
رصد اريتريا | thereporterethiopia
إن التوترات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، والتي تتجلى في الاتهام الرسمي الأخير من جانب إثيوبيا بأن إريتريا تستعد للحرب، تهدد بإغراق القرن الأفريقي في جولة جديدة من الصراع المدمر — عودة إلى النزاعات الدموية التي ميّزت تاريخ المنطقة. هذه الأزمة ليست مجرد خلاف دبلوماسي معزول؛ بل هي برميل بارود من المظالم التاريخية والطموحات الجيوسياسية والسياسات الداخلية الهشة. إن فهم جذورها وتبعاتها المحتملة أمر أساسي لشق طريق يبتعد عن حافة الهاوية.
المحفز المباشر للأزمة الأخيرة كان رسالة إثيوبيا الرسمية الأخيرة إلى الأمم المتحدة، التي تتهم فيها الحكومة الإريترية بـ“تواطؤ واضح” مع فصيل متشدد من جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) لشن الحرب. وتزعم إثيوبيا أن هذا التحالف “يموّل ويعبّئ ويوجه جماعات مسلحة” داخل منطقة أمهرة المضطربة في إثيوبيا، مما يشكل تهديداً مباشراً ومنسقاً لسيادتها. كما حذّرت من أن “موقفها الدفاعي” و“أقصى درجات ضبط النفس” لن يستمرا إلى ما لا نهاية. أما إريتريا فقد وصفت التصريحات الإثيوبية السابقة بأنها “سوقية وبائسة للغاية”، رافضة تماماً فرضية طموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري. هذا التبادل من الاتهامات يكشف عن انهيار كامل في الثقة، إذ يرى كل من البلدين أن تصرفات الآخر تهديد وجودي له.
تحت هذه الاتهامات المباشرة تكمن شبكة معقدة من الأسباب الأعمق. في قلب التوتر يكمن سعي إثيوبيا الحثيث — باعتبارها دولة حبيسة — للوصول المباشر إلى البحر. فقد أكد رئيس الوزراء د ابي احمد مراراً أن الوصول إلى البحر الأحمر أمر حيوي من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية لبلاده. لكن إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 ومعه سيطرتها على الساحل، تنظر إلى هذا الطموح بوصفه تهديدًا مباشرًا لسلامتها الإقليمية وسيادتها. ويشير محللون إلى أن إصرار إثيوبيا على الحصول على ميناء — وربما ميناء عصب الإريتري — يمثل قوة دافعة وراء سياستها الخارجية.
إن العداء الحالي يثير الانتباه بشكل خاص بالنظر إلى الماضي القريب. فقبل سنوات فقط، قاتلت إريتريا إلى جانب الجيش الفيدرالي الإثيوبي ضد جبهة تحرير شعب تيغراي خلال حرب تيغراي المدمرة (2020–2022). ومع ذلك، فإن استبعاد إريتريا من اتفاق بريتوريا لعام 2022 الذي أنهى الحرب اعتُبر إهانة حادة في أسمرا، ونسف ذلك التحالف الهش. لقد كان اتفاق السلام الذي هدف إلى إنهاء صراع، سببًا في زرع بذور صراع آخر دون قصد.
كما تعكس الأزمة الحالية عودة ظاهرة التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض. فكلا البلدين متهمان الآن باستخدام قوى بالوكالة. إذ تزعم إثيوبيا أن إريتريا تتعاون مع فصائل من جبهة تحرير تيغراي وميليشيات فانو في أمهرة، بينما تُتهم إثيوبيا بدعم جماعات متمردة إريترية مثل التنظيم الديموقراطي لعفو بحر الأحمر (RSADO). هذا النوع من الحروب بالوكالة يزعزع استقرار المنطقة بأكملها، ويحوّل الصراعات الداخلية في إثيوبيا إلى مسرح لمنافسة بين الدولتين.
إن طبيعة الدولة الإريترية، في ظل الحكم مدى الحياة للرئيس أسياس أفورقي، تزيد من تفاقم الأزمة. فإريتريا، التي توصف بأنها من أكثر الديكتاتوريات سرية في العالم، تفرض قبضة حديدية على شعبها من خلال التجنيد العسكري الإجباري غير المحدود والقمع الشديد للحريات الأساسية. هذا التحكم الداخلي يجعل النظام غير متوقع في علاقاته الخارجية ومقاومًا بشدة للضغوط الدولية.
إن تداعيات هذه الأزمة الوشيكة واسعة وخطيرة. فعلى المدى القريب، فإن تجدد الأعمال العدائية قد يشعل موجة جديدة من العنف واسع النطاق والنزوح والتبعات الإنسانية الكارثية. لقد كشفت حرب تيغراي بالفعل عن التكلفة الباهظة للحرب: مؤسسات مدمّرة، وثقة متآكلة، ومعاناة جماعية. كما أن الصراع سيتجاوز الحدود لا محالة، وقد يجر دولًا مجاورة مثل السودان، الذي له نزاع حدودي مع إثيوبيا، ومصر التي توترت علاقاتها مع أديس أبابا بسبب نهر النيل، وقد عززت مؤخرًا علاقاتها مع إريتريا.
علاوة على ذلك، فإن أي تصعيد يمكن أن يقوض عمليات السلام الهشة، بما في ذلك تلك المتعلقة باتفاق بريتوريا بين إثيوبيا وتيغراي، والذي لا يزال هشًا. ونظرًا لضعف اقتصاد كل من إثيوبيا وإريتريا، فإن الحرب ستكون مدمرة حتمًا وستحطم اقتصادهما. إذ تستهلك التعبئة العسكرية ونفقات الدفاع الموارد العامة الضرورية للتنمية، كما سيتلاشى ثقة المستثمرين على الفور. ستتعطل طرق التجارة، ومشاريع البنية التحتية، والتجارة عبر الحدود. ستكون المناطق القريبة من الحدود معرضة بشكل خاص للاضطراب، حيث ستفقد الوصول إلى الأسواق أو تقع في براثن انعدام الأمن. إن جهود إثيوبيا لتنويع اقتصادها من خلال الزراعة والتعدين والطاقة تعتمد على السلام؛ وأي صراع سيقوض تلك الطموحات بشكل كبير.
كما تثير الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان والإفلات من العقاب قلقاً بالغاً. فكلا البلدين يحملان سجلًا من السلوك الوحشي، بما في ذلك الانتهاكات الموثقة في تيغراي وأمهرة التي شاركت فيها قوات إريترية وإثيوبية على حد سواء. ومن شبه المؤكد أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى إعادة فتح تلك الجروح: انتهاكات، ضحايا مدنيين، تهجير قسري، وصدمات متجددة.
وللمضي قدماً، فإن تجنب الكارثة الوشيكة يتطلب جهداً منسقاً وعاجلًا. فوسط التوترات، لا يزال هناك مجال ضيق للتحرك الوقائي. أولاً وقبل كل شيء، يجب إعادة فتح القنوات الدبلوماسية فوراً. ينبغي لإثيوبيا وإريتريا تعليق الخطاب الاتهامي والالتزام بحوار بوساطة طرف ثالث محايد — مثل الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة — لضمان وقف إطلاق النار أو آلية لخفض التصعيد. وقد صرّح وزير الخارجية الإثيوبي نفسه بأن أديس أبابا مستعدة لـ“مفاوضات بنية حسنة” وتسعى إلى تكامل مؤسسي يحترم السيادة.
ومن بين الإجراءات الأكثر أهمية التي يجب اتخاذها لخفض حدة التوتر، معالجة الرغبة المشروعة لإثيوبيا في الوصول إلى البحر بطريقة منفصلة عن حالة التأهب العسكري الحالية. وعلى هذا النحو، ينبغي للمجتمع الدولي أن يسهل مفاوضات متعددة الأطراف بنية حسنة تشمل جيبوتي وأرض الصومال وغيرها من الجهات الإقليمية لإيجاد حل سلمي وقانوني ومربح للطرفين بشأن الوصول إلى الموانئ، بدلًا من السماح بأن يكون ذلك ذريعة للحرب.
وفي الوقت نفسه، تقع على عاتق كيانات أخرى مثل الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، والاتحاد الأفريقي، ومجموعة شرق أفريقيا، والشركاء الخارجيين (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الصين) مسؤولية مشتركة في الضغط من أجل ضبط النفس، ومراقبة تحركات القوات، وتقديم الضمانات.
لقد عانى شعب القرن الأفريقي أجيالاً من الحروب. إن الصراع المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا أزمة ناتجة عن دبلوماسية فاشلة وطموح غير منضبط، لكنها ليست حتمية بعد. من خلال الدبلوماسية المستمرة، والالتزام بمعالجة المظالم الأساسية سلميًا، واستجابة دولية موحدة، يمكن وقف اندفاع الحرب. أما البديل — أي العودة إلى المذابح الواسعة والفوضى الإقليمية — فهو ثمن لا يستطيع العالم تحمله .



