هل تستطيع إثيوبيا سحب اعترافها باستقلال إريتريا؟

رصد اريتريا | الكاتب : عبدالقادر محمد علي

في ذروة التوتر الحالي مع إريتريا تتداول العديد من النخب الاثيوبية فكرة أن بلادهم قد تسحب اعترافها باستقلال إريتريا، حيث تعتبر هذه النخب ان دعم استقلال إريتريا أو موافقة إثيوبيا على انفصال إريتريا كما يقولون كان قراراً أثبت الزمن خطأه ويجب تصحيحه أيضاً.
وقد اطلعت مؤخراً على العديد من المقالات في هذا السياق، والتي تناقش هذا الموضوع بجدية كاملة، ومكمن الأهمية هنا متجسد في عدد من النقاط:

أولاً: نحن نعلم أن هناك شرائح من الإثيوبيين لم تستسغ ولم تقبل مطلقا فكرة استقلال إريتريا، وهو شيء مفهوم في تقديري، لكن ما نراه الآن أن بعض النخب تحاول الاستفادة من التوتر مع إريتريا لمحاولة قوننة مثل هذه الآراء وإسنادها إلى القانون الدولي وتفسيراته.

ثانياً: كانت النخب أو الشرائح التي تتبنى هذه الأفكار بعيدة إلى حد ما عن السلطة، لكن ما نراه الآن أن نخباً قريبة من السلطات الحاكمة في أديس أبابا تطرح هذه الأفكار وتناقشها وتدافع عنها أيضاً.

ثالثاً: إطلاق هذه الأفكار قد يكون مرتبطاً برسائل سياسية تعبر عن توجهات سياسية وفكرية معينة، لكنها أحياناً قد تتحول إلى توصيات للسلطة الحاكمة تحاول أن تمهد لها الطريق عبر إكساب بعض الأفكار الثوب القانوني والبحثي، وبالنظر إلى آخر المقالات المنشورة في مركو هورن ريفيو، وهو مركز بحثي أكاديمي مقره أديس أبابا (للملاحظة هذه ليست المقالة الأولى التي تتناول هذا الموضوع في هذا المركز، حيث نُشرت مقالة أخرى أيضا في نفس السياق ونفس الموضوع تقريبا وإن كانت زاوية التناول مختلفة قليلاً) فنتيجة لإدارك القائمين على المركز حساسية هذا الموضوع فقد وضعوا ملاحظة صغيرة تحته لإخلاء المسؤولية عن المكتوب في المقال الذي وصفته الملاحظة بأنه توصية تسلط الضوء على العوامل التي قد تراعيها إثيوبيا عند تقييم مدى حكمة إلغاء الاعتراف بإريتريا.. فببساطة هذا خطاب موجه للسلطة في إثيوبيا.
ولكن هل هذا الخطاب مجرد من الحجج أو هو فقط نوع من الشعارات أو الكلام البلاغي؟ الحقيقة لا، هناك استناد إلى محاججات ونقاشات قانونية، وهذه أهمها:

أولاً: أن “انفصال” إريتريا حدث “بموافقة” إثيوبيا، وهذا يعطيها حقا استثنائيا في مراجعة تلك الموافقة وفي سحبها أيضا.

ثانياً: الحجة الثانية هي تغير الظروف الأساسية. بمعنى أن الاعتراف الاثيوبي باستقلال اريتريا عام 1993 كان قائما على افتراض ضمني هو قيام دولة إريترية مسؤولة وجارة مسالمة، وهذا الافتراض تبين خطأه بتحول اريتريا إلى مصدر للأعمال العدائية تجاه اثيوبيا، وبالتالي فإن الأساس الذي بني عليه هذا الاعتراف قد زال ولذا فإمكانية سحب هذا الاعتراف أيضاً واردة.

