مدونات

الإنترنت – عزلة رقمية، رقابة شاملة، وأصوات منفية تبحث عن نافذة للحقيقه .

المنفي رقم ٢٤ يكتب

تخيل أنك تعيش في بلد لا يمكنك فيه قراءة صحيفة مستقلة، أو مشاهدة قناة تلفزيونية غير خاضعة للدولة، أو حتى البحث بحرية في الإنترنت. تخيل أن كل ما تعرفه عن العالم من حولك، عن بلدك، عن مستقبلك، تحدده جهة واحدة فقط: السلطة.

هذه ليست رواية خيالية عن دولة شمولية، بل الواقع اليومي لملايين الإريتريين. في زمن الإنترنت المفتوح والاتصال اللامحدود، تقف إريتريا كجزيرة معزولة عن تدفق المعلومات، محاطة بجدران رقمية وأمنية تمنع شعبها من الوصول إلى الحقيقة.

في هذا البلد الصغير الواقع على البحر الأحمر، تحوّل الاتصال بالمعلومة إلى امتياز نادر، وتحولت الحقيقة نفسها إلى مادة خاضعة للرقابة، والتشويه، والاحتكار. لا وجود لصحافة مستقلة، ولا فرصة للنقد العلني، ولا مكان للرأي الآخر. المواطن مراقب حتى في صمته، والمتصفح البسيط قد يُتهم بالخيانة.

لكن خلف هذا الحصار الصامت، ثمة مقاومة. أصوات في المنفى، منصات رقمية، وشبكات إعلام بديل تحاول كسر الصمت، وكشف ما يحدث خلف الجدران المعتمة.

في هذا النص، نذهب إلى عمق هذا الصراع: من يملك الحقيقة في إريتريا؟ وكيف أصبحت المعلومة سلاحًا وأرض معركة في بلد لا يسمح بالسؤال .

الرقابة الصارمة على الإنترنت: حين تتحول الشبكة إلى مصيدة

في إريتريا، لا يُعد الإنترنت وسيلة للاتصال أو المعرفة، بل مساحة خاضعة للرقابة المشددة، يُراقب فيها كل ما يُكتب ويُقرأ، وتُصنّف فيها محاولات البحث عن الحقيقة كأفعال مريبة. ورغم أن الإنترنت دخل البلاد منذ مطلع الألفية، فإن استخدامه لا يزال محصورًا ومقيدًا بشكل يندر مثيله في العالم.

أغلب المواطنين لا يملكون إنترنت منزلياً . وحتى من يستطيع الوصول إليه عبر مقاهٍ محدودة في العاصمة أسمرة، يجد نفسه تحت عين الدولة، حيث تُراقب نشاطاته عبر أدوات بدائية ومتقدمة، تبدأ من تقييد المواقع وتنتهي بتتبع المستخدمين واعتقالهم. المواقع الإخبارية المستقلة، منصات التواصل، وحتى تطبيقات التراسل الآمن، إما محجوبة أو مراقبة. وفي كثير من الحالات، يكفي أن تُضبط وأنت تقرأ موقعًا محظوراً لتجد نفسك قيد الاستجواب أو خلف القضبان.

الرقابة هنا ليست فقط تقنية، بل نفسية وأمنية. المواطن يعلم أن المعلومة ثمينة، لكنها أيضًا محفوفة بالخطر. الدولة تنشر الخوف، لا عبر القوانين فحسب، بل من خلال أمثلة حيّة لصحفيين ونشطاء اعتُقلوا لمجرد متابعتهم لمصادر بديلة أو مشاركتهم لرأي لا يمر عبر فلاتر الدولة.

ورغم هذا القيد الثقيل، تظل بعض الأصوات تُحاول كسر الحصار. من خلال برامج VPN، أو الوصول إلى الإعلام البديل في المنفى، أو حتى مشاركة المعلومة شفهيًا. لكن هذه المحاولات تظل محفوفة بالمخاطر، وتدفع ثمنها فئة من الشباب الذين يريدون فقط أن يعرفوا، ويفكروا، ويشاركوا.

في إريتريا، لا يُستخدم الإنترنت لتوسيع الأفق، بل لتضييقه. تُمنح منه جرعات صغيرة، محسوبة، ومُراقبة. أما من يتجاوز الخط، فغالبًا ما يُواجه عواقب لا تُحمد. الإنترنت في إريتريا ليس أداة حرية، بل أداة تحكم، وساحة معركة بين شعب يسأل ودولة ترفض الإجابة.

احتكار الدولة لوسائل الإعلام: صوت واحد.. وطن صامت

في إريتريا، لا يوجد هامش للحياد، ولا مكان للرأي الآخر. وسائل الإعلام ليست نافذة يطل منها المواطن على العالم، بل مرآة تعكس وجه النظام فقط. منذ الاستقلال عام 1993، احتكرت الدولة جميع وسائل الإعلام، وفرضت على الصحافة قانون الصمت. لا قنوات خاصة، لا إذاعات مستقلة، لا صحف حرة. فقط مؤسسات رسمية، تبث رواية واحدة، لا تتغير ولا تُناقش.

التلفزيون الرسمي “إريتريا تي في”، والإذاعة الوحيدة “إذاعة صوت الجماهير”، والصحف الحكومية كـ”حداس إريترا” و”إريتريا Profile”، كلها تتحدث بلغة واحدة، وتدور في فلك السلطة. الأخبار تأتي من الأعلى، والتحقيقات معدومة، والأسئلة ممنوعة. المواطن لا يعرف سوى ما تسمح الدولة بمعرفته، وتلك المعرفة غالبًا ما تكون منقوصة، مؤدلجة، ومحملة بشعارات لا علاقة لها بالواقع.

منذ حملة الاعتقالات الواسعة عام 2001، التي طالت صحفيين بارزين ومؤسسين لأولى الصحف المستقلة، خمدت آخر الأصوات الحرة داخل البلاد. أُغلقت الصحف المستقلة، واعتُقل الصحفيون دون محاكمات، بعضهم لا يزال خلف القضبان حتى اليوم، في ظروف غير إنسانية. تلك الحملة لم تكن مجرد إجراء أمني، بل إعلان واضح: لا صوت يعلو فوق صوت الدولة.

وما تبقى اليوم من “إعلام” داخل إريتريا ليس سوى أداة للدعاية الرسمية. لا أحد يجرؤ على نقد السياسات، ولا على طرح قضايا الفساد، أو التدهور الاقتصادي، أو انتهاكات حقوق الإنسان. حتى البرامج الثقافية والفنية تُفصّل وفق منظور السلطة، وتخضع لمقصّ الرقابة قبل أن تُذاع.

ومع انعدام الإعلام الحر، فقد المواطن الإريتري ثقته بأي منصة داخلية. أصبح يتلقى المعلومات من الخارج، حين تسنح له الفرصة، عبر الإعلام المعارض في الشتات، أو عبر وسائط التواصل المحفوفة بالمخاطر. لكن الخوف يبقى حاضرًا؛ فكل من يضبط وهو يشاهد قناة “إريتريا هوب” المعارضة أو يقرأ موقعًا مستقلًا مثل “رصد إريتريا” قد يُتهم بالتخابر أو التحريض.

في إريتريا، ليس الإعلام أداة تثقيف أو تنوير، بل وسيلة لإعادة إنتاج الصمت. هو جهاز يُعيد صياغة الواقع بما يخدم السلطة، ويُقصي كل من يحاول طرح أسئلة لا تُحبذها الدولة. وطن بلا صوت، أو بصوتٍ واحد فقط، لا يعرف إلا التصفيق.

المواطن بين المطرقة والسندان: الصمت المفروض والخوف المزروع

كيف يتنفس الإريتريون الحقيقة من ثقوب الخوف في بلدٍ لا يُسمح فيه حتى للأسئلة أن تولد، يصبح الوصول إلى المعلومة عملاً سرياً ، محفوفاً بالمخاطر. في إريتريا، لا يختار الناس بين قنوات إخبارية، بل يختارون إن كانوا سيجازفون بمتابعة خبر، أو يحافظون على سلامتهم بالصمت. المواطن الإريتري محاصر بين مطرقة الرقابة وسندان القمع، يتلقى المعلومة كما يتلقى الممنوعات: خلسة، في الظل، بقلقٍ يفتك بالطمأنينة.

