
المنفي رقم ٢٤ يكتب ..
تخيل المشهد…
شخص هرب من جحيم التجنيد الإجباري في إريتريا، ترك أهله، خاطر بحياته في البحر، وصل إلى أوروبا وهو يلهث طلباً للحماية، قدّم قصته للسلطات: “أنا مطارد، مهدد، لا أستطيع العودة”… بكى أمام موظف الهجرة، وحصل على الإقامة وربما الجنسية.
ثم… بعد سنوات قليلة، نجده واقفاً تحت علم النظام الإريتري في قلب أوروبا، يصفّق لصور أسياس أفورقي، يرقص على أنغام الأغاني الرسمية، أو يوقع “ورقة ندم” ليعود ويزور النظام الذي ادّعى أنه هرب منه!
هذه الحالة ليست مجرد تناقض… إنها خيانة مزدوجة:
• خيانة للقصص التي صدّقتها الحكومات الأوروبية وقدمت على أساسها الحماية.
• وخيانة للنشطاء والمعارضين الذين ضحّوا بسنوات من حياتهم لفضح النظام وكشف جرائمه.
لماذا يحدث هذا؟ الأسباب معروفة، حتى لو حاول البعض تغليفها:
1. الازدواجية والانتهازية: البعض لا يرى اللجوء إلا وسيلة للراحة الاقتصادية، وليس موقفاً مبدئياًً.
2. الخوف أو الضغط العائلي: النظام يضغط على أسرهم داخل إريتريا، فيجبرهم على “إعلان الولاء” في الخارج.
3. الحنين المشوّه: بعضهم يشتاق إلى الثقافة والمجتمع، فيخلط بين الوطن والنظام، فيعود وكأنه لم يتعلم شيئاً من التجربة.
4. غياب الرقابة الأوروبية: كثير من الدول الأوروبية لا تتابع بعد منح الإقامة أو الجنسية، فيستغل البعض هذا الفراغ.
أما السؤال: هل يجب على النشطاء توثيق هذا السلوك وإبلاغ الحكومات؟
الإجابة: نعم، لأن هذا النوع من التصرفات يضرب مصداقية قضايا اللجوء في الصميم. كل صورة أو فيديو لشخص يرقص تحت راية النظام بعد أن قدّم نفسه كضحية، هي طعنة في ظهر من ما زال يقاتل لكشف الحقيقة.
هل ردّت الحكومات الأوروبية من قبل؟
في حالات محدودة جداً، نعم. بعض الدول مثل سويسرا وألمانيا سحبت الإقامة أو الجنسية من أشخاص ثبت أنهم عادوا طوعًا للنظام أو شاركوا في فعالياته. لكن هذه حالات نادرة، لأن التبليغ غالباً ضعيف أو غير مدعوم بأدلة قوية.
المنفي رقم ٢٤ سيقولها بلا مجاملة:
أنت لاجئ سياسي أو إنساني؟ إذًا أنت ملتزم اخلاقياً بعدم التعامل مع النظام الذي ادّعيت أنه يضطهدك. العودة إليه أو دعمه بعد الحصول على الحماية ليست “حرية شخصية”… إنها كذب على الدولة التي استضافتك، وطعن للمعارضة، وإهانة لكل من مات في البحر ولم يصل.
اللاجئ الحقيقي لا يرقص تحت راية جلاده.
اللاجئ الحقيقي لا يوقّع ورقة ندم، بل يكتب ورقة فضح.
وإذا كنت تعتقد أن أوروبا لا ترى… فهناك دائماً عدسات النشطاء، وهناك دائماً ملفات تفتح من جديد.
المنفي رقم ٢٤
كل موجة في البحر تحمل حلم نجاتهم… لكن خذلانهم على الشاطئ يدفن هذا الحلم في رمال الخيانة.



