يهطل المطر

قصة قصيرة..فتحي عثمان
أليس من الطبيعي ان يحدث ذلك في المستشفى؟
طبيعي أقصد مثل نمو شجرة أو هطول مطر.
عندما أفكر في الأمر أو أتخيله أجده طبيعيا.
نعم، ربما طبيعي.
نعم يحدث ذلك في المستشفيات، لكنه يحدث أيضا في أماكن اخرى.
يحدث أيضا، ومؤكدا، في الحرب. عندما دخلت أول معركة في حياتي انطبعت أصواتها، روائحها وألوانها في كياني. أن تصبح جنديا محاربا هو أن يكون هذا الانطباع عميقا في روحك المباعة. كحفر على خشب، حفر عميق في روحي بإبعاد ثلاثية، رغم ذلك لم أنجح في أن اكون جنديا محاربا.
المعركة الأولى لا تشبه أي تدريب – مدربنا يصرخ دونما توقف : “عرق التدريب يوفر دم المعركة”. رغم ذلك المعركة الأولى لا تشبه أي تدريب تلقيته في حياتي.
في التدريب يصرخ المدربون، ويلعلع الرصاص، وتتعالي الأصوات ويطير الدخان، ولكن كل ذلك لا يشبه المعركة. المعركة الحقيقية شيء آخر.
المعركة هي أن يشقق الجفاف حلقك، وأن يركض قلبك في صندوق صدرك كالفأر المذعور، ويصل منهكا إلى حلقك، ويرتد راجعا.
المعركة هي أن تحس برغبة شديدة في النوم، وأن تدلق “مصارينك” في دورة مياه دافئة. حلمك زهيد: سرير وثير وقبله دورة مياه بيضاء نظيفة.
نعم هذا يحدث في المعركة، كما في المستشفى. يموت الناس في المعركة بسبب الصوت: أزيز الطائرات، عواء الانفجارات، صرير الدبابات، تكتكة الرشاشات ومجموع الآهات. الأصوات هي التي تقتل. وعندما تصاب بالصمم في المعركة تمر المشاهد أمامك كأنها في عرض بطئ صامت، ولكأن الموت يفقد معناه عندما يغيب الصوت.
الموت يحدث في الحرب، كما يحدث في المستشفيات.
لكن في المستشفى شاهدته في الخريف.
كانت السحب بيضاء كندف القطن، الشمس حاكت دانتيل من الفضة حول حوافها. هذه سحب الخريف.
كانت السحب فوق المستشفى تماما.
ليس هناك أصوات: الكهرباء غائبة ومولداتها نائمة. الوقت ظهرا.
عويل الأم كان الدرج الذي صعدت عبره روح الطفل إلى السحاب.
فهناك عند زاوية العنبر تماما، خرجت الأم تولول، ثوبها تبرأ منها بمكر واستراح على الممر الترابي. بقيت بفستانها الأزرق الغامق ذي الزهور البرتقالية الكبيرة.
عويلها لا يشبه أصوات المعارك. ربما لأنه صوت وحيد يشبه صوت تكسر القلب أثناء عواء الريح.
من مبنى قسم الأطفال شاهدت صعود روح الطفل إلى السحاب. شيء لا يوصف. الطراز الفضي حول حواف السحاب أصبح في الوسط
وهج فضي لا يؤذي العين توسط السحاب.
روح الطفل بدأت تخوض في ندف السحب الفضية، تلعب وتركض، والأقدام تركل الندف: فيهطل المطر.