سجون بلا أسماء ولا محاكمات: الخريطة السوداء للاعتقال السري في إريتريا

تحقيق صحفي : خاص – شبكة رصد اريتريا الإخبارية
مدخل : حين يتحوّل الوطن إلى زنزانة: كيف أصبحت إريتريا سجناً مفتوحاً للمواطنين
في الركن الشرقي من القارة الأفريقية، حيث تتداخل الحدود بين اليابسة والبحر، وبين الحلم والخذلان، تستقر إريتريا كدولة مغلقة تُعرف عالميًا بلقب “كوريا الشمالية الإفريقية”. بلد لا يشبه محيطه، ولا يشبه نفسه الذي وعد به شعبه يوم رفع علم الاستقلال عام 1993. أكثر من ثلاثين عامًا مرّت، لم تكن كافية لبناء دولة مؤسسات أو تأسيس منظومة قانونية أو حتى خلق حدٍّ أدنى من الحياة السياسية. بدلاً من ذلك، تحوّلت إريتريا إلى دولة الحزب الواحد، والصوت الواحد، والقبضة الحديدية الممتدة من بوابات الوزارات إلى أبواب الزنازين السرية.
في إريتريا، لا تحتاج إلى أن ترتكب جريمة كي تُعتقل، يكفي أن تطرح سؤالاً، أو تكتب جملة، أو تفكر بصوت مسموع. يكفي أن تُرى في مكان مشبوه، أو تُسمع في حديث عابر، أو تُعرف بموقف لا يروق للسلطة. فالاعتقال ليس عملية قانونية تُنظمها محكمة أو تُبررها لائحة اتهام، بل هو أداة تأديب ومحو وعقاب نفسي وجسدي بلا تاريخ انتهاء.
مع غياب الصحافة المستقلة، وحرمان منظمات المجتمع المدني من العمل، وتضييق الخناق على الحركة والنشر، يصعب رسم خريطة دقيقة للسجون في إريتريا، لكن الروايات المتطابقة، والتقارير الحقوقية، وشهادات المنشقين، تكشف عن واقع مرعب: شبكة من المعتقلات السرية المنتشرة في الجبال، تحت الأرض، وفي معسكرات الجيش، بل حتى في حاويات الشحن المعدنية، حيث يُلقى بالأجساد وتُدفن الأرواح دون تهم، ودون ملفات، ودون محاكمة.
ليس مجرد قمع سياسي، بل نظام اعتقال بلا ملامح قانونية ولا معايير إنسانية، ينال من الصحفيين، والمعارضين، والمتدينين، والمجندين الفارين، بل وحتى من موظفي الدولة أنفسهم إذا فشلوا في تقديم الولاء الكامل.
هذه ليست مبالغة إعلامية. هذا توصيف دقيق لما وثّقته منظمات مثل “العفو الدولية”، و”هيومن رايتس ووتش”، ولجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، التي وصفت ممارسات النظام بأنها “جرائم ضد الإنسانية”، تجري في ظل تعتيم رسمي شامل، وسكوت دولي مريب.
في هذا التحقيق، نحاول أن نعيد رسم الخريطة السوداء للاعتقال في إريتريا: أين تُحتجز الضمائر؟ كيف تُعامل الأجساد؟ لماذا لا يُقدم أحد للمحاكمة؟ ولماذا تستمر هذه المنظومة الرهيبة بلا مساءلة؟ سنعتمد على وثائق، شهادات حية، تقارير محلية ودولية، في محاولة لفهم البنية العميقة لهذا النظام القائم على الخوف، ومواجهة صمته المزمن بصوت الحقيقة.
