسر حلقة الصراع المزمن بين إثيوبيا وإريتريا

رصد اريتريا | الكاتب – جعفر بيدرو جليتو | addisstandard
أديس أبابا – إذا التُقطت صورة لمنطقة القرن الأفريقي في أي لحظة من السنوات الستين الماضية، فسنجد — باستثناء بضع سنوات من التعايش السلمي — أن إثيوبيا وإريتريا غالباً ما تكونان في حالة صراع متبادل. فالثلاثون عاماً الأولى كانت حرباً من أجل استقلال إريتريا. أولاً، حاولت الحكومة الإمبراطورية، ثم الإدارة العسكرية التي أطاحت بالإمبراطور، قمع حركة الاستقلال الإريترية. وبعد أن نالت إريتريا استقلالها عام 1993، ساد السلام والصداقة لفترة وجيزة، لكنها لم تدم طويلاً. ففي عام 1998 اندلعت الحرب بين البلدين لتستمر عامين كحرب مدمّرة شاملة، ثم استمرت بعد ذلك ثمانية عشر عاماً أخرى كحرب بالوكالة وصراع أمني غير مباشر. وفي عام 2018، بدا أن البلدين يطويان صفحة العداء والتوتر بتوقيع اتفاق جدة بين إثيوبيا وإريتريا. ومع ذلك، فإن عهد الوئام الجديد بين أسمرة وأديس أبابا لم يدم طويلاً. فبعد أقل من نصف عقد، عادت الدولتان إلى وضعهما المعتاد من العداء والتوجس المتبادل.
خلال هذه العقود الستة، شهدت إثيوبيا تغيرات كبيرة — في الأيديولوجيات، وأنظمة الحكم، وقيادات أديس أبابا. فقد مرّت البلاد بإمبراطور، ثم رئيس لنظام عسكري ماركسي، ثم بثلاثة رؤساء وزراء متعاقبين خلال العقود الثلاثة الماضية، جميعهم وجدوا أنفسهم في خلاف مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي. كان رئيس الوزراء الراحل ميليس زيناوي من أشد المدافعين عن استقلال إريتريا وحقها في إقامة دولتها. وكان ينتقد بشدة مواطنيه الذين اشتكوا من أن استقلال إريتريا جعل إثيوبيا دولة حبيسة بلا منفذ بحري. ومع ذلك، فقد كان ميليس على خلاف دائم مع أسياس، الذي قام بتمويل وتسليح وتدريب جماعات متمردة سعت إلى إسقاط الحكومة التي كان يقودها.
أما رئيس الوزراء السابق هايلي مريام ديسالين، فقد ورث حالة العداء هذه ومرّرها إلى خلفه، الذي حاول بشتى الطرق إعادة تأهيل أسياس على الساحة الدولية وبناء شراكة معه. غير أن هذه الجهود باءت بالفشل. لذا يمكن القول، وبكل إنصاف، إن جميع القادة الإثيوبيين — رغم اختلاف أساليبهم وأولوياتهم — واجهوا “المشكلة الإريترية”. فالحكام والأنظمة تغيروا، لكن المشكلة ظلت قائمة.
إذن، ما الذي يقف وراء هذه المعضلة؟ يشير البعض بأصابع الاتهام إلى الرئيس أسياس، الذي ظل على رأس حركة التحرير الإريترية ثم الدولة الإريترية لأكثر من خمسة عقود. لقد كان العنصر الثابت الوحيد بينما تغيّر كل شيء من حوله. ولا شك أن شخصية أسياس العدوانية ونزعاته الخاصة ساهمت كثيراً في تعقيد المشكلة، غير أن اختزال الأزمة كلها في شخص واحد يُعد تبسيطاً مفرطاً.
إعادة التفكير في مسار السلام الدائم بين إثيوبيا وإريتريا
نعم، إن تعنّت أسياس يقف خلف كثير من الجوانب الإشكالية في العلاقة بين البلدين. لكن إذا تجاوزنا الشخصيات، فهناك عاملان جوهريان يحكمان هذا الصراع.
العامل الأول هو انعدام شعور الدولة الإريترية بالأمن تجاه استقلالها واستمرار كيانها. فبين بعض النخب الإريترية، هناك خوف دائم من أن إثيوبيا القوية والمستقرة تشكل تهديداً لاستقلال إريتريا وبقائها كدولة. وقد دفع هذا الخوف الحكومة الإريترية إلى اتباع سياسة تهدف إلى زعزعة استقرار إثيوبيا، من خلال دعم الجماعات المسلحة التخريبية داخلها. ورغم أن إريتريا تمارس هذا النهج اليوم على نطاق أوسع مما مضى، إلا أن هذه السياسة ليست جديدة؛ فقد استمرت لأكثر من خمسة وعشرين عاماً.
العامل الثاني هو الاستياء العميق المتجذر لدى معظم الإثيوبيين من كون بلادهم دولة حبيسة بلا منفذ بحري. فكثير من الإثيوبيين يرون أن الطريقة التي نالت بها إريتريا استقلالها كانت عملية معيبة، لم تراعِ المصلحة المشروعة لإثيوبيا في الحصول على منفذ خاص إلى البحر. ورغم أن رئيس الوزراء ميليس زيناوي كبح هذا الشعور، فإن حتى أقرب مساعديه كانوا يشاركون هذا الرأي، وهو ما يتجلى اليوم في السياسة الرسمية للحكومة الإثيوبية.
إن محاولة حل هذا الجمود المزمن بين البلدين تتطلب معالجة هواجس الدولة الإريترية بشأن أمنها واستقلالها، وكذلك تطلعات الدولة الإثيوبية نحو منفذ آمن إلى البحر. ومن خلال بعض الخيال والإبداع، يمكن تحقيق ذلك. فإذا تجاوز البلدان نهج “صفر المكسب” الذي جعلهما ينزفان لعقود، فهناك حاجة لتبني مقاربات جديدة.
وفي هذا السياق، تستحق المقترحات التي طرحها السفير دينا مفتي — وهو دبلوماسي إثيوبي متقاعد وعضو حالي في البرلمان — النظر الجاد، إذ دعا إلى اتحاد فوق وطني إثيوبي-إريتري يقوم على أربعة أعمدة: التكامل الاقتصادي، ومجلس سياسي مشترك، وتعاون أمني ودفاعي، وبُعد ثقافي واجتماعي. فإذا أرادت الأجيال الحالية والمقبلة تجنب تكرار التاريخ الدموي للستين عاماً الماضية، فلا بد من اعتماد مقاربات جديدة تراعي تماماً حساسيات ومصالح واحتياجات البلدين.
قد لا يتفق الجميع مع كل ما طرحه السفير دينا من تشخيصات وتحليلات خلفية، لكن الخطوط العريضة لوصفته ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لمسار المستقبل بين إثيوبيا وإريتريا.
إن تجاوز الشخصيات والشعارات القديمة يتطلب التفكير في مشروع طويل الأمد يوفّر إطاراً للتعايش بين البلدين. ويجب أن يُمكّن هذا الإطار — أي كومنولث إثيوبي-إريتري — الدولتين من الازدهار عبر الاعتماد المتبادل والتعاون المؤسسي المنظم. إن مثل هذا الكومنولث بين دولتين مترابطتين سيكون الأساس لسلام دائم وازدهار مستمر في منطقة القرن الأفريقي الكبرى.
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها وصحيفة المصدر، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف شبكة رصد إريتريا الإخبارية



