مولانا عبد الله خيار/القاضي السابق في المحكمة العليا في إرتريا
خاص/ رصد اريتريا
في الأسبوع الماضي، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي أنباءً عن إفراج الحكومة الإريترية عن عدد 13 معتقلاً من سجن “ماي سروا” سيئ الصيت، دون أن يصاحب ذلك أي إعلان عن هوياتهم أو أسباب الإفراج. وقد استقبل البعض هذه الأنباء بقدر من التفاؤل، على أمل أن تمثل خطوة أولى نحو معالجة ملف الاعتقال التعسفي الطويل في البلاد. فمنذ سنوات، يطالب الإريتريون ومنظمات حقوق الإنسان بتقديم جميع المختفين قسرياً إلى محاكمات عادلة تتوافر فيها الضمانات القانونية، أو إطلاق سراحهم فوراً ودون قيد أو شرط، مع جبر الضرر وتعويض الضحايا وأسرهم عن سنوات المعاناة والانتهاكات.
غير أنّ السؤال الجوهري يظل قائماً: هل ما جرى في سجن ماي سروا يمثّل إفراجاً حقيقياً نابعاً من بادرة سياسية وإنسانية تعكس تحولاً في سياسات الحكومة الإريترية، أم أنه لا يعدو كونه إطلاق سراحٍ لأشخاص أنهوا مدد احتجاز فُرضت عليهم خارج إطار قضائي شفاف ومعلن؟ وحتى هذه اللحظة، لا توجد أي بيانات رسمية صادرة عن الحكومة تؤكد صحة الأنباء المتداولة أو توضح خلفياتها القانونية وأسبابها، الأمر الذي يترك المجال مفتوحاً للتأويل والتضارب. فالروايات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتباين بشكل لافت، إذ تشير بعض المصادر إلى أن عدد المفرج عنهم لا يتجاوز ثلاثة عشر شخصاً، بينما تذهب روايات أخرى إلى الحديث عن أعداد تصل إلى المئات. وفي ظل هذا الغياب التام للشفافية والمعلومات الموثوقة، يصبح من الضروري التعامل مع هذه الأنباء بحذر بالغ، وتجنّب تقديمها باعتبارها تطوراً جوهرياً أو تحولاً حقيقياً في ملف الاعتقال والإخفاء القسري، ما لم تُدعَم بإعلانات رسمية واضحة وإجراءات قانونية معلنة.
قبل محاولة الإجابة عن السؤال أعلاه، لا بد من الرجوع قليلاً إلى الوراء لفهم النهج الذي تتبعه الأجهزة الأمنية الإريترية في التعامل مع ظاهرة الإخفاء القسري، باعتبارها سياسة ممنهجة لا حالات استثنائية. فعندما يتم اختطاف أي شخص من منزله، أو مكان عمله، أو حتى من الشارع، يُنقل إلى مكان احتجاز سري لا يُعرف موقعه، وتنقطع صلته كلياً بالعالم الخارجي، فلا يُسمح له بالتواصل مع أسرته أو بمحامٍ.
في هذه المرحلة، قد يتعرض المحتجز لتحقيقات تجريها جهات أمنية سرية، وقد تُفرض عليه عقوبة دون إخطار رسمي بطبيعتها أو مدتها. ويُعد هذا الغموض جزءاً من السياسة العقابية المتعمدة، الهادفة إلى كسر الروح المعنوية للمحتجز والتلاعب بحالته النفسية، إذ يُحرم حتى من أبسط حقوقه في معرفة متى تنتهي معاناته أو متى قد يُفرج عنه. فحتى الأمل بوصفه ملاذاً إنسانياً أخيراً يُنتزع منه.
وتتفاوت العقوبات التي تصدرها هذه اللجان الأمنية بين أحكام طويلة الأمد، وأخرى مفتوحة أو مؤبدة، وفي بعض الحالات قد يُحتجز الشخص لسنوات دون أن يخضع لأي تحقيق أو توجَّه إليه تهمة، ثم يُفرج عنه فجأة دون تفسير. وفي مثل هذه الحالات، لا يُسمح للمفرج عنه بالسؤال عن أسباب احتجازه، كل ما يُطلب منه هو مغادرة المكان فوراً. وإذا أصرّ الشخص على المطالبة بمعرفة أسباب احتجازه، يُخيَّر (تحت التهديد ) بين العودة إلى المعتقل أو المغادرة الفورية. ولا شك أن أي إنسان عاقل، بعد تجربة قاسية كهذه، سيختار الحرية الصامتة على حساب الحقيقة المؤلمة.
كما يُنقل بعض المحتجزين، بعد صدور ما يُسمّى بالأحكام، إلى سجون نظامية مثل سجن “سمبل”، حيث خُصص قسم معين لهم أطلق عليه المحتجزون اسم “دبي”، في إشارة إلى الظروف الأفضل مقارنة بسجون الأمن السرية، دون أن يعني ذلك توفر ضمانات قانونية حقيقية.
من خلال مقابلاتي مع عدد من المفرج عنهم، سواء ممن أُطلق سراحهم دون تهمة أو بعد إكمال فترات احتجازهم، ومن خلال معلومات حصلت عليها من أشخاص عملوا داخل هذه المؤسسات، إضافة إلى سوابق الإفراج عن مجموعات اعتُقلت جماعياً ثم أُطلق سراحها بعد انقضاء مدد أحكام غير معلنة، يتضح أن الإفراج بحد ذاته لا يشكل بالضرورة تحولاً في السياسة العامة.
وفي هذا السياق، تزداد الشكوك مع تداول بعض المعلومات التي تفيد بأن المفرج عنهم مؤخراً ينتمون إلى المجموعة المتهمة في قضية الاغتيال الفاشلة لمسؤول جهاز الأمن الوطني اللواء “سمؤن قبردنقل”، وهي مجموعة اعتُقلت في وقت واحد وعلى خلفية قضية جنائية تتعلق بالفساد داخل الاجهزة العسكرية. وإذا صحّ ذلك، فإن الإفراج عنهم وحدهم دون غيرهم من السجناء في قضايا اخرى، يُفهم على أنه نتيجة لانتهاء مدد العقوبات، لا أكثر.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الإفراج بوصفه بادرة حسن نية سياسية وإنسانية، وبين الإفراج باعتباره إجراءً إدارياً تقنياً يترتب على انتهاء مدة الاحتجاز. ويظل الاحتمال الثاني هو الأرجح، ما لم تُستكمل هذه الخطوة بإجراءات واضحة وشفافة تشمل الإفراج عن أعداد أكبر من المعتقلين وفي قضايا متعددة. ولعل الاختبار الحقيقي لأي نية إصلاحية يتمثل في الإفراج عن معلمي ومشايخ المعهد الديني بكرن، ومجموعة الفنان ادريس محمد علي، وعن من تبقى علي قيد الحياة من مجموعة الخمسة عشر، أولئك الذين قوبلت المطالبات بالكشف عن مصيرهم سابقاً بتصريحات رسمية مستفزة، من قبيل القول “لا تدّعوا الحرص عليهم أكثر منا، فهم أقرب إلينا منكم”.
إن اتخاذ خطوات من هذا النوع وحده كفيل بتحويل الإفراج من مجرد إجراء إداري محدود إلى مبادرة سياسية ذات دلالة حقيقية تعكس تحولاً جاداً في التعاطي مع ملف المعتقلين. لذلك، فإن الحذر واجب في التعامل مع هذه الأنباء، خصوصاً في ظل غياب أي إعلان حكومي رسمي يوضح الأسماء التي تم الافراج عنها، أو الأسباب، أو الإطار القانوني للإفراج. فالتسرع في تصوير ما حدث كتحول جوهري قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام ويمنح شرعية غير مستحقة لممارسات ما زالت تفتقر إلى الشفافية وسيادة القانون.
وعليه، لا يمكن اعتبار ما جرى أكثر من واقعة محدودة، ما لم تتبعها خطوات علنية وجادة تعكس إرادة سياسية حقيقية لاحترام حقوق الإنسان. وهو ما يظل مطلباً مشروعاً وتطلعاً مشروعاً لاسر الضحايا ولكل من ينشد العدالة. فالمطالبة بالشفافية وسيادة القانون ليست موقفاً سياسياً، بل حق أصيل للافراد وواجب على الدولة، وأي خطوة لا تستند إلى إعلان رسمي وإجراءات قانونية واضحة وضمانات قضائية مستقلة، تظل خطوة ناقصة لا ترقى إلى مستوى الإصلاح المنشود.