شبكة السجون السرية: معسكرات الخوف الممتدة من الجبال إلى الحاويات
في إريتريا، لا تبدأ السجون عند بوابات الحديد، ولا تنتهي بجدران الإسمنت. فمفهوم “السجن” هنا يتجاوز المعنى التقليدي، ليتحوّل إلى منظومة خفية ومتشعبة، تقوم على الخوف والتهديد والكتمان. شبكة من المعتقلات التي لا تحمل أسماء، ولا تُسجّل فيها دخولات ولا خروج، تنتشر من تخوم الجبال إلى عمق الصحارى، ومن معسكرات الجيش إلى باطن الأرض، ومن المباني الرسمية إلى حاويات الشحن المعدنية التي تُستخدم كمقابر حية.
لا توجد لائحة معلنة بهذه السجون. لا خرائط رسمية. كل ما نعرفه يأتي من روايات ناجين، أو شهادات عائلات فُقد أثر أبنائها، أو تسريبات نادرة من جنود سابقين فروا من الخدمة. يتحدثون عن أماكن مثل “عيرايرو” و”إينداباغوب” و”مِعْبَرْتا”، مواقع لا تظهر في السجلات الحكومية، لكنها محفورة في ذاكرة من مرّوا بها، كأنها كوابيس لا تنطفئ. في بعض هذه المواقع، يُحبس المعتقلون داخل حفرٍ ضيقة تحت الأرض، لا تُميز فيها الليل من النهار. في مواقع أخرى، يُلقى بهم في حاويات معدنية تحت شمس البحر الأحمر اللاهبة، دون تهوية أو ماء أو مرافق صحية.
تشير تقارير “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” إلى أن الآلاف يُحتجزون في هذه السجون دون تهم، دون محاكمات، ودون معرفة عائلاتهم بمكانهم أو مصيرهم. لا يُسمح للمحامين بزيارتهم، ولا تُنشر قوائم بأسمائهم. بعض المعتقلين يُخفيهم النظام لأكثر من عشرين عاماً، فقط لأنهم طالبوا بإصلاحات، أو رفضوا أداء الخدمة العسكرية القسرية مدى الحياة، أو مارسوا شعائر دينية خارج المذهب الرسمي المعتمد. حتى الأطفال والنساء لم يسلموا، فالتقارير توثق حالات اعتقال لفتيات لم يتجاوزن السادسة عشرة، وأمهات اعتُقلن مع أطفالهن الرضّع.
الهدف من هذه المنظومة السرية ليس فقط معاقبة من يرفع صوته، بل إرسال رسالة إلى كل من يفكر في ذلك: لا أحد بعيد عن قبضة الدولة، ولا أحد في مأمن من الحاوية أو القبو أو السرير الحديدي في معسكر ناءٍ. إنها منظومة مصممة لبث الرعب في النسيج الاجتماعي، لتفتيت الثقة، ولقتل الأمل.
من يعيش في الداخل الإريتري، يدرك أن هذا الخوف ليس وهماً. فالناس هناك يتحدثون همساً، لا يثق أحد بالآخر، وكل خطوة محسوبة. ومن يسأل كثيراً، يُخشى عليه أن “يختفي” ببساطة، دون أثر. لا تُدوّن شكوى، ولا تُرفع قضية. وإن سأل أهله، يُجابون بجملة واحدة: “لا معلومات متاحة”.
هذه السجون ليست مجرد مواقع احتجاز. إنها الأعمدة الخفية التي يُبنى عليها نظام القمع، ومفتاح لفهم كيف استطاعت سلطة أن تُخضع شعباً بأكمله لعقود دون مقاومة جماعية تُذكر. كيف يتحول الخوف إلى سياسة، والاختفاء إلى أداة حكم، والصمت إلى واقع يومي. هذا هو الوجه الحقيقي لإريتريا ما بعد الاستقلال: وطن مسروق من سكانه، تحرسه حاويات الصمت والحديد.