في أحد الأحياء القريبة من أسمرة، قال شاب في الثلاثينات من عمره، نتحفظ على اسمه لدواعٍ أمنية، “أتابع أخبار العالم من هاتف مكسور، بلا إنترنت، فقط عبر فيديوهات تصلني من أصدقاء في الخارج عبر USB… لا أستطيع فتح التلفاز على قناة أجنبية، ولا استطيع مشاهدة القنوات الإخبارية العالمية الجزيرة وغيرها ولا أجرؤ على التحدث عن السياسة. كل شيء مراقب”. هذه الشهادة، رغم بساطتها، تكشف حجم الرعب الذي يتسلل إلى حياة الناس من التفاصيل الصغيرة.

البلوتوث تحول إلى وسيلة مقاومة. الفلاشات تمر من يد إلى يد كما كانت الكتب الممنوعة تُمرر في عصور الظلام. مقاطع من قنوات المعارضة، تسجيلات صوتية، صور من المظاهرات في الخارج، كلها تنتشر بلا توقيع، بلا مصدر، بلا ثقة كاملة، لكن بحذر وتلهف. يقول أحد الشهود في مدينة كرن: “وصلني ملف PDF عن أوضاع السجون من صديق مقيم في ألمانيا. لم أفتحه إلا في الليل، بعد أن أغلقت كل النوافذ، ووضعت الهاتف في وضع الطيران.”

الفيسبوك لا يُستخدم بأسمائهم الحقيقية. الحسابات بأسماء مستعارة، الصور مشوشة، والتعليقات مقتضبة. مجرد إعجاب بمنشور معارض قد يُعرض صاحبه للاعتقال أو التحقيق. “كل من تم اعتقاله في 2021 في منطقتنا، كان لديه حساب على فيسبوك. لم يُقال السبب، لكننا نعرف. الأجهزة الأمنية تراقب كل شيء، حتى الـ Wi-Fi، وحتى رسائل الماسنجر”، يروي أحد الشهود من تسني، رفض كشف هويته.

الثمن لا يتوقف عند الاعتقال فقط. فبعض من حاولوا تمرير مقاطع فيديو أو نقل أخبار تم اقتيادهم إلى جهات غير معلومة، ولم يُعرف مصيرهم حتى اليوم. منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت حالات عديدة لأشخاص اختفوا بعد ضبطهم متلبسين بـ”جرم المعرفة”. لا محاكمة، لا توضيح، لا حتى إشعار لذويهم.

رغم كل هذا، لا يزال البعض يغامر. ليس لأنهم لا يخافون، بل لأنهم لا يحتملون العيش في ظلام كامل. يقول أحد الناشطين المقيمين في الخارج: “في كل مرة أرسل فيها مقطعاً ، أعلم أنني أضع من فتحه في خطر. لكنهم يطلبونه. يكتبون لي: أرسل لنا الحقيقة، نحن عطشى لها”.

في إريتريا، لا تحتاج إلى كاميرا أو قلم أو ميكروفون لتكون صحفياً معارضاً . يكفي أن تشارك مقطعاً ، أو تُرسل رابطاً ، أو تُهمس بمعلومة. في هذا البلد، حتى الحروف تُحاسَب، والصمت وحده هو الضمان الوحيد للبقاء… لكن حتى الصمت، لم يعد كافياً دائماً .

الوعي تحت القيد: كيف تُقتل الحقيقة في الذاكرة الجماعية؟

حين يُولد الإنسان في مناخ من الخوف، لا يتعلّم فقط أن يصمت، بل يتعلّم أن ينسى. في إريتريا، لا يُقمع الناس فقط، بل يُعاد تشكيل وعيهم. الرقابة ليست مجرد أداة سياسية، بل أسلوب حياة، تُربّى عليه الأجيال، ويتوارثه الصغار من الكبار كما يتوارثون اللغة والعادات.

الطفل في إريتريا لا يسمع في بيته إلا الهمس، ولا يرى في مدرسته إلا شعارات التمجيد، ولا يقرأ إلا ما كتبته الدولة. تنمو ذاكرته السياسية بلا أسئلة. ثم، حين يكبر، يُرسل إلى معسكر الخدمة الوطنية، حيث لا كتب ولا إنترنت ولا منابر حرة. هناك، يُعاد برمجته بالصمت، حتى يصبح الطاعة جزءًا من تكوينه.

في هذا المناخ، لا تُكبت الآراء فقط، بل تُمسح من الأصل. العقل يُدرب على الخضوع، والذاكرة تُغلف بالريبة. حتى من يشك في رواية النظام، يخاف من أن يصارح نفسه بذلك. في حديث مع شاب إريتري هارب إلى السودان، قال: “أسوأ ما في الحياة هناك، أنني بدأت أقتنع أني لا أستحق معرفة الحقيقة. شعرت أنني أقل من أن أفكر.”

هذا القمع الناعم والخشن معاً، يصنع مواطناً مجهداً ، مكسوراً داخلياً . فهو يعرف أن هناك شيئًا خطأ، لكنه لا يملك لغة لشرحه، ولا مساحة للتعبير عنه، ولا أحد يستمع إن تحدث. يعيش في عزلة عقلية داخل وطنه، في مجتمعٍ متواطئ بالصمت، ومجروح بالخذلان.

لكن، وسط هذا الركام، يولد أمل هش لكنه عميق. في كل رسالة تُهرب عبر الحدود، في كل فيديو يُرسل عبر بلوتوث، في كل منشور مجهول على فيسبوك، تُزرع بذرة مقاومة. هذه البذور، حتى وإن لم تُثمر فوراً ، تفتح فجوات صغيرة في الجدار الكبير. والوعي، مهما طال حبسه، لا يموت. بل يتكاثر في الظل، ويكبر في المنفى، ويعود يوماً ليضيء وجوه الذين نسوا طعم الحقيقة.

إريتريا اليوم ليست فقط بلداً تحت الحكم الشمولي، بل بلدٌ يعيش معركة طويلة على الذاكرة. كل خبر يُهرب، كل شهادة تُنشر، هي فعل إنقاذ للوعي، ومقاومة للصمت، وتذكير بأن هناك من لا يزال يرى، ويسمع، ويقول… ولو همساً .

صوت المنفى: حين لا تموت الحقيقة بل تهاجر

حين تُغلق النوافذ في الداخل، تفتح الأبواب في الخارج. المنفى الإريتري، رغم غربته، لم يكن مكاناً للهروب فقط، بل تحوّل إلى مساحة للحفاظ على ما تبقى من ذاكرة وطن. في المدن البعيدة من الخرطوم إلى أوتاوا، وفي أقبية الإنترنت، وفي تسجيلات الهاربين، ولقطات الهاتف المسروبة من الحدود… تعيش الحقيقة الإريترية وتتنفس.

المنصات الإعلامية المعارضة التي أسسها لاجئون، والصحفيون الهاربون من الجحيم، والمواطنون العاديون الذين قرروا أن يخبروا العالم بما يحدث، جميعهم باتوا يشكلون شبكة مقاومة من نوع خاص. لا يحملون السلاح، بل يحملون المعلومة. لا يصدرون الأوامر، بل يروون القصص. وفي بلدٍ تُعامل فيه القصة كجريمة، يصبح الراوي بطلاً.

في كل تدوينة تفضح الظلم، في كل بودكاست يحلل المشهد، في كل صفحة توثق المختفين، يُعاد تركيب ما حطّمه الخوف. المواطن الإريتري الذي لم يجد من يعلمه الحقيقة، صار يتلقاها من الخارج، من أصوات تشبهه، لكنها نجت. والطفل الذي تربى على الصمت، يسمع الآن روايات بديلة، تفتح له نافذة صغيرة على عالم آخر، فيه أمل، وفيه حرية.

الهروب لم يعد نهاية الحكاية، بل بداية دور جديد. لأن الحقيقة، حين تُطارد في الداخل، لا تختفي. إنها تهاجر، وتعود. أحياناً في شكل تسجيل، وأحياناً في شكل صورة، وأحياناً في شكل رجل عجوز يروي للجيل الجديد كيف كانوا يعتقلون من يتكلم.

رسالتي ان المعركة في إريتريا لم تعد فقط معركة سياسية. إنها معركة على الذاكرة. معركة على الحق في أن تعرف، وفي أن تسأل، وفي أن تقول. ومع كل صوت يخرج من المنفى، يصبح الصمت داخل البلاد أضعف، وتقترب اللحظة التي ينكسر فيها الخوف… ويعود الوعي من غربته.

انتهى

المصادر
‏ • Freedom House: “Eritrea: Freedom in the World 2024 Country Report”
‏ • Reporters Without Borders: “Eritrea | RSF”
‏ • ICTWorks: “Understanding Eritrea’s Exceptionally Limited Internet Access”
‏ • Committee to Protect Journalists: “10 Most Censored Countries”
‏ • Toward Freedom: “The Eritrean Diaspora is Unsettling its Autocratic Regime Through Social Media”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى