
رصد اريتريا | برن – سويسرا
حبتياب يماني، قاضٍ سابق في المحكمة العليا الإريترية، لم يعد يلبس عباءة القضاء، بل أصبح نازحاً في سويسرا، يسكن الحنين إلى وطن يؤمن بأنه لم يعرف بعد معنى دولة القانون.
قسم لا يُقسم
في إريتريا، يُلزم الدستور القضاة بأداء قسم يبدأ بـ”أقسم بشهداء إريتريا…”، لكن يماني، الذي شغل منصباً قضائياً رفيعاً، يعترف: لم يُؤدّ أحد هذا القسم قط. السبب بسيط وخطير: دستور 1997 لم يُطبّق أبداً. جميع القضاة ظلّوا “مؤقتين”، بلا حصانة، بلا استقلال، وبلا حماية.
قانون بلا سلطة
لـ16 عاماً، عمل يماني داخل السلك القضائي، لكن دون أي قدرة حقيقية على إحقاق العدالة. كان ذلك “عملاً مؤقتاً”، مجرد غطاء لمنظومة تحكمها الأجهزة الأمنية والولاء السياسي لا القوانين.
في لقائه مع موقع “سويس إنفو”، يقول يماني إن القضاء الإريتري مجرد واجهة. فبدلاً من أن تكون القوانين مرجعاً، أصبح “الجيش هو السلطة الحقيقية”. القضاة لا يحكمون، بل يُستخدمون.
من قاعة المحكمة إلى غرفة في كنيسة
من داخل غرفة اجتماعية تابعة لكنيسة في العاصمة السويسرية برن، جلس يماني ليعيد سرد حكايته: شاب تخرّج من كلية الحقوق بعد الاستقلال، بدافع الإيمان بالعدالة، تلقى تعليمه على يد أساتذة أمريكيين، وقرر أن يخدم وطنه عبر الصحافة والقانون.
صحيفة الحرية التي أطفأها النظام
في عام 1998، أطلق يماني وصحبه صحيفة مستقلة، تناولت قضايا القضاء وحقوق الناس، وسرعان ما لاقت رواجاً واسعاً، وصلت طبعتها إلى 40,000 نسخة. لكن هذا النجاح لم يعجب السلطة.
حين عاد من دراساته العليا في الهند عام 2001، محملاً بالكتب والآمال، وجد زملاءه الصحافيين في السجن. ذهب إلى زيارتهم ومعه كتب، لكن الحراس منعوه. حاول الاحتجاج على أساس القانون، فجاءه الرد: “هؤلاء سجناء الرئيس”. عندها أدرك أن ما درسه في الجامعة لا قيمة له في وطن يحكمه الخوف.
الخدمة الوطنية: غطاء للعبودية
في يناير 2002، تلقى خطاباً بتعيينه قاضياً “مؤقتاً”، لكن دون راتب، ضمن “الخدمة الوطنية” التي فُرضت على الجميع. هذه الخدمة، كما وثقت تقارير الأمم المتحدة لاحقًا، تحوّلت إلى أداة للاضطهاد، وبيئة ارتُكبت فيها “جرائم ضد الإنسانية” داخل معسكرات التدريب والسجون.
القضاء خاضع للجيش
يشير يماني إلى واقعٍ مروّع: القضايا في إريتريا لا تُعرض على محاكم مدنية، بل على “محاكم خاصة” تعمل خارج أي أطر قانونية معروفة، وتحت هيمنة تامة من الجيش. ويقول: “رجال الجيش بإمكانهم اتخاذ أي قرار، دون رقابة، ودون احترام للقانون”.
حلم بدولة القانون… انقلب كابوسًا
كان حلم حبتياب يماني واضحاً: أن يكون جزءً من بناء دولة تحترم العدالة والحقوق. لكنه اصطدم بحقيقة مرة: الدولة اختطفت الحلم، واغتالت القانون، وحوّلت القضاء إلى أداة قمع.
في سويسرا… لاجئ ومُطالب بالعدالة
اليوم، يعيش يماني كنازح في سويسرا، لكنّه لم ينسَ وطنه. يتابع التطورات السياسية، ويسعى عبر النشاط المدني لدعم مستقبل ديمقراطي في إريتريا. ربما فقد قوس العدالة هناك، لكنه ما زال يملك صوته.
أسئلة مفتوحة للقارئ:
• ماذا يعني أن يتحول القاضي إلى لاجئ؟
• كيف يمكن لمجتمع أن يثق بالقانون، حين يتحكم الجيش بالمحاكم؟
• من يحاسب من يرتكب الجرائم “خارج الطريق العام”؟