شهادات من الداخل: روايات الناجين من جحيم السجون الإريترية
في بلد لا يُسمح فيه بوسائل الإعلام الحرة، ولا بوجود مراقبين دوليين مستقلين، تصبح الشهادات الفردية التي يرويها الناجون من السجون الإريترية شريان الحقيقة الوحيد. هؤلاء الخارجون من الجحيم لا يحملون فقط ندوب الجسد، بل أيضًا ذاكرة ملغّمة بالوجع، بالذل، وبالخوف الذي لا يزال يتردد صداه في أصواتهم المرتعشة.
عبد الرحمن، 32 عاماً، معتقل سابق في سجن “إينداباغوب”
يروي عبد الرحمن، الذي فرّ إلى السودان بعد إطلاق سراحه من معتقل في منطقة شمال البحر الأحمر، تفاصيل سنواته الأربع في السجن دون تهمة واضحة. يقول:
“اقتادوني من الشارع. لم أكن ناشطاً ، ولا صحفياً ، ولا حتى سياسياً. كل جرمي أنني تحدثت مع شخص من أقاربي في الخارج عبر الهاتف. ظللتُ محتجزاً في زنزانة لا تتجاوز مترين، مع أربعة آخرين، بلا نوافذ، بلا ضوء. كنا ننام ونحن جالسون. كنا نأكل مرة واحدة في اليوم، قطعة خبز جافة وماء كدر. وكانوا يدخلون علينا كل ليلة ليضربونا بلا سبب. أُجبرنا على الوقوف لساعات ونحن معصوبي الأعين، يُجلد الواحد منا إذا مال بجسده إلى الحائط.”
كاحساي ، سجين سابق في حاوية بمنطقة “حديش مقري”
يقول كاحساي ، إنه احتُجز عام 2017 داخل حاوية معدنية:
“الحرارة لا توصف. كنا سبعة أشخاص داخل حاوية مغلقة، بلا نوافذ. الحرارة كانت تجعل الحديد يحرق أجسادنا. لم يكن هناك مرحاض، ولا مياه كافية. أحدنا أصيب بهلوسة، فبدأ يصرخ طوال الليل. في اليوم التالي وجدناه ميتاً. لم يأخذوه فوراً ، ظلّ الجثمان معنا ليومين. لم أبكِ وقتها، كنت أخشى أن يراني الحراس وأُعاقب على البكاء.”
حواء، امرأة اعتُقلت بسبب ديانتها
تقول حواء، وهي امرأة في الأربعينات من عمرها، إنها اعتُقلت لأنها كانت تصلي في بيتها مع مجموعة من النساء المنتميات إلى طائفة مسيحية إنجيلية غير معترف بها:
“اقتحموا البيت واعتقلونا جميعاً . كنت أماً لطفلين، لم أكن أحمل منشورات، لم أهاجم النظام، فقط كنا نصلي. في السجن، كانوا يضربوننا بأسلاك كهربائية على أقدامنا. وُضعنا في زنزانة واحدة، أكثر من عشرين امرأة. أصيبت بعض النساء بإجهاض نتيجة الضرب والتجويع. واحدة منهن ماتت بعد أسبوع من النزيف دون أن يُسمح لها بمقابلة طبيب. فقط سحبوا جثتها ولم نعرف حتى اسمها الحقيقي.”
سامسون، جندي هارب من معتقل “عيرايرو”
سامسون، الذي فر من الخدمة العسكرية، وقع في قبضة الاستخبارات العسكرية، ونُقل إلى “عيرايرو” أحد أخطر السجون السرية في البلاد. يقول:
“في عيرايرو، لم تكن ترى النور. كانوا يغطون رؤوسنا بأكياس سوداء كلما فتحوا الأبواب. كنا نُضرب على كعب القدم بأسلاك بلاستيكية حتى يفقد بعضنا القدرة على المشي. أذكر رجلاً تجاوز الخمسين كان معنا، توفي بعد أسبوع من التعذيب. لم يُسجَّل اسمه، ولم تُخبر عائلته.”
مشهد يومي من القهر
تتكرر في روايات الناجين تفاصيل تعكس منهجية القمع:
• العزل التام عن العالم الخارجي
• الحرمان من العلاج حتى في الحالات الحرجة
• منع الزيارات أو التواصل العائلي
• ممارسة التعذيب النفسي بجانب الجسدي، كترك السجين يسمع صراخ الآخرين دون أن يعرف مصيرهم
• إجبار المعتقلين على التوقيع على اعترافات وهمية
هذه الشهادات ليست استثناءات، بل تمثّل نمطاً قائماً في بنية الحكم الأمني. من مرّوا بهذه التجربة إما أنهم فارون في المنافي، أو صامتون في الداخل، أو دُفنوا في الرمال دون أن تُدوَّن أسماءهم. إنها مأساة متكررة تُدار بصمت ممنهج.
الواقع داخل السجون الإريترية ليس فقط حكاية عن القسوة، بل عن نظام يضبط مجتمعه بالإخفاء، وينظم الصمت بالتعذيب، ويُدير بقاءه بخنق كل صوت.
هل يمكن لوطنٍ ما أن يبقى سليماً وهو يخنق أبناءه واحداً تلو الآخر؟
وهل يمكن لصمت العالم أن يظل هو الجواب الوحيد على كل هذه الأسئلة التي تُطرح بأجساد مكسورة وأرواح محطمة؟
حالات اختفاء قسري: مصير مجهول لآلاف المعتقلين في إريتريا
في الدول التي يسود فيها القانون، يكون غياب شخص عن منزله مدعاة للبحث والتحقيق والقلق المجتمعي، لكن في إريتريا، قد يختفي الإنسان فجأة، دون أن يُسأل عنه، وكأن الأرض ابتلعته. فالاختفاء القسري في هذا البلد لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح نمطًا سياسيًا ممنهجًا، وأداة رئيسية في استراتيجية القمع.
تبدأ القصة غالبًا بلحظة عادية: مداهمة عند الفجر، توقيف عشوائي في الشارع، استدعاء إلى مكتب أمني لا عودة منه. ثم يدخل الشخص في الفراغ. لا بلاغ رسمي، لا حق لأسرته في السؤال، لا إمكانية لمعرفة هل هو حي أم ميت، معتقل أم مدفون في الصحراء. في إريتريا، تختفي الأجساد، وتتبخر معها الحقوق.
داويت إسحاق: الصحفي الذي ابتلعته الدولة
من بين أبرز الحالات وأكثرها شهرة دولياً ، تبرز مأساة الصحفي داويت إسحاق، الكاتب والمواطن السويدي من أصل إريتري، الذي عاد إلى بلاده بعد الاستقلال ليؤسس صحيفة “Setit” المستقلة، ويشارك في بناء حلم وطني جديد. لكن الحلم تحوّل إلى كابوس.
في 23 سبتمبر 2001، بعد أيام من نشر مقال دعا فيه إلى إصلاحات ديمقراطية، داهمت قوات الأمن مكتبه واعتقلته. أُغلقت الصحيفة، وسُجن داويت دون محاكمة، ومنذ ذلك اليوم لم يُرَ مرة أخرى. لا مكالمة هاتفية، لا زيارة محامٍ، لا رسالة لأسرته، لا معلومات عن مكان احتجازه أو حالته الصحية. كان اعتقاله جزءاً من حملة أوسع شنتها السلطات ضد الصحفيين والمثقفين والإصلاحيين، عُرفت باسم “مذبحة سبتمبر”، حين تم اعتقال أكثر من عشرة من كبار مسؤولي الدولة السابقين ممن طالبوا علناً بتفعيل الدستور وتنظيم انتخابات.
ورغم المناشدات الدولية المستمرة من حكومات ومنظمات وصحفيين حول العالم، تصر الحكومة الإريترية على الصمت. في بعض المناسبات، قال مسؤولون إريتريون إن داويت لا يزال حياً ، واخرون ألمحوا إلى أنه قد مات. لم يُقدَّم أي دليل، لا على موته ولا على بقائه حياً. هذا الغموض هو السلاح بحد ذاته: عقاب للأسرة، وتحذير لبقية المواطنين.
الآلاف مثل داويت… دون أسماء أو شهرة
قضية داويت إسحاق، بقدر ما هي مأساوية، تحظى على الأقل ببعض الضوء الدولي، لكونه يحمل جنسية أجنبية. لكن ماذا عن الآلاف الآخرين من الإريتريين الذين لا يحملون سوى هويتهم الوطنية؟ أولئك الذين تم اختطافهم من البيوت، من المساجد، من مقاعد الجامعات، أو حتى من صفوف الخدمة العسكرية، واختفوا دون أثر.
تقدر تقارير صادرة عن منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” أن هناك آلاف الحالات من الاختفاء القسري في إريتريا خلال العقدين الماضيين. لا توجد أرقام رسمية. لا توجد قوائم معلنة بأسماء المعتقلين. لا يُسمح للجنة الصليب الأحمر الدولي بزيارة السجون. وحتى بعثات الأمم المتحدة لم تتمكن من الدخول إلى البلاد للتحقق من مصير هؤلاء.
أمثلة من الداخل:
• مُحمد نور، طالب جامعي من أسمرا، اختفى في عام 2015 بعد مشاركته في جلسة حوارية حول الحريات الدينية. لم يُعرف عنه شيء بعدها.
• تِكلِ عَبِي، قس مسيحي من طائفة غير معترفه فيها ، تم اقتياده من منزله عام 2008. يقول جيرانه إنهم رأوا سيارة عسكرية في منتصف الليل، ومن يومها لم يسمعوا عنه.
• أُولانا كِفلوم، ناشطة شبابية اختفت أثناء محاولتها مغادرة البلاد. يُعتقد أنها اعتُقلت على الحدود، ولم يظهر لها أي أثر منذ 2017.
الأكثر رعباً في هذا كله، أن النظام لا ينكر وجود هذه الحالات، بل يتجاهلها تماماً . لا يقدّم بيانات، ولا يستجيب للأسئلة، ولا يسمح لأي جهة مستقلة بالتحقيق. سياسة الإنكار الصامت هي جزء من تكتيك السيطرة.
الاختفاء كسلاح سياسي
الاختفاء القسري في إريتريا ليس مجرد نتيجة للفوضى أو غياب القانون، بل هو أداة تستخدمها الدولة عن قصد. عندما لا يعرف المواطن ما إذا كان جاره أو أخوه أو ابنه لا يزال حياً ، فإن الخوف يتحول إلى سلوك يومي، ويصبح الصمت ضماناً للبقاء. عندما لا يُعاقب أحد على الإخفاء، يصبح الإخفاء هو القاعدة، لا الاستثناء.
كل حالة اختفاء ليست فقط مأساة إنسانية، بل هي أيضاً ضربة موجهة لمجتمع بأكمله، لتفكيكه من الداخل، لكسر الروابط، وزرع الرعب.
هذه الدولة التي تحكم بالصمت، تحوّل غياب أبنائها إلى جزء من وجودها.
ردود الفعل الدولية: صدى لا يخترق الجدران المغلقة في أسمرا
في السنوات الأخيرة، لم يعد الصمت ممكناً أمام ما يحدث في إريتريا. منظمات حقوقية، هيئات أممية، ووسائل إعلام دولية رفعت صوتها مراراً ، مطالِبة بوضع حد لسياسات القمع الممنهج، والكشف عن مصير آلاف المعتقلين، وإطلاق سراح من سُجنوا دون محاكمة، ومحاسبة من يقفون خلف هذه الانتهاكات الصارخة. لكن رغم كل هذا الصخب الحقوقي، لم تتحرك السلطات الإريترية سوى في اتجاه واحد: الإنكار، ثم الإنكار، ثم المزيد من القمع.
بيانات بلا صدى:
منظمة العفو الدولية (Amnesty International) نشرت تقارير دورية عن الحالة الحقوقية في إريتريا، كان أبرزها تقريرها الصادر في 2013 بعنوان “إريتريا: نظام القمع المطلق”، حيث وثّقت فيه حالات احتجاز طويلة الأمد دون تهمة أو محاكمة، وظروف سجن لا تليق بالبشر. وفي تقاريرها اللاحقة، خصوصاً في 2021 و2023، أعادت المنظمة التأكيد على استمرار الدولة في سياساتها القمعية، محذرة من “نظام مغلق يستخدم السجون وسيلة لتكميم الأفواه بدلاً من فرض النظام القضائي”.
من جهة أخرى، تقول هيومن رايتس ووتش (HRW) في تقريرها السنوي لعام 2024:
“ما زالت الحكومة الإريترية واحدة من أكثر الأنظمة استبداداً في العالم، حيث لا يُسمح للمعارضة بالتعبير، وتُقمع حرية الدين والصحافة، ويُعتقل الناس تعسفياً ، غالباً دون أن يُعرَف مكان احتجازهم أو التهمة الموجهة إليهم.”
وذهب تقريرها في 2019 بعنوان “لا صوت لنا” إلى أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن ما يجري في سجون إريتريا يمكن أن يرقى إلى “جرائم ضد الإنسانية” بسبب الاتساع الجغرافي والانتهاكات الممنهجة.
صوت الأمم المتحدة:
المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) كانت من أبرز الجهات التي طرحت ملف الانتهاكات في إريتريا أمام مجلس حقوق الإنسان. ففي عام 2015، صدر عن لجنة التحقيق الأممية الخاصة بإريتريا تقريراً شاملاً من 485 صفحة، خلُص إلى أن:
“انتهاكات حقوق الإنسان في إريتريا لم تكن مجرد أحداث معزولة، بل تم تنفيذها كجزء من سياسة منهجية من قبل الحكومة، وتصل في بعض حالاتها إلى جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك السجن غير القانوني، الإخفاء القسري، والتعذيب.”
اللجنة قدمت توصيات واضحة:
• السماح بزيارة السجون من قبل لجان دولية.
• الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون محاكمات.
• وقف سياسة الخدمة الوطنية غير المحددة.
• محاسبة كل من تورط في جرائم التعذيب والاحتجاز التعسفي.
لكن لم تستجب الحكومة الإريترية لأي من تلك التوصيات. بل رفضت دخول بعثات التحقيق الأممية إلى أراضيها، ووصفت التقارير بأنها “تدخل في الشؤون الداخلية ومحاولة لتشويه سمعة البلاد”.
تحركات أوروبية وإفريقية خجولة:
رغم تنديد البرلمان الأوروبي في عدة مناسبات، خاصة في جلسات عامي 2016 و2020، بالأوضاع في إريتريا، فإن مواقف الاتحاد الأوروبي بقيت في إطار الإدانة غير الملزمة، لا سيما في ظل تعقيدات العلاقة مع إثيوبيا والقرن الإفريقي عموماً .
أما الاتحاد الإفريقي، فعلى الرغم من مرور عشرين عاماً على اعتقال مجموعة الإصلاحيين الإريتريين المعروفة بـ(G-15)، لم يتخذ أي إجراء جاد ضد أسمرا. التفسير المحتمل لهذا الصمت يكمن في “سياسة عدم التدخل” التي ينتهجها الاتحاد، إلى جانب النفوذ الذي تمارسه بعض الأنظمة الحليفة لإريتريا.
صراخ بلا صدى؟
العالم يتحدث، لكن الجدران في إريتريا لا تُصغي. التصريحات تتوالى، التقارير تتكاثر، والقرارات تتخذ، لكن النظام الإريتري يتقن فن العزلة. يستخدم حدود الدولة كجدران لعزل صوته عن المساءلة، ويُبقي سجونه طي الكتمان، وأبوابها مغلقة أمام المجتمع الدولي.
هذا التجاهل الممنهج من قبل النظام لا ينعكس فقط في امتناعه عن الرد، بل في تكثيف الاعتقالات، والتمسك بسياسة الغموض. ومع استمرار الإفلات من العقاب، تُطرح أسئلة موجعة:
ما قيمة التنديد دون أدوات للردع؟
وإلى متى يُترك المظلوم خلف القضبان بينما تُكتفى المنصات الدولية بالتصريحات .
مخرج : الحاجة إلى تحرك دولي عاجل
في قلب الظلام الإريتري، تختفي الأسماء خلف الجدران، وتُطوى الحياة في زنازين بلا نوافذ، وتذبل الكرامة في حاويات صدئة تحت الشمس الحارقة. ليس هذا مجرد وصف مجازي لحالة حقوق الإنسان، بل واقع موثق، تعكسه شهادات الناجين، وتقارير المنظمات الحقوقية، وصرخات العائلات التي لا تعرف أين أبناؤها منذ سنوات.
منذ أكثر من عقدين، تحوّلت إريتريا إلى سجن مفتوح. لا برلمان، لا قضاء مستقل، لا صحافة حرة، ولا انتخابات. وطن بالكامل محتجز في قبضة نخبة ضيقة تحكم بالنار والصمت. آلاف من المعتقلين السياسيين، المدنيين، الصحفيين، والعسكريين يقبعون في سجون سرية، دون تهم، دون محاكمات، دون زيارات، دون محامين، دون نهاية. هذا ليس نظاماً سياسياً ، بل منظومة قمع ممنهج، تحترف تحويل الإنسان إلى رقم، والحرية إلى جريمة.
داويت إسحاق، الصحفي الحامل للجنسيتين الإريترية والسويدية، ليس حالة استثنائية بل عنوان لمأساة جماعية. ومن قبله وبعده، عشرات من المفكرين، الطلاب، رجال الدين، والجنود الذين أُخذوا من بيوتهم أو مواقع عملهم أو شوارعهم، ولم يعودوا. أسماءهم تُهمس بها في البيوت، صورهم تتلاشى على الجدران، وقصصهم تصبح من المحظورات.
في مواجهة هذا الجدار الصلد من الإنكار، لم تعد بيانات التنديد تكفي. لم يعد مقبولاً أن يواصل المجتمع الدولي التعامل مع النظام الإريتري بوصفه “شريكًا” في قضايا الأمن أو الهجرة أو الاستقرار الإقليمي، بينما يواصل الداخل التهام أبنائه. السكوت عن هذه الانتهاكات لا يعني الحياد، بل المشاركة غير المباشرة في استمرارها.
المطلوب ليس فقط الإفراج عن المعتقلين، بل فتح ملفات الانتهاكات، وإنشاء آليات دولية للمساءلة، وتوثيق الجرائم، وملاحقة المسؤولين عنها. على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن يعيد تفعيل لجنة التحقيق المستقلة، وعلى المحكمة الجنائية الدولية أن تفتح ملفاً خاصاً بإريتريا، إذا لم تُجرَ مساءلات محلية.
إريتريا اليوم ليست فقط أزمة حقوق إنسان، بل اختبار صارخ لمصداقية النظام الدولي بأسره. هل يمكن أن تمر جرائم بهذا الحجم دون عقاب؟ هل يُسمح لنظام أن يحتجز شعباً بأكمله خلف الأسلاك بينما يشارك في القمم الدولية ويتلقى الدعم والمساعدات؟
الذين ما زالوا على قيد الحياة في السجون الإريترية لا يطلبون شفقة، بل عدالة. والذين فقدوا حياتهم تحت التعذيب أو ماتوا قهراً ، لا تطلب أرواحهم رثاءً، بل مساءلة.
حان الوقت لأن يُقال بصوت واضح: هذا النظام مجرم. هذه السجون وصمة عار. هذا الصمت الدولي تواطؤ.
والأمل، كل الأمل، أن يأتي اليوم الذي تُفتح فيه أبواب السجون، ويعود الضوء إلى الزنازين، وتُروى كل القصص، وتُذكر كل الأسماء، وتُستعاد كل الأرواح التي حاول الجلادون طمسها، لكنها بقيت حيّة في ذاكرة هذا الوطن المكلوم.
المصادر والمراجع
• Amnesty International. Eritrea: 20 years of independence, but still no freedom.
https://www.amnesty.org/en/latest/news/2013/05/eritrea-years-independence-still-no-freedom/
• Human Rights Watch. World Report 2024 – Eritrea.
https://www.hrw.org/world-report/2024/country-chapters/eritrea
• OHCHR. Report of the Commission of Inquiry on Human Rights in Eritrea.
https://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/co-i-eritrea/report-commission-inquiry-human-rights-eritrea
• Human Rights Watch. Service for Life: Human Rights Abuses in Eritrea’s National Service.
https://www.hrw.org/report/2009/04/16/service-life/human-rights-abuses-eritreas-national-service
• Amnesty International. Eritrea: Twenty years of independence, but still no freedom.
https://www.amnesty.org/en/latest/news/2013/05/eritrea-years-independence-still-no-freedom/
• BBC News. Eritrea: Inside Africa’s most secretive state.
https://www.bbc.com/news/world-africa-43169548
• Human Rights Watch. Service for Life.
https://www.hrw.org/report/2009/04/16/service-life/human-rights-abuses-eritreas-national-service
• Al Jazeera. Eritrea: Africa’s North Korea?
https://www.aljazeera.com/program/people-power/2015/6/8/eritrea-africas-north-korea
• The Guardian. Life in Eritrea: ‘It’s slavery in all but name’.
https://www.theguardian.com/world/2018/jan/28/eritrea-mass-exodus-life-death-africas-secretive-state
• Reporters Without Borders (RSF). Dawit Isaak profile.
https://rsf.org/en/hero/dawit-isaak
• Committee to Protect Journalists (CPJ). Dawit Isaak Case.
https://cpj.org/data/people/dawit-isaak/
• PEN International. Campaign for Dawit Isaak.
https://pen-international.org/news/sweden-un-special-rapporteur-should-demand-dawit-isaaks-release
• Amnesty International. Report 2023/24 – Eritrea.
https://www.amnesty.org/en/location/africa/east-africa-the-horn-and-great-lakes/eritrea/report-eritrea/
• Human Rights Watch. World Report 2024 – Eritrea.
https://www.hrw.org/world-report/2024/country-chapters/eritrea
• OHCHR. Reports and statements on Eritrea.
https://www.ohchr.org/en/countries/eritrea
• United Nations Human Rights Council. Report of the Commission of Inquiry on Human Rights in Eritrea (A/HRC/32/47)
https://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/co-i-eritrea/report-commission-inquiry-human-rights-eritrea
• Human Rights Watch. Events of 2023 – Eritrea chapter.
https://www.hrw.org/world-report/2023/country-chapters/eritrea
• Amnesty International. Calls for action and accountability in Eritrea.
https://www.amnesty.org/en/latest/news/2023/06/eritrea-un-action-needed/
حقوق النشر والحقوق الأدبية محفوظة لصالح شبكة رصد إريتريا الإخبارية.
يحظر التعديل دون إذن خطي مسبق من إدارة الشبكة.
تحتفظ الشبكة بحق اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي انتهاك يعرض العمل للتشويه أو الاستخدام غير المشروع .



