منجم الذهب أم منجم الصراع؟ كيف تستخدم إريتريا شركات التعدين لتمويل آلة القمع؟ تقرير ( متابعة ) – شبكة رصد إرتريا الإخبارية

الذهب الإريتري.. المعدن الذي يُهرّب الحلم ويُغذّي الكابوس
عند الحديث عن الذهب، تتداعى إلى الذهن صور الثراء الفاحش، القصور الباذخة، والأمان المالي. لكن في إريتريا، هذا المعدن الثمين له وجه آخر… وجه قمعي قاتم يلمع ببريق من دم.
ما يُستخرج من باطن الأرض الإريترية ليس ذهباً فحسب، بل هو وقود يُضخّ في ماكينة قمع تُدار بلا رحمة. في بلد لا توجد فيه ميزانية شفافة ولا برلمان يراقب ولا إعلام حر يكشف، يتحول كل مورد طبيعي إلى سلاح في يد الدولة أو بالأحرى في يد مجموعة ضيقة من الضباط والمسؤولين المحيطين بإسياس أفورقي.
في السنوات الماضية، تحولت مناطق مثل بيشا (Bisha) وزارا (Zara) وكولا كوليا (Koka- Kola) إلى مواقع ساخنة للتنقيب، لكن خلف الأرقام التي تعلنها الشركات الأجنبية، تكمن قصة مظلمة من العمل القسري، الإخفاء القسري، التهريب المالي، والتواطؤ الدولي.
فكيف تحوّلت مناجم الذهب في إريتريا من أمل اقتصادي إلى مصدر لتعزيز دولة بوليسية؟
ومن هي الشركات التي تحفر في تراب هذا البلد مقابل صمتها عن انتهاكاته؟
وهل هناك دور للمجتمع الدولي، أم أن الجميع بما في ذلك الحكومات الغربية يغمضون أعينهم لأجل حفنة ذهب؟
1. منجم بيشا: جوهرة الاقتصاد أم مركز لانتهاك الحقوق؟
منجم “بيشا” هو الأكبر والأشهر. يقع في منطقة جاش باركا غرب البلاد، وتديره شركة Nevsun Resources الكندية سابقاً، والتي استحوذت عليها لاحقاً شركة صينية تدعى Zijin Mining.
المنجم يُنتج الذهب والنحاس والزنك بكميات ضخمة. تقول الحكومة إن العوائد تذهب إلى “خزينة الدولة”، لكن لا أحد يعرف شكل هذه الخزينة، ولا من يديرها، ولا أين تصبّ أموالها.
ما هو معروف ومؤكد أن المنجم استخدم عمالاً مجندين قسراً ضمن ما يُعرف بالخدمة الوطنية الإلزامية، وهي خدمة لا تنتهي، يتم فيها استخدام المواطنين كعبيد للدولة مدى الحياة.
قضية دولية تفجّرت عام 2014 حين رفع لاجئون إريتريون دعوى أمام محكمة كندية ضد الشركة الكندية Nevsun، متهمين إياها باستخدام “العبودية الحديثة”. ورغم أن الشركة أنكرت ذلك، إلا أن الوثائق والشهادات كانت دامغة.
بيشا ليست منجماً فقط… بل هي نموذج لتواطؤ المال الغربي مع الاستبداد الشرقي.
2. شركات أجنبية… يد تحفر وأخرى تصافح النظام
إريتريا فتحت أبوابها للشركات الأجنبية، لكنها لم تفتح دفاترها لأحد. الشركات الصينية والكندية والأسترالية والسويسرية تنقّب وتصدّر، بينما الشعب لا يرى شيئًا سوى الغبار والعسكر.
من بين هذه الشركات:
• Zijin Mining (الصين): تدير منجم بيشا حاليًا. لديها علاقات مباشرة مع النظام، وتمتنع عن التعليق على وضع حقوق الإنسان في البلاد.
• Danakali Ltd (أستراليا): تعمل في مشروع ضخم لاستخراج البوتاس في كولولي، على حدود جيبوتي. شُبهات استخدام عمال مجبرين طاردتها مرارًا.
• Alpha Exploration Ltd (كندا): شركة جديدة نسبياً، تعمل على مشاريع استكشافية واعدة في عدة مناطق.
• ENAMCO: شركة التعدين الوطنية الإريترية، تشارك بنسبة لا تقل عن 30% في كل مشروع أجنبي، وتُدار مباشرة من مكتب الرئيس أو عبر شبكة عسكرية.
التقارير الغربية تحذر احياناً من مخاطر “العمل في بلد قمعي”، لكن لم نسمع عن انسحاب شركة لأسباب أخلاقية. كل ما نراه هو تسابق محموم نحو الذهب… ولو على جماجم المستعبَدين.
3. كيف تُستخدم الأموال؟ الجيش، الأمن، وشراء الولاء
عوائد الذهب لا تظهر في موازنة معلنة لأنه لا توجد موازنة. الدولة الإريترية لا تنشر تقارير مالية، ولا تعترف بتدقيق خارجي. لكن ما نعلمه من تسريبات وتقارير استخباراتية هو التالي:
• جزء كبير من الأرباح يُضَخّ في ميزانية الجيش.
• الأجهزة الأمنية – خاصة الاستخبارات العسكرية – تحصل على تمويل مباشر.
• تُستخدم الأموال لشراء معدات مراقبة واستيراد تكنولوجيا تنصت من إسرائيل والصين.
• تدفع الحكومة رواتب مرتفعة لضباط محددين ومقربين لضمان ولائهم.
• يتم تهريب مبالغ ضخمة إلى حسابات خارجية تخص قادة بارزين، بينهم أفراد من عائلة أفورقي.
الدولة لا تصرف على الشعب، لا تعليم، لا صحة، لا سكن. لكنها تنفق على أدوات السيطرة: السلاح، المخابرات، والدعاية.
4. العمل القسري: العبودية في القرن الحادي والعشرين
لا يوجد في إريتريا “عمال” بالمعنى الحقيقي. معظم العاملين في المناجم هم مجندون في الخدمة الوطنية، خُطفوا من المدارس أو من الشوارع، ثم جرى نقلهم إلى معسكرات العمل.
هؤلاء يعملون في ظروف سيئة، بدون أجور، وتحت تهديد السلاح.
كل من يحاول الهرب يُعاقب، وكل من يشتكي يُخفى. لا وجود لنقابات، ولا لمفتشي عمل، ولا حتى لكلمة “حقوق”.
يقول أحد الناجين، ويدعى “تسفاي”، في شهادته أمام محكمة كندية:
“كنا نستيقظ في الرابعة صباحاً، نعمل حتى الليل، نأكل حفنة عدس، وإذا مرضنا نُضرب… لم أكن أعلم أنني أعمل لصالح شركة كندية. ظننت أنني عبد لدى الحكومة.”
5. الدور الدولي: الجميع يرى… ولا أحد يتحرك
رغم كل ما هو معروف، لا تزال الدول الغربية ترحب بالتعامل مع النظام الإريتري.
الاتحاد الأوروبي موّل سابقاً مشاريع بنية تحتية يُعتقد أنها تخدم قطاع التعدين، بينما تتجنب معظم الحكومات انتقاد إريتريا علنًا.
حتى الأمم المتحدة، رغم تقاريرها الكارثية، لم تفرض عقوبات اقتصادية فعالة على قطاع التعدين.
الذهب الإريتري يتم تصديره إلى الأسواق العالمية عبر سويسرا والإمارات وغيرها، دون أن يُسأل أحد عن مصدره.
هل العالم بحاجة إلى “شهادة منشأ أخلاقي” لكل أونصة ذهب؟
أم أن القيم تنتهي عند أول صفقة مربحة؟
بالطبع، إليك نسخة موسعة وطويلة من الخاتمة، بأسلوب سردي ثقيل ومشحون، يختم التقرير بشكل صادم ومؤثر:
بريق يلمع فوق مقبرة صامتة
في إريتريا، الذهب لا يلمع في معارض المجوهرات ولا يُرصّع أعناق العشّاق. إنه يلمع فوق التراب الساخن الذي احتضن جثثًا لم يُسمح لها أن تحلم، ولم يُمنح لها الحق في الحياة.
كل شُحنة تُصدّر من منجم بيشا أو زارا ليست انجازاً اقتصادياً، بل إعلان وفاة جماعي لمن حُرموا من الحرية، من الكرامة، ومن حقوقهم الإنسانية الأساسية.
عندما تنظر إلى قطعة ذهب تحملها في يدك، ربما لا يخطر في بالك أنها خُلعت من الأرض بواسطة أيادٍ مقيّدة بالسلاسل، أو أنها عبرت حدوداً وهمية مغسولة بالدولار والصمت.
لكن الذهب الإريتري تحديدًا، لا يمكن فصله عن القصة الكبرى: قصة أمة مُختطفة، وشعب محاصر، ونظام حوّل باطن الأرض إلى خزينة حرب ضد شعبه.
هذه ليست مجرد معادن ثمينة…
هي دماء صلبة، مشاعر مسحوقة، وأحلام مدفونة تحت الركام.
كل شركة أجنبية دخلت الأراضي الإريترية وهي تعلم أو تتظاهر بعدم المعرفة بأنها تعمل في ظل نظام قمعي، تتحمل جزءاً من المسؤولية.
لا يعفيها توقيع العقد ولا البيانات الصحفية ولا تقارير “الاستدامة”.
فمن يعمل في أرض العبودية، حتى إن لم يجلد احداً بيده، يظل مستفيداً من السياط التي تنهال على ظهور الآخرين.
ما لم يتم فصل المال عن السلطة، والثروة عن السلاح، ستبقى مناجم إريتريا مراكز إنتاج للقمع، ومراكز تصدير للصمت الدولي، ومراكز لتوسيع شبكة العبودية الحديثة التي تنمو برعاية الدولة وسكوت العالم.
النظام الإريتري لا يُريد ذهباً فقط، بل يريد الوقت…
يريد مزيداً من السنوات يبني فيها سجونه، يوسّع فيها مراقبته، ويموّل بها آلته القمعية عبر ما يُسمى بالاقتصاد الوطني.
أما المجتمع الدولي، فقد اختار طريق النفاق الطويل.
يدين “العبودية الحديثة” في بياناته، ثم يستورد الذهب الملطخ من أسوأ الأنظمة.
يتغنى بـ”حقوق الإنسان” في المؤتمرات، ثم يصمت عند أول صفقة تعدين.
وفي هذه المساحة بين القول والفعل، تُدفن أرواح، وتُباع شعوب، ويُصادر وطن كامل اسمه إريتريا.
الذهب الإريتري هو الأغلى ثمناً… لا لأنه نادر، بل لأنه مغطى بالندم.
ليس بالسيانيد، بل بالدم.
فاسأل نفسك حين تلمس أي ذهب قادم من الشرق:
كم صرخة حُبست خلفه؟
كم حلماً أُخمد؟
وكم انساناًً مات بصمت… ليعيش هذا المعدن؟
المصادر:
1. Human Rights Watch – Report on Forced Labor in Eritrea Mining Sector (2013)
2. United Nations Commission of Inquiry on Human Rights in Eritrea (2016)
3. Canadian Supreme Court – Nevsun Case Files (2019–2020)
4. DanWatch – Investigative Report on Mining Practices in Eritrea (2021)
5. Africa Confidential – Eritrea Mining and Political Economy Brief (2023)
6. Interviews and Testimonies from Eritrean Refugees (2020–2024)
7. Reports from Global Witness & Business & Human Rights Resource Centre



