
أُنجز هذا التحقيق الميداني بالتعاون مع أحد الصحفيين المستقلين داخل إريتريا، خلال زيارة عائلية قصيرة إلى مدينة مصوع، بالتنسيق مع “شبكة رصد إريتريا الإخبارية”.
تم تحرير المادة خارج البلاد لأسباب أمنية تتعلق بسلامة المراسل والمصادر.
بسبب القيود الأمنية الصارمة والمراقبة المستمرة، كانت عملية توثيق الشهادات بالغة الصعوبة، فيما كان التقاط الصور في بعض المواقع شبه مستحيل.
اضطر زميلنا إلى الاعتماد على المشاهدة المباشرة والوصف الدقيق لنقل الصورة بأكبر قدر ممكن من الأمانة
مدينة لا تليق بها الذاكرة
في صباحٍ رمليّ ناعم، والبحر ساكنٌ كما لو أنه يحبس أنفاسه احتراماً لذاكرة المكان، جلس رجل مسن على حافة سورٍ متهالك من أطلال مسجدٍ قديم. يرفع رأسه قليلاً نحو السماء، ثم يعيد نظره إلى البحر الذي كان في يومٍ ما شريان الحياة، ويتنهّد بصوتٍ مثقلٍ بالتاريخ ويقول:
“هنا… هنا بدأت رحلة الإسلام إلى إفريقيا، واليوم حتى نحن لا نعرف قصته.”
في مدينةٍ يلفّها الملح والغبار، حيث يختلط صوت الموج بنداء الغياب، تقف مصوع كأنها أنقاض مجدٍ لم يُحفظ. من يسير في شوارعها اليوم لا يقرأ التاريخ، بل يخطو فوق أطلاله. الشرفات متآكلة، الجدران تتكئ على الفراغ، وألوان الزمن القديم باهتة على واجهات البيوت التي نخرها الإهمال أكثر مما نال منها الزمن.
مدينة كانت ذات يوم مناراتٍ للثقافة، وميناءً تعبر من خلاله قوافل الشرق نحو أعماق القارة، تحوّلت الآن إلى مشهدٍ ساكن لا يليق بسيرةٍ بدأت مع الإسلام نفسه.
عند مدخل الميناء، في ركنٍ غير مميز ولا مشهود، يوجد مسجد الصحابة. نعم، ذلك المعلم الذي يوثق أول موطئ للإسلام في إفريقيا. لا مئذنة تلوّح في الأفق، ولا حماية تحرسه من شمسٍ أو ريح. ساحة مكشوفة ببقايا أحجار ومساحةٍ تُركت لذكريات مجهولة. زوّاره من السياح المسلمين يأتون بشغفٍ وتوق، لكنهم يغادرون مثقلين بخيبة التجاهل.
هل يعقل أن يكون هذا هو مسجد أولئك الذين حملوا رسالة الإسلام غرباً؟
يهمس أحد الزوار في تسجيل على “يوتيوب”:
“تخيّلت أنني سأدخل مَعلماً مثل مسجد قباء أو مسجد القرويين… لكني وجدت جداراً في صمتٍ مهمل.”
أما الميناء، الذي كان قلب المدينة النابض، حيث تصدح أبواق السفن ويصطف العمّال والتجار على أرصفته، فقد سكنه الصدأ. لا باخرة تلوّح من بعيد، لا رافعة تتحرك، لا دخان ينبعث من مداخن النقل البحري، ولا حتى أمل في مشروعٍ قريب يعيده إلى الحياة.
مرسى كان يربط آسيا بإفريقيا، ويوصل الحبوب والبن والبهارات إلى أعماق الهضبة، بات اليوم بلا نبض.
ما الذي حدث؟
من أوقف الزمن هنا؟
وأين ذهبت الوعود بإعادة إحياء الواجهة البحرية؟
في المقاهي القليلة التي ما زالت صامدة على الأرصفة، يهمس أهل المدينة للزوار:
“كل شيء هنا انتُزع منا بالتقادم… التاريخ، البحر، وحتى الأمل.”
والسؤال الأهم الذي يتردد في ذهن كل من تطأ قدمه هذا الساحل:
هل يعقل أن تُترك مصوع، بهذا الثقل الروحي والتاريخي، لتنام على الخراب دون أن تستحق مجرد لافتة تليق بماضيها؟
“نحن هنا… لكننا منسيّون”: أصوات خافتة من قلب مصوع
في أحد أزقة سوق مصوع القديم، وبين أكوام الحبوب المصفوفة في أكياس صغيرة، جلس رجل سبعيني يُلقب بـ”الحاج موسى”، صامتاً أغلب الوقت، كأنما تعلّم من الحياة أن الكلمات لا تغيّر شيئاً.
سألناه عن مسجد الصحابة، أول مسجد في أفريقيا، فابتسم ابتسامة قصيرة، ثم أشار بيده إلى جهة البحر وقال بصوت منخفض:
“هو هناك… على أطراف المدينة… نعرف مكانه، لكن لا أحد يزوره. كأنهم أرادوا له أن يُنسى.”
لم يكن في نبرته غضب، بل نوع من التعب القديم، ذلك النوع الذي يُربّي فيك الصمت بدل الاحتجاج.
في ورشة حدادة تغطيها طبقة من الغبار الحديدي، التقينا بيونس، شاب جامعي عاد من العاصمة بعد أن فشل في العثور على عمل، ليقف الآن بجانب والده في صهر الحديد وتشكيل الأبواب.
قال بصوت خافت، وهو يتجنب النظر في عيوننا:
“مصوع؟ كانت يوماً شيئاً عظيماً… اليوم نحن فقط نعيش وسط الركام. لا سياحة، لا إعلام، لا فرص. حتى في الإنترنت، المدينة كأنها غير موجودة.”
ثم أضاف بابتسامة ساخرة:
“عندنا مسجد الصحابة… لكن لا أحد يجرؤ على الحديث عنه.”
أما “رحمة”، وهي مرشدة سياحية بين حين وآخر، كانت أكثر جرأة لكن بحذر محسوب. تحدثنا معها بعيداً عن الناس، داخل أحد البيوت المهجورة التي كانت يومًا نزلاً بحرياً.
قالت:
“المدينة تملك كل شيء لتكون لؤلؤة السياحة… لكن هناك جدار غير مرئي يُطوّقها. لا مكتب سياحي، لا لوحات، لا صيانة للمعالم… فقط صمت طويل.”
تتذكر زيارتها الأخيرة مع مجموعة سياح مسلمين، وتقول:
“أحدهم سألني بدهشة: كيف لا تحتفلون بأول أثر للإسلام في أفريقيا؟ كيف لا تفخرون بهذا؟ لم أجد جواباً.”
لكن من خارج البلاد، كان الصوت أكثر وضوحاً. “عبد القادر صالح”، باحث في التاريخ الإريتري، يقيم في المنفى، تحدث عن الأمر بلغة لا يستطيع أحد داخل البلاد التفوّه بها.
قال:
“ما يحدث لمصوع ليس مجرد إهمال… بل مشروع محو بطيء لذاكرة الساحل. المسجد، الميناء، الأسواق، كل ما يحمل روح المدينة يُترك ليذبل، ليختفي دون ضجيج.”
ثم صمت قليلا، وأردف:
“في أي بلد طبيعي، مدينة كـمصوع تُعتبر كنزاً وطنياً، تُروّج عالمياً ، وتُصاغ حولها حكاية وطن وهوية… أما هنا، فكل شيء يُدفع إلى الظل، عمداً.”
في مصوع، لا أحد يصرخ.
لكن الأصوات الخافتة، النظرات، الجمل المبتورة… تقول ما لا يُقال.
مدينة تمشي على أطراف ذاكرتها، كأنها تخشى أن تزعج من قرر أن ينساها.
الزوار على منصات التواصل، من العرب وغيرهم، يطرحون أسئلة تكررت حتى باتت صرخة:
• لماذا لا يوجد متحف واحد في المدينة؟
• لماذا لم يتم ترميم مسجد الصحابة؟
• لماذا الميناء مغلق في وجه النشاط البحري؟
• لماذا لا نجد خريطة سياحية واحدة لزيارة معالم مصوع؟
• ولماذا لا توجد حتى لافتة تعريفية واحدة على مدخل المدينة؟
صوت مصوع، كما يبدو، لم يعد مسموعاً في الداخل ولا الخارج
مدينة الميناء… والمحو المقصود؟
هل ما يحدث لمصوع هو مجرد إهمال؟
أم أن هناك قراراً غير معلن بدفن المدينة في صمت؟
حين تتكرر علامات التهميش في كل زاوية من التاريخ والجغرافيا، تصبح الصدفة ادعاءً ساذجًا، وتتحوّل الأسئلة إلى اتهامات صريحة.
مصوع ليست مجرد مدينة ساحلية؛ هي ذاكرة وطن، وبوابة دين، وشاهد على أول لقاء بين الإسلام وأفريقيا. لكن من يزورها اليوم، لا يرى سوى رماداً حضارياً يتناثر بصمت.
الميناء متوقف، والمدينة شبه معزولة.
الطريق من أسمرة إلى مصوع يروي قصة النسيان؛ أكثر من 100 كيلومتر بين الجبال، ولا لوحة تشير إلى أن هناك كنزاً حضارياً في نهايته.
ما تبقى من المرافق السياحية إمّا مغلق أو بلا أي دعم، ولا توجد أي استراتيجية معلنة للترميم أو الإحياء.
بل إنّ الصور المتوفرة للمدينة على قلّتها تُنشر في الغالب من قبل زوار أجانب أو ناشطين مستقلين. لا يوجد محتوى رسمي يعيد تقديم مصوع كمعلم وطني أو ديني أو اقتصادي.
ولذلك، يتساءل الكثير:
• هل النظام يخشى من سردية البدائل؟
• هل تاريخ مصوع لا يتناسب مع الرؤية التي يريدها النظام للهوية الإريترية؟
• لماذا لا تستثمر الحكومة في مصوع كما تستثمر في غيرها؟
• هل يعود الأمر إلى أن مصوع كانت دوماً مدينة مفتوحة على العالم، والتاريخ، والتنوع؟ وهذا لا يناسب عقلية الإغلاق؟
هذه الأسئلة تكررت في مقاطع “يوتيوبرز” زاروا المدينة، وأصابتهم الصدمة. البعض منهم وصف مصوع بأنها “أكثر المدن التي تستحق أن تكون عاصمة ثقافية… لكنها اليوم أشبه بمتحف مهجور”، بينما ذهب آخرون لوصفها بأنها “مدينة مخنوقة عن عمد”.
ما الذي يمكن فعله؟
إحياء مصوع لا يحتاج إلى معجزة. يكفي الاعتراف بقيمتها. وهذه بعض الخطوات العملية التي يمكن أن تغير وجه المدينة:
• ترميم مسجد الصحابة، ووضعه على خارطة السياحة الإسلامية.
• إعادة فتح الميناء وتطويره ليعود شرياناً اقتصادياً وطنيًا.
• إنشاء متحف صغير لتاريخ المدينة ومراحلها المختلفة.
• تفعيل الإعلام المحلي والعالمي لنقل صورة مصوع الحقيقية.
• تشجيع استثمارات في البنية السياحية (فنادق، مطاعم، مكاتب مرشدين).
• إشراك المجتمع المحلي في إدارة التراث والترويج له.
سؤال لماذا تُترك مصوع لتذبل بصمت؟
الإجابة تكاد تكون واضحة، لكنها ثقيلة على الألسنة داخل البلاد: لا توجد إرادة سياسية حقيقية لإحياء المدينة.
النظام الحاكم، بقيادة أسياس أفورقي، جعل من عسكرة الدولة أولويته القصوى منذ الاستقلال.
أما السياحة، والهوية، والذاكرة التاريخية، فتُعدّ في هذا السياق رفاهيات غير مرغوب فيها.
مصوع، بتاريخها الإسلامي العريق، وموقعها الاستراتيجي، وقربها من العالم العربي، تحمل رمزية لا تتوافق مع سردية الدولة الحالية.
لذلك، لا عجب أن تُترك بلا صيانة، بلا ترويج، وبلا أدنى اعتبار… وكأنها خارج الخريطة عمدًا
فالنظام الحالي لا يرى في التاريخ إلا ما يخدم بقاءه، ومصوع بتاريخها المفتوح، المتعدد، والمتداخل مع العالم الإسلامي… لا تُناسب هذا القالب.
مدينة تهمس… من يستمع؟
في آخر الليل، عند شاطئ مصوع، تستطيع أن تسمع شيئاً يشبه الهمس.
همس البحر؟
همس الأطلال؟
أم همس جيلٍ لم يعد يرى نفسه في وطنه؟
رجل مسن يعود من صلاته من احد المساجد القريبه من مسجد الصحابة، بعد أن توضأ من ماء مُخزن .
ينظر إلى البحر ويهمس:
“هذه المدينة لا تحتاج أن تُبنى من جديد… فقط تحتاج من يتذكرها.”
انتهى التحقيق .
جميع أسماء الشهود الواردة في هذا التحقيق أسماء مستعارة.
تم تغييرها عمداً حفاظاً على سلامتهم الشخصية، نظراً للبيئة الأمنية المقيدة في إريتريا، حيث قد يؤدي مجرد التعبير عن الرأي أو وصف واقع الإهمال إلى التعرض للملاحقة أو الأذى .