ثالثاً: فشل إريتريا في استيفاء شروط الدولة. فوفقاً لاتفاقية مونتفيديو فإن شروط الدولة هي السكان والأرض أو الإقليم والحكومة والقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى. هذه المقالات ترى أن إريتريا فشلت في الوفاء بهذه الشروط. على سيبل المثال تحولت أسمرة إلى عامل عدم استقرار في المنطقة وأخفقت في بناء علاقات بناءة مع الجوار وعملت على تقويض أمن جيرانها إلخ. كما أن هناك حالة من النزوح الجماعي والتهجير القسري نتيجة برنامج الخدمة الوطنية غير المحددة المدة فبالتالي فشرط السكان من وجهة النظر هذه سقط في الحالة الإريترية.

رابعاً: أن “انفصال” اريتريا تم تحت حكم سلطة تفتقر إلى التفويض الشعبي الديمقراطي في أديس أبابا.. لماذا؟ لان الحكومة التي كانت في سدة السلطة في ذلك الحين وصلت إليها عبر البندقية والكفاح المسلح وليس عبر الانتخابات، فهي هكذا لا تمتلك شرعية ديمقراطية انتخابية، وأن الانتخابات التي أفرزت المجلس التشريعي الذي كان في إثيوبيا عند استقلال إريتريا عليها العديد من علامات الاستفهام حيث قاطعتها مجموعة من الأحزاب الكبرى فهي بالتالي أيضا غير ممثلة للشعب الإثيوبي ، بجانب أن انفصال إريتريا كما تقول هذه المقالات تم قبل إقرار دستور اثيوبي يقر حق الانفصال للقوميات الإثيوبية، وبالتالي وفق هذا المنطق فالموافقة على استقلال او انفصال إريتريا يفتقر إلى الأساس الدستوري.

هذه هي النقاط الأربعة الأساسية بكل تفصيلاتها، وقد لجأت إلى أحد خبراء القانون الإرتريين مولانا الأستاذ عبد الله خيار وقد سالته عنها، وأجاب مشكوراً بالتالي:

أولاً:إريتريا لم تنل استقلالها بتنازل من حكومة إثيوبية مؤقتة أو انتقالية، بل حصلت عليه عبر استفتاء حر تحت إشراف الأمم المتحدة، صوّت فيه 99% من الإريتريين لصالح الاستقلال. الاعتراف بإريتريا كدولة ذات سيادة لم يكن قراراً إثيوبياً أحادياً، بل قراراً أممياً وجماعياً اعترفت به الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وقرار الامم المتحدة، الخاص بتنظيم الاستفتاء الشعبي في إريتريا، كان قائماً على مبدأ حق تقرير المصير، باعتبار إريتريا قضية من قضايا تصفية الاستعمار المدرجة في الأمم المتحدة وليس باعتبارها إقليماً إثيوبيا، كما أن القرار الخاص بقبول طلب إريتريا لعضوية الأمم المتحدة استند أيضاً على المبدأ المذكور ولم يعتبر إريتريا إقليماً انفصل عن إثيوبيا، وبالتالي ففكرة الانفصال لا أساس قانونياً لها.

ثانياً: القول بأن الحكومة الإثيوبية آنذاك كانت انتقالية ولا تمتلك الصلاحية، لا سند له في القانون الدولي، إذ لا يوجد نص يمنع الحكومات المؤقتة أو الانتقالية من إبرام اتفاقيات سلام أو الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، فمليس زيناوي وقع العديد من الاتفاقيات والمعاهدات في تلك الفترة فهل تعد كلها باطلة أيضاً بنفس المقياس؟

ثالثاً: من منظور القانون الدولي، فإن الاعتراف بالدول هو عمل نهائي لا رجعة فيه، متى ما توافرت شروط الدولة (شعب، إقليم، حكومة، سيادة)، وتحقّق الاعتراف الدولي بها. حتى لو ثار جدل سياسي حول طبيعة الحكومة الموقعة على إجراء الاستفتاء، فإن ذلك لا يغيّر من الصفة القانونية والاعتراف الدولي بإريتريا، والذي أصبح عرفاً وقاعدة مستقرة منذ ثلاثة عقود.

وبالنسبة لافتقار إريتريا إلى الشروط الأربعة على الرغم من أن عدد السكان يتناقص، فإن القانون الدولي يتطلب وجود مجموعة سكانية دائمة، وليس بالضرورة استقرارها أو عدم هجرتها، وإذا كانت إثيوبيا ستسحب اعترافها بناءً على”انتهاكات حقوق الإنسان” والعلاقات المتوترة مع الجوار، فهل يجب تطبيق هذا المعيار على جميع الدول في المنطقة التي تعاني من قمع أو علاقات متوترة مع الجوار وخاصة أن كل دول المنطقة متورطة في شؤون جوارها وفي حرب الوكالات.

هل ستفعل إثيوبيا ذلك مع الجميع أم مع إريتريا فقط؟ وهل يجوز أصلا لدولة منفردة أن تتخذ قرارًا بهذه الخطورة دون تفويض دولي واسع؟
والحقيقة أن أكثر المحاججات الإثيوبية قائمة على فكرة انفصال إريتريا وموافقة أديس أبابا على هذا الانفصال وهي حجة غير واقعية لأن الاستقلال الإرتري كما أسلفنا هو نتيجة استفتاء قائم على تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير ولذلك فأحد القانونيين الإثيوبيين الذين تواصلت معهم قال بصراحة الدولة الإرترية كائن قائم بذاته ولا يمكن التأثير على شرعية وجوده.

والحقيقة أنه لا يمكن فصل هذا الموضوع عن النقاش السياسي الجاري حالياً حول ملكية إثيوبيا لجزء من الساحل الإرتري ومحاولة إسناد ذلك بأدلة قانونية في حين يتم التصعيد بالتلويح من قبل الباحثين وغيرهم بإمكانية سحب الاعتراف باستقلال إريتريا، والمقال نفسه يؤكد ذلك بتوضيحه أن سحب الاعتراف شكل تاريخياً رافعة دبلوماسية لإجبار الدول على إعادة التفاوض على الحدود والنفوذ والحوكمة، كما حدث في حالات مثل ألمانيا الشرقية قبل إعادة التوحيد، أو انخراط باكستان المشروط مع بنغلاديش في أوائل سبعينيات القرن الماضي. بالنسبة لإريتريا، ستُسقط هذه الخطوة شرعية المطالبات الأحادية الجانب بالأراضي والسيادة، لا سيما في المفاوضات المتعلقة بسعي إثيوبيا للوصول إلى البحر كما يقول المقال. فالهدف هدف سياسي بحت.

لكن هل تستطيع إثيوبيا فعل ذلك وما الذي سيترتب على مثل هذه الخطوة؟

الحقيقة نعم تستطيع إثيوبيا فعل ذلك وما سيترتب عليه لن يكون إلغاء للصفة الرسمية للدولة الإرترية التي اعترف بها العالم، ولكن التداعيات المتوقعة وفق رؤية المقال هي أنه سيُغير موقعها جذريًا في منطقة القرن الأفريقي، ويُعيد تقييم حساباتها الإقليمية.. وهي مسألة ستحددها وقائع القوة في المنطقة لا أكثر.

لكن عملياً مثل هذا الإعلان لن يترتب عليه قطع العلاقات بين البلدين ولا التهديد بإعلان حرب لكن أيضاً سيكون انتهاكاً مباشراً وصريحاً لمبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو انتهاك غريب من دولة تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي! بل قد يؤدي إلى نقل هذا المقر إلى خارج إثيوبيا، حيث ذكر رئيس إقليم أرض الصومال السابق موسى بيحي أن الرفض الأفريقي لمذكرة التفاهم بين الإقليم وإثيوبيا وصل إلى درجة التهديد بنقل المقر إلى دولة أخرى في ظل تهديد إثيوبيا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.

كما ستستدعي مثل هذه الخطوة رفضاً دولياً واسعاً يضع إثيوبيا تحت ضغوط كبيرة لن تستطيع تحملها.
ولذلك فنعم إثيوبيا تستطيع سحب الاعتراف باستقلال إريتريا نظرياً لكن واقعياً سيكون من الصعب عليها تحمل العواقب، ولذلك تبدو المسألة كلها تلاعباً سياسياً متستراً بحجج قانونية لا أكثر.

Exit mobile version