تقارير

فيزا مقابل ولاء: عندما تتحول السفارات إلى أدوات للابتزاز

تقرير : شبكة رصد اريتريا الاخباريه

مدخل : ادفع وإلا تُحرم من وطنك.

ليست هذه جملة تهديد من عصابة مافيا، بل هي السياسة الرسمية لحكومة إريتريا تجاه أبنائها في المهجر. ملايين الإريتريين الذين فرّوا من ويلات الديكتاتورية والقمع، لم ينجوا كلياً من قبضة النظام، فخارج حدود الدولة الصغيرة التي تطل على البحر الأحمر، هناك شبكة سفارات وقنصليات تعمل بصمت، ليس لتقديم خدمات قنصلية، بل لفرض جباية مالية تُعرف بـ”ضريبة الـ2%”، يدفعها الإريتريون في كل قارة، وإلا فإنهم يُمنعون من تجديد جوازاتهم، أو توثيق زواجهم، أو حتى دفن موتاهم.

ما يبدو كضريبة رمزية لدعم “الشهداء” و”الزراعة” بحسب الرواية الرسمية، هو في الواقع مصدر تمويل لنظام متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة، وهيومن رايتس ووتش، أكدت أن هذا الابتزاز المالي لا يستند إلى أي أساس قانوني دولي، وأنه يُمارس تحت التهديد والضغط النفسي.

في الخليج، كما في أوروبا وأمريكا، تُجمع هذه الأموال بلا شفافية. تُجبر الأسر على الدفع لتحصل على أبسط خدماتها القنصلية، ويُطلب من البعض التوقيع على “خطاب توبة” سياسي قبل قبول معاملاتهم. بعض الدول مثل كندا وهولندا والسويد قررت وقف هذا العبث، وفتحت تحقيقات بشأن استخدام أراضيها لتمويل أنشطة قمعية لحكومة أجنبية.

في هذا التقرير، نستعرض تفاصيل هذه الضريبة، شهادات حية من ضحاياها، موقف القانون الدولي منها، ولماذا تصمت بعض الحكومات العربية والخليجية رغم معرفتها بما يجري خلف أبواب السفارات الإريترية .

آليات التحصيل – هل يدفع الإريتريون ثمن بقائهم أحياء في الخارج؟

تُعد آلية تحصيل “ضريبة الشتات” الإريترية واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل على الساحة الدولية. هل يعلم المواطن الإريتري في الخارج أنه غير حر في اتخاذ قراره المالي؟ هل يعلم أن حياته قد تصبح عرضة للابتزاز فقط لأن جواز سفره قد فُقد أو اقترب من انتهائه؟ هل تظن أن السفارات الإريترية تقتصر فقط على تقديم خدمات قنصلية؟ دعنا نكتشف معاً الصورة المظلمة خلف هذه العمليات.

في البداية، يبدو الأمر بسيطًا للغاية: الضريبة تُفرض على المواطنين الإريتريين في الخارج كنوع من الدعم “لأسر الشهداء” أو “لدعم الزراعة” كما تصرح بذلك الحكومة. لكن عند الغوص في التفاصيل، نجد أن هذه الضريبة ليست مجرد مبلغ مالي، بل هي شبكة معقدة من الضغوط والإكراهات التي تمارسها الحكومة الإريترية على مواطنيها أينما كانوا.

كيف يتم تحصيل هذه الضريبة؟

ليس من خلال السفارات فقط، بل عبر شبكة من وكلاء غير مرئيين في العديد من دول المهجر. ولكن السفارات الإريترية تُعتبر الواجهة الرئيسية لتلك العمليات. فهل تعلم أنه إذا كنت مواطناً إريترياً في الخارج، فإنك قد تجد نفسك مضطرًا لدفع هذا المبلغ السنوي تحت طائلة الضغوط الشديدة؟ ما هي الضغوط التي تتعرض لها؟ هل يُسمح لك بالتمتع بحقوقك القنصلية إلا بعد دفع هذه الضريبة؟ تلك هي الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة حاسمة.

في كثير من الحالات، لا يُسمح للمواطن الإريتري في الخارج بإتمام أي معاملة قنصلية أو تجديد وثائقه الرسمية – مثل جواز السفر، شهادات الميلاد، عقد الزواج أو أي من الوثائق الأساسية الأخرى – إلا بعد دفع ضريبة الـ2%. هذا الضغط يجعل المواطن الإريتري في الخارج في وضع لا يُحسد عليه، حيث لا يمكنه القيام بأي إجراء قانوني أو إداري إلا إذا دفع هذا المبلغ، الذي قد يعادل أحيانًا نصف أو أكثر من راتبه الشهري.

الابتزاز والتهديدات: حقيقة أم مجرد إشاعات؟

إذا رفض المواطن الإريتري دفع هذه الضريبة أو تأخر في دفعها، فما الذي يحدث له؟ هل يمكن أن يتعرض للإهانة أو التهديد؟ للأسف، الإجابة هي نعم. إن الرفض قد يفضي إلى تهديدات مباشرة وغير مباشرة، فإما أن يتم تهديد المواطن بحرمانه من خدمات قنصلية حيوية، مثل تجديد جواز السفر أو الحصول على أي وثيقة رسمية، مما يعرضه لمشاكل قانونية كبيرة في البلد الذي يقيم فيه. هذه التهديدات لا تقتصر على المواطنين فقط، بل قد تشمل أيضاً تهديدات بحقوق وأمن أقاربهم في إريتريا.

أحياناً يتم تهديد المواطنين الذين يرفضون دفع الضريبة بالقيام بحملات تشويه ضدهم في وسائل الإعلام الإريترية أو من خلال التواصل مع أقاربهم في الداخل، مما يخلق حالة من الذعر والخوف المستمر. هذا الأسلوب من التهديدات يضع المواطن الإريتري في موقف حرج، حيث يُجبر على الاختيار بين دفع الأموال لدعم نظام يرفضه، أو مواجهة عواقب وخيمة قد تشمل تهديد أمنه الشخصي وأمن أسرته.

هل يحق للسفارات الإريترية أن تفرض هذه الضريبة؟

حقيقيةً هناك تساؤلات قانونية حول هذه الممارسات. هل تعتبر هذه الضريبة قانونية بموجب القوانين الدولية؟ هل يحق لدولة معينة أن تفرض ضرائب على مواطنيها خارج حدودها؟ في هذا التقرير، سنناقش بعمق هذه الأسئلة القانونية التي تطرحها الحكومات الغربية والمنظمات الحقوقية حول مشروعية هذا السلوك.

ما يُستفاد من ذلك كله هو أن نظام الجباية الذي تمارسه السفارات الإريترية هو أبعد من كونه مجرد ضريبة؛ إنه أداة للسيطرة والتحكم في المواطن الإريتري في الخارج. إنها عملية ابتزاز مالي ممنهج تهدف إلى الحفاظ على أداة قمعية طويلة الأمد، تنتهك حقوق الإنسان وتعرقل الممارسات الديمقراطية والشفافية.

هل ستستمر هذه العملية غير القانونية في التوسع؟ ومتى ستتحرك الدول التي تستضيف هذه السفارات للتصدي لهذه الممارسات؟ هذه هي الأسئلة التي ستظل في دائرة الضوء حتى يتم كشف كل خيوط هذه العملية المظلمة.

الوضع القانوني الدولي للضريبة: هل يحق لدولة فرض ضريبة على مواطنيها في الخارج؟

في عصر العولمة والتواصل المستمر، أصبح من الطبيعي أن نجد العديد من المواطنين الذين يعيشون في دول مختلفة عن بلادهم الأصلية، سواء كانوا مهاجرين، لاجئين أو حتى عمالًا في دول أخرى. ولكن ماذا لو كانت هناك ضريبة تُفرض عليهم من قبل حكوماتهم الأصلية؟ وهل يحق للدولة أن تشترط على هؤلاء المواطنين دفع ضريبة معينة للحصول على خدمات قنصلية أساسية مثل تجديد جواز السفر أو إصدار شهادات الميلاد؟

في هذا السياق، يجب أن نتساءل: هل تُعتبر هذه الضريبة قانونية من منظور القانون الدولي؟ هل يمكن لدولة ما أن تفرض ضرائب على مواطنيها المقيمين في الخارج فقط لأنهم يحملون جنسيتها؟ وهل لهذا الفرض من ضريبة تبعات قانونية على حقوق الإنسان؟

ما يثير القلق هنا هو أن هذه الضريبة قد تُستخدم كأداة للضغط على المواطنين، حيث تُفرض عليهم تحت تهديد منعهم من الحصول على الخدمات القنصلية الأساسية، أو حتى تهديدات أخرى قد تطال أقاربهم في الوطن. هل يمكن أن يُعتبر هذا النوع من الممارسات انتهاكًا لحقوق الإنسان، خاصة في حال كان المواطن في حالة ضعف مثل اللاجئين الذين لا يملكون مكاناً آمناً في وطنهم أو لديهم ظروف صعبة تجعلهم لا يستطيعون العودة؟

سنقوم في هذا الجزء من التقرير بالغوص في موقف القانون الدولي تجاه هذه المسائل المثيرة للجدل. سنتناول الحقوق والواجبات المترتبة على هذه الممارسات، وما إذا كانت تندرج ضمن إطار القوانين الدولية التي تحمي حقوق الأفراد، خصوصًا أولئك الذين يعيشون في دول أخرى. هل يمكن أن يكون هذا نوعاً من الاستغلال، أم أن هناك ما يبرره في سياق العلاقة بين الدولة ومواطنيها؟

سوف نستعرض أيضاً كيف تُعامل الدول الكبرى هذه المسائل، وهل هناك اتفاقيات دولية تحكم حقوق المهاجرين واللاجئين في هذا الصدد. هذا الجزء سيقدم لنا الإجابة على الأسئلة المفتوحة حول هذه الضريبة ويدفعنا لإعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها التعامل مع حقوق الأفراد في سياقات قانونية معقدة ومتعددة الجنسيات .

1. ما موقف القانون الدولي من فرض دولة لضريبة على مواطنين يقيمون في دول أخرى؟

القانون الدولي لا يُلزم الدول بفرض ضرائب على مواطنيها المقيمين في الخارج. في الواقع، يختلف النظام الضريبي بين الدول، حيث أن بعض الدول تفرض ضرائب على مواطنيها بغض النظر عن مكان إقامتهم (مثل الولايات المتحدة)، في حين أن دولاً أخرى لا تفرض ضرائب إلا على الأشخاص الذين يعيشون ضمن حدودها. وبالتالي، لا يوجد قانون دولي يُلزم الدول بفرض ضرائب على مواطنيها في الخارج، ولكن الأمر يعود إلى التشريعات الوطنية لكل دولة.

2. هل يحق لدولة أن تشترط على مواطنيها في الخارج دفع ضريبة مقابل خدمات قنصلية؟

من الناحية القانونية، يجوز للدولة أن تشترط على مواطنيها دفع ضرائب مقابل الحصول على بعض الخدمات القنصلية. في كثير من الحالات، يتم فرض رسوم خدمات قنصلية (مثل تجديد الجوازات أو إصدار الشهادات) من قبل السفارات والقنصليات. لكن فرض ضريبة إضافية، مثل “ضريبة الشتات”، في مقابل الخدمات القنصلية يعد مسألة قانونية مثيرة للجدل، وقد تتفاوت في قابليتها للتطبيق حسب قوانين كل دولة.

3. هل يُعتبر هذا انتهاكاً لحقوق الإنسان أو استغلالاً لوضع المهاجرين واللاجئين؟

نعم، يمكن اعتبار فرض “ضريبة الشتات” على المهاجرين واللاجئين انتهاكاً لحقوق الإنسان إذا كان ذلك يتم تحت تهديد أو ضغوط. من حق الأفراد في الخارج الحصول على الخدمات الأساسية دون أن يتعرضوا للاستغلال المالي أو التهديد بحرمانهم من حقوقهم الأساسية مثل تجديد الجوازات أو الحصول على وثائق قانونية أخرى. في بعض الحالات، يُنظر إلى هذه الضريبة على أنها استغلال لوضع المهاجرين، خصوصاً إذا كانت هذه الأموال تُجمع تحت تهديدات مباشرة أو غير مباشرة، أو إذا كانت الأموال تستخدم لأغراض سياسية بدلاً من تحقيق منفعة مباشرة للمواطنين.

إذاً من الناحية القانونية، الوضع معقد ويتطلب مراجعة دقيقة لكل حالة على حدة، مع احترام القوانين الدولية والمحلية المتعلقة بحقوق الإنسان والتعامل مع المهاجرين.

ردود فعل الدول المستقبِلة للمهاجرين الإريتريين: مواقف وتعقيدات في التعامل مع “ضريبة الشتات”

في الوقت الذي يعاني فيه الإريتريون في الخارج من فرض ضريبة الشتات، تباينت ردود فعل الدول المستقبلة لهم بشكل لافت، من دول أوروبية مثل ألمانيا والسويد، إلى دول مثل كندا والولايات المتحدة. تختلف نظرة هذه الدول تجاه هذه الضريبة وفرضها على مواطنيها الإريتريين الذين يطلبون الحماية أو الإقامة فيها، وتهدد هذه الممارسات علاقاتها مع إريتريا.

1. الولايات المتحدة وكندا: حماية المهاجرين ضد الابتزاز

من المعروف أن الولايات المتحدة وكندا تستقبل العديد من اللاجئين الإريتريين الذين فروا من النظام القمعي في بلادهم. الولايات المتحدة تعتبر هذا النوع من الضغوط انتهاكاً لحقوق الإنسان، حيث أكدت وزارة الخارجية الأمريكية في عدة تقارير أن الحكومة الإريترية تُمارس ابتزازاً من خلال فرض الضرائب على مواطنيها في الخارج.

فيما يخص كندا، صرح العديد من اللاجئين الإريتريين في المقابلات الإعلامية أن هناك توجيهًا واضحاً من الحكومة الكندية يُشدد على رفض أي ضغوط من قبل الدبلوماسيين الإريتريين في البلاد. وقد أصدرت الحكومة الكندية إشعارات للمواطنين بخصوص عدم إلزامهم بدفع هذه الضريبة. شهادة حية من يوسف علي، لاجئ إريتري في كندا، أشار فيها إلى أنه تم تهديده من قبل القنصلية الإريترية في أوتاوا بتجريد عائلته في إريتريا من الخدمات الحكومية إذا لم يدفع هذه الضريبة، لكنه توجه إلى السلطات الكندية التي ردت بأن ذلك يُعد انتهاكًا للحقوق وبالفعل قامت بطرد بعض الديبلوماسيين الإريتريين .

2. ألمانيا والسويد: تطبيق قوانين صارمة ضد التدخلات الخارجية

بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا والسويد، فإن هذه الضريبة تُعد مسألة حساسة نظراً للمسائل القانونية المتعلقة بالسيادة الوطنية. في ألمانيا، أعلن البرلمان في العديد من المناقشات أن فرض الضرائب على مواطني الدولة من قبل حكومة أجنبية يشكل انتهاكاً للسيادة الألمانية.

السويد، التي تستقبل عدداً كبيراً من اللاجئين الإريتريين، تتبنى سياسة قوية في حماية حقوق الإنسان و رفض الابتزاز. في عام 2017، أصدرت وزارة الخارجية السويدية تحذيرًا رسمياً ضد تحصيل ضريبة الشتات من قبل السفارات الإريترية، وأكدت أن أي محاولات لتهديد أو ابتزاز المهاجرين ستكون محل تحقيق. شهادة حية من أبراهيم حسين، لاجئ في السويد، ذكرت أن القنصلية الإريترية في ستوكهولم حاولت إجباره على دفع الضريبة ليتجنب خطر تعرض عائلته في إريتريا لانتقام النظام، لكنه أبلغ الشرطة السويدية التي تعاملت مع القضية بحزم.

3. هولندا: تدابير قانونية لوقف تحصيل الضريبة

هولندا شهدت حالة مشابهة عندما أصدرت السلطات الهولندية قرارًا في 2019 برفض أي تدخل من الدبلوماسيين الإريتريين في شؤون المواطنين الإريتريين المقيمين في البلاد. وتُعد هذه الخطوة جزءًا من استجابة متكاملة لمكافحة الابتزاز المالي من قبل الدول القمعية. شهادة حية من سلمى جمال، لاجئة إريترية في هولندا، قالت إنه تم تهديدها شخصياً من قبل القنصلية الإريترية في أمستردام بأنها لن تتمكن من تجديد جواز سفرها إلا بعد دفع هذه الضريبة، لكنها تقدمت بشكوى إلى الشرطة الهولندية التي فتحت تحقيقًا رسميًا في الموضوع.

4. دول أخرى: طرد الدبلوماسيين وفرض إجراءات قانونية صارمة

في دول مثل النرويج والدنمارك، قوبل تحصيل ضريبة الشتات من قبل السفارات الإريترية بردود فعل غاضبة على المستوى الشعبي والسياسي. ففي 2018، طردت النرويج دبلوماسياً إريترياً بسبب محاولات تدخل القنصلية في شؤون المواطنين الإريتريين، خاصةً في ما يتعلق بالضغط لدفع الضريبة. كما فرضت الدنمارك إجراءات قانونية ضد السفارة الإريترية في كوبنهاغن بعد أن رفعت مجموعة من المواطنين الإريتريين دعاوى قضائية ضد القنصلية بسبب تهديداتهم المستمرة.

5. التحرك الدولي ونداءات حقوق الإنسان

العديد من المنظمات الدولية مثل منظمة العفو الدولية (AMNESTY) و هيومن رايتس ووتش قد اعتبرت هذه الضريبة بمثابة انتهاك لحقوق الإنسان. حيث طالبت هذه المنظمات بفرض عقوبات دبلوماسية على الحكومة الإريترية في حال استمرت هذه الممارسات. وفي تقرير مشترك صادر عن منظمة الأمم المتحدة و المنظمة الدولية للهجرة (IOM) في 2020، تم التأكيد على أن هذه الضرائب تُستغل في ابتزاز المهاجرين وهي ممارسات لا تتماشى مع الاتفاقيات الدولية التي تحظر الضغط على اللاجئين والمهاجرين لدفع أموال لصالح حكوماتهم الأصلية.

ردود فعل الدول على ضريبة الشتات فرضت تحديات كبيرة على العلاقات الدبلوماسية بين إريتريا وهذه الدول. تمثل هذه الضريبة انتهاكًا لسيادة الدول المستقبلة وحقوق الإنسان للمهاجرين. في حين أن بعض الحكومات مثل الولايات المتحدة وكندا اتخذت خطوات ملموسة لحماية الإريتريين، شهدت ألمانيا والسويد تقدماً في التشريعات القانونية لحظر فرض هذه الضريبة.

آثار “ضريبة الشتات” على المجتمع الإريتري في الخارج

بين التهديد، القلق، والانقسام

فرض “ضريبة الشتات” من قبل النظام الإريتري لم يكن مجرد إجراء مالي أو إداري بسيط، بل حمل معه آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة على الإريتريين في الخارج. هذه الضريبة أصبحت أداة سياسية أكثر منها ضريبة سيادية، وامتدت تبعاتها إلى كل تفاصيل حياة المهاجر الإريتري: من اندماجه في مجتمعه الجديد إلى علاقته بعائلته داخل إريتريا. في هذا الجزء، نرصد الآثار المعقدة التي تسببت فيها هذه الضريبة على جاليات إريترية عريقة في أوروبا، أمريكا الشمالية، والخليج.

1. الضريبة كعائق للاندماج في المجتمعات الجديدة

الإريتريون الذين وصلوا إلى أوروبا أو أمريكا هاربين من النظام القمعي كانوا يأملون ببدء حياة جديدة، لكن فرض هذه الضريبة أعادهم إلى دائرة الخوف والرقابة. كثيرون منهم ترددوا في الانخراط في المؤسسات الرسمية أو تسجيل بياناتهم الحقيقية خوفًا من أن تُستخدم لاحقاً في ملاحقتهم عبر السفارات.

مثال توضيحي:

في السويد، اشتكى لاجئون إريتريون من أن “أسماءهم تظهر في قوائم السفارة”، مما جعلهم يتجنبون العمل في مؤسسات حكومية أو حتى المشاركة في أنشطة الجاليات، كي لا يلفتوا الأنظار، مما أثر سلباً على اندماجهم المهني والاجتماعي.

2. القلق النفسي وتهديد الأمن الشخصي

أحد أخطر آثار الضريبة هو الشعور الدائم بالتهديد. النظام الإريتري، بحسب شهادات عديدة، يربط الضريبة بتجديد الوثائق الرسمية مثل الجوازات، أو بحماية الأقارب داخل البلاد. من لا يدفع، قد يعاقب من خلال سحب جنسيته أو تعرض أهله في الداخل للإقصاء أو السجن.

شهادات حية:
• قال لاجئ في هولندا: “تلقيت مكالمة من موظف في السفارة قال لي: ‘إن لم تدفع، لا تتوقع أن ترى والدتك في القريب.’”
• في كندا، نشرت إحدى المنظمات أن لاجئين إريتريين تحدثوا عن كوابيس مستمرة ومشاكل في النوم نتيجة رسائل تهديد تصلهم من السفارة أو عملاء مقربين منها.

3. الضريبة كأداة رقابة وتخويف

تحولت هذه الضريبة إلى وسيلة رقابة خارجية. إذ تنشط القنصليات الإريترية في جمع معلومات دقيقة عن المواطنين في الخارج، مثل مكان الإقامة والعمل والدخل، وتربط ذلك بملفهم السياسي. تُستخدم هذه البيانات للضغط والترهيب، أو لابتزازهم مالياً عبر تهديد أقاربهم.

تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش أشار إلى أن النظام الإريتري “أنشأ شبكة استخبارات خارجية هدفها التأكد من خضوع الشتات وتحصيل الضريبة، مع مراقبة المعارضين.”

4. الانقسام داخل الجاليات الإريترية

هذه الضريبة سببت انقساماً خطيراً داخل الجاليات. البعض اضطر للدفع خوفاً على أهله، بينما رفض آخرون التعاون، ونتج عن ذلك اتهامات بالخيانة أو الجُبن، ما أدى إلى تفكك روابط اجتماعية قوية بين الأسر والأصدقاء.

في لندن، على سبيل المثال، ظهرت انقسامات حادة بين من يتعاونون مع السفارة ومن يرفضون. هذا الانقسام أثر على الأنشطة الثقافية والدينية للجالية، فبعض المراكز الاجتماعية أصبحت محل تجسس أو مراقبة من قبل السفارة الإريترية.

5. حركات مناهضة ورفض شعبي متصاعد

في السنوات الأخيرة، برزت حركات شعبية مناهضة للضريبة يقودها شباب الجاليات، خاصة في أوروبا. ظهرت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسوم مثل:
‏#NoToDiasporaTax و #StopEritreanExtortion

كما خرجت مظاهرات في دول مثل السويد وهولندا، رُفعت فيها شعارات تطالب بوقف الابتزاز المالي، وإغلاق القنصليات التي تستخدم هذه الضريبة كسلاح سياسي.

من أبرز الحملات:
• “إريتريون أحرار” في السويد: أطلقت حملة توعية قانونية تحذر اللاجئين من دفع الضريبة وتقدم لهم بدائل قانونية لتجديد جوازاتهم.
• “صوت الشتات الإريتري” في كندا: أصدرت كتيباً يشرح كيفية تقديم شكاوى رسمية ضد القنصليات التي تطالب بهذه الأموال.

ضريبة الشتات ليست مجرد مسألة مالية. هي أداة سيطرة وابتزاز وترهيب سياسي يمتد خارج حدود الدولة. أثّرت على الهوية النفسية والاجتماعية للمهاجر الإريتري، وخلقت مناخاً من الانقسام والخوف داخل مجتمعات اللاجئين. ومع ازدياد الوعي والرفض الشعبي، تتشكل مقاومة متنامية ضد هذه الممارسات، تمثل بداية لتحرر الشتات من قبضة النظام، ولو بشكل رمزي.

هل يمكن أن تكون هذه الحركات بدايةً لنهاية هيمنة النظام على الإريتريين في الخارج؟
السؤال مفتوح… لكن الإشارات واضحة: الصمت لم يعد الخيار الوحيد.

من يدفع ومن يستفيد؟ وراء كواليس ضريبة الـ2% الإريترية

في قلب هذا السؤال الصادم: أين تذهب ملايين الدولارات التي تُحصّلها الحكومة الإريترية من مواطنيها في الخارج تحت اسم “ضريبة الشتات”؟ الإجابة، للأسف، ليست مجرد شكوك عابرة بل واقع تؤكده شهادات اللاجئين، وتحقيقات صحفية، وتقارير من منظمات دولية مستقلة.

النظام لا يُفصح، لا يبرر، ولا يُحاسب. لا توجد وزارة مالية تنشر ميزانية، ولا جهة رقابية تشرح المصروفات، ولا برلمان يسائل الحكومة. فلا أحد يعرف على وجه الدقة إلى أين تذهب تلك الأموال، باستثناء قلة صغيرة من كبار المسؤولين الذين يديرون الدولة بعقلية شركة خاصة. المواطن الإريتري يُطلب منه الدفع، فقط لأنه وُلد إريترياً، ولا يحق له أن يسأل: “ماذا فعلتم بما دفعته؟”.

الواقع في الداخل يكشف الكثير. لو كانت هذه الأموال تُستخدم فعلًا في تطوير البلاد، لكانت المدارس تعمل، والمستشفيات مجهزة، والطرقات معبدة، والناس يأكلون بكرامة. لكن الحقيقة أن المواطن الإريتري يعيش تحت خط الفقر، يبحث عن الخبز والزيت في طوابير الإهانة، ويهرب أبناؤه من الخدمة العسكرية المفتوحة بلا نهاية، التي تبتلع مستقبلهم.

وفي المقابل، يعيش القادة في عزلة فاخرة. الجنرالات يشترون الفلل في نيروبي وأوغندا، ويرسلون أبناءهم للدراسة في أوروبا، بينما يُمنع المواطن العادي من مغادرة البلاد أو حتى من تجديد جوازه ما لم يدفع “الضريبة”. تقارير موثقة من الأمم المتحدة ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش تشير إلى أن جزءاً من هذه الأموال يُستخدم لتمويل أجهزة أمنية خارج القانون، أو دعم مجموعات مسلحة في دول مجاورة، أو ببساطة يتم تحويله إلى حسابات سرية يديرها مقربون من أفورقي.

المشكلة لا تكمن فقط في حجم الأموال، بل في غياب أي نظام يضمن أن تعود على الشعب. في دول العالم، الضرائب تُربط بالدستور، تُحدد نسبتها وقنوات صرفها، ويملك الشعب أدوات مراقبتها. في إريتريا، الضرائب تُجمع بالابتزاز والتهديد، وتصرف في الظلام، وتُستخدم كسلاح للسيطرة.

فمن يحاسب من؟ لا قضاء مستقل، لا إعلام حر، لا مؤسسات مجتمع مدني. كل شيء بيد الحاكم وأدواته، والنتيجة أن الشعب يدفع ثمن بقائه، بينما تُصرف أمواله لحماية من يقمعه.

وهنا، يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كم من الوقت سيبقى هذا الشعب صامتاً، يُدفع ويُقمع، دون أن يعرف أين تذهب أمواله؟ وكم من الوقت ستبقى الدول الصامتة على هذا الابتزاز تغضّ الطرف عن واحدة من أبشع عمليات النهب المنظم باسم “الوطن”؟

مخرج : نحو شفافية دستورية ورقابة عادلة على أموال الشتات

في نهاية هذا التقرير، تبرز ضرورة ملحّة لا يمكن تجاهلها: إن استمرار فرض ضريبة الـ2% على الإريتريين في الخارج دون أي شفافية أو مساءلة يمثل أحد أكثر أوجه الاستغلال النظامية التي يعاني منها المواطن الإريتري، حتى وهو بعيد عن الوطن. فغياب دستور يحكم هذه الممارسات، وغياب أي إطار قانوني واضح يربط هذه الأموال بميزانية معلنة أو بجهة رقابية مستقلة، يجعل من هذه “الضريبة” مجرد وسيلة لتمويل نظام مغلق، لا يعرف المواطن مصير الأموال التي يدفعها، ولا يرى انعكاسها على أرض الواقع لا في بنية تحتية ولا في خدمات عامة ولا حتى في ضمان حقوق الشهداء الذين يزعم النظام أنه يجمع الأموال لأسرهم.

لذلك، فإن أي مستقبل ديمقراطي لإريتريا لا يمكن أن يكتمل دون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، خصوصًا من يعيشون في الخارج. لا بد أن تُربط أي ضرائب تُفرض بمادة واضحة في دستور عادل وشامل، يُصاغ بمشاركة حقيقية من الشعب، ويضمن حقوق الجميع دون تمييز. كما يجب إنشاء مؤسسات رقابية مستقلة تُحاسب الحكومة وتراجع تحصيل وإنفاق هذه الأموال، وتمنع تحويلها إلى أدوات للابتزاز أو الاستغلال السياسي أو إثراء النخبة الحاكمة.

وحتى يتحقق ذلك، يبقى صوت الجاليات الإريترية في الخارج أساسياً. فرفض هذه الممارسات، والمطالبة بربط الضرائب بالدستور، والسعي لتدويل هذه القضية، كلها خطوات تضع النظام تحت المجهر الدولي، وتفتح الباب لمحاسبته. إنها معركة طويلة من أجل العدالة، الشفافية، وحقوق الإنسان معركة لا بد أن تُخاض بشجاعة، وبأمل في أن تُبنى إريتريا الغد على أسس القانون، لا على صفقات الغرف المغلقة .

المصادر

1. Al Jazeera: Eritrea’s ‘diaspora tax’ is funding violence and oppression
2. The Guardian: Stop Eritrea’s ‘war-funding diaspora tax’, say MPs and lords
3. U.S. Department of State: 2023 Country Reports on Human Rights Practices: Eritrea
4. DSP-groep: The 2% Tax for Eritreans in the diaspora
5. United Nations Security Council Resolution 2023
6. The Guardian: Diaspora tax for Eritreans living in UK investigated by Metropolitan Police

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى