تقارير

العقول المستعارة: كيف تغسل الجبهة الشعبية أدمغة شباب الشتات عبر تنظيم YPFDJ؟

تقرير

مدخل

في قاعات فخمة بأوروبا، وعلى منصات أنيقة في أمريكا الشمالية، يجتمع شباب إريتريون يتحدثون عن “الهوية” و”الولاء للوطن”. يرفعون صور الرئيس، وينشدون أناشيد الثورة، ويتحدثون بلغات ثلاث: التغرينية، الإنجليزية، واللغة الدعائية الرسمية للنظام. ما يبدو مشهداً وطنياً بريئاً ، يخفي خلفه شبكة دعائية مدروسة، وأداة أمنية ناعمة اسمها: YPFDJ.

هو التنظيم الشبابي التابع للجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (PFDJ)، ويُوصف أحياناً بأنه “وزارة الحقيقة” الإريترية خارج الحدود. ورغم أن كثيراً من أعضائه ولدوا بعيداً عن سجون “عدي أبيتو” و”كرشلي”، فإنهم يحملون صورة وطن لا يعرفونه، لكنهم يدافعون عنه بشراسة… تماماً كما أُريد لهم أن يفعلوا

كيف بدأت القصة

عقب الاستقلال، وبعد أن أحكم النظام قبضته الحديدية في الداخل، بدأ يوجّه أنظاره نحو الشتات الإريتري. كان هناك تحدٍ وجودي: جيل جديد من الشباب الإريتري في المهجر، يتعلم الديمقراطية، ويتشرب حقوق الإنسان، وينظر إلى وطنه الأصلي بعين ناقدة. هذا الجيل شكّل خطراً، فكان لابد من احتوائه… وتشكيله.

جاء الحل عبر إنشاء تنظيم YPFDJ. بدا التنظيم في ظاهره كمنصة ثقافية واجتماعية، لكنه في عمقه آلة لصناعة الولاء وغسل الوعي. مخيمات صيفية، ندوات فكرية، احتفالات وطنية، زيارات مدعومة إلى إريتريا… كل هذا لا يصنع مجرد شبان فخورين بهويتهم، بل يُعيد تشكيل الذاكرة الجماعية، ويزرع سردية واحدة: أن النظام هو الوطن، ومن يعارضه خائن .

ما الذي يحدث داخل YPFDJ؟

بعيداً عن الإعلام، يُدرّب أعضاء التنظيم على:
• الدفاع عن سياسات النظام مهما كانت.
• مهاجمة المعارضين في المؤتمرات والمنتديات الدولية.
• تصدير صورة مثالية عن الوضع في الداخل.
• التشكيك في تقارير حقوق الإنسان، واعتبارها جزءاً من مؤامرة غربية.

الأخطر أن التنظيم يدرّب أعضاءه على مراقبة الجاليات الإريترية، ورصد الأصوات المعارضة، ثم رفع تقاريرها عبر السفارات، التي ترتبط بدورها مباشرة بالأجهزة الأمنية.

أحد اللاجئين السابقين، وكان عضواً في YPFDJ، قال في شهادة موثقة:
“كانوا يعلموننا كيف نتحدث بلغة مزدوجة: واحدة للغرب، وواحدة للنظام. كنت أظنني ناشطاً وطنياً، ثم اكتشفت أنني مجرد عين تتجسس على أهلي.”

ما حجم التأثير الحقيقي؟

لا يمكن الاستهانة بالتأثير الذي يحدثه هذا التنظيم:
• في الدنمارك، تم طرد عضو سابق في YPFDJ من نادٍ طلابي بسبب اكتشاف علاقته بالسفارة الإريترية.
• في ألمانيا، نظّم التنظيم مظاهرات داعمة للنظام خلال حرب تيغراي، رافعًا شعارات مناهضة للغرب ومعادية للمعارضة.
• في السويد، حذّرت أجهزة الأمن من استغلال الجبهة الشعبية لمناسبات YPFDJ في تجنيد جواسيس بين الشباب.

هناك من وُلد في أوروبا لكنه صار يتبنى خطاباً لا يمت بصلة لبيئته الجديدة: يمجّد الصمت، يحتقر حرية الصحافة، ويبرر القمع بحجة “السيادة الوطنية”.

الأسئلة التي يجب طرحها:
• ما علاقة السفارات الإريترية بهذه الأنشطة؟
كثير من المؤتمرات الشبابية ممولة من السفارات، وتحضرها شخصيات أمنية، أبرزهم يماني قبرآب مستشار الرئيس.
• كيف يُموَّل التنظيم؟
التقارير تشير إلى تمويل مباشر من الحكومة، بالإضافة إلى اشتراكات إلزامية تُفرض على الجالية، من خلال نظام “الضريبة 2%”.
• إلى أي مدى يمكن اعتبار التنظيم خطراً أمنياً؟
في أكثر من دولة، طُرحت هذه النقاشات في البرلمانات، بعد اكتشاف أن التنظيم لا يروّج فقط لأفكار استبدادية، بل يشارك في مراقبة المعارضين وتهديدهم.

مخرج

YPFDJ ليس مجرد تنظيم شبابي. هو امتداد أمني ناعم لنظام يضيق بالأسئلة، ويخاف من المستقبل، فيحاول صناعته من خلال أجيال لا تعرف سوى الرواية الرسمية. هذه ليست تربية وطنية… بل غسيل وعي جماعي.

ويبقى السؤال الذي لا يريد النظام أن يُطرح:
هل يمكن تحرير وطن، إذا كانت العقول ما تزال محتلة؟

المصادر والمراجع

• Awate.com: YPFDJ Europe’s Conference Transcripts & Analysis
• Amnesty International: “Repression Without Borders”
• Human Rights Concern Eritrea
• EEPA – Europe External Programme on Africa
• Testimonies of former refugees in reports by Asmarino and RefugeeReports

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى