عبدٌ بالخيار أم ميتٌ بالصمت؟

المنفي رقم ٢٤ يكتب
ليس كل من سكت خائف، لكن بعض السكوت خيانة.
وليس كل من رضي بالحاكم عبد، لكن كثيراً من العبيد اختاروا الطاعة، لا خوفاً، بل رغبة.
أن تكون ضعيفاً فهذا مفهوم.
أن تكون مسحوقاً فهذا مفهوم.
لكن أن تتحول إلى جندي في خدمة جلادك؟
أن تبرر السوط الذي جلدك، والسجن الذي دفنك، والموت الذي التهم أخاك؟
هنا بالضبط، تبدأ الحماقة، وينتهي الشرف.
أنت لا تدافع عن “استقرار”.
بل تدافع عن نظام باعك قطعة غيار في مزاد سري.
نظام يملك سجلاً جنرالاته فيه تجار بشر، وضباطه تجار دم، ومسؤولوه تجار خضوع.
كم واحداً فقدت؟
واحد؟ اثنان؟
أنا أعرف من فقد أباه في “ساوا”،
وأخاه في قاع البحر،
وأخته في خيمة اغتصاب ضابط أحمق كان يرفع علم الوطن وهو يدفن شرفه.
وأعرف من عاد من الصحراء، على قدمٍ واحدة، ليكتشف أن “الوطن” الذي هرب منه لا يزال يحكمه نفس المجرم.
أتظن أن هؤلاء حين يكتبون، يحرضون؟
أم أنهم فقط يروون جحيماً لا تستطيع تخيّله؟
جحيماً هربت منه بأعذار واهية، وها أنت تمجّد الجحيم نفسه، وتطلب من الآخرين أن يصمتوا حتى لا ترتبك راحتك!
من لم يبكِ على جثة، لا يرى في النظام قاتلاً.
ومن لم يلمس الحديد في ساوا، لا يسمّيها سجناً.
ومن لم تتعرض أخته للاغتصاب، يراها “مؤسسة وطنية”.
ومن لم يُدفن صديقه في الرمال الليبية، لا يرى في الهروب إلا خيانة.
أما نحن؟
فنكتب لأننا نعرف.
نكتب لأننا نحمل أسماء الشهداء، وجثث المفقودين، والدموع التي لم تجف.
نكتب لأننا عرفنا النظام كما هو:
محرقة لا تطعم، ولا تعلّم، ولا تحمي.
تسحق فقط، وتطلب منك أن تقول: شكراً.
إذا كنت خائفاً، فلا تصفع من يتكلم.
إذا كنت جاهلًا، فلا تهاجم من يرى أكثر منك.
وإذا كنت عبداً باختيارك، فلا تطلب منا أن نرتدي سلاسل الشكر.
نحن لا نكتب لنُرضي العبيد.
نحن نكتب لنوقظ من كان حراً قبل أن يتخدر تماما.
كفى،
كفى تجميلاً للموت.
كفى عبوديةً باسم الواقعية.
كفى تسويقاً للخوف كأنه وعي.
المنفي ليس مجرد جسد خارج الوطن.
المنفي هو من حمل الحقيقة ورفض الصمت.
المنفي هو من حُرم من الوداع الأخير لأخيه لأنه مات وهو يهرب من الجحيم الذي تسميه أنت وطناً.
المنفي رقم ٢٤،
يكتب اليوم لتذكيركم بأن الصمت جريمة،
وأن التبرير جريمة أكبر.
وأن أسوأ ما تفعله في هذا الزمن، أن تختار أن تكون عبداً ثم تلبس العبودية ثوب الوطنية.
قبل أن تكتب ردك، اسأل نفسك:
هل رأيت الموت بأم عينيك؟
هل دفنت أخاك؟
هل عذّبوا أختك؟
هل أحرقوا أحلامك في معسكر تدريبي اسمه “الوطن”؟
إذا لم تفعل، فاسكت.
فمن تكلم عاش ما لم تعش.
المنفي رقم ٢٤
يسكن في المنافي، ويحارب من خلف الأسلاك،
لكن صوته أقرب إليكم من مآذن العاصمة.