
تقرير خاص
استناداً إلى تقرير منظمة شهود يهوه (jw.org)، الصادر في يونيو 2025 بعنوان: “إريتريا: حياة شهود يهوه بعد أكثر من ثلاثين عاماً من المرسوم الرئاسي لعام 1994”
جماعة دينية مسالمة تحوّلت إلى “عدو الدولة”
منذ أكثر من سبعين عاماً، يعيش شهود يهوه في إريتريا كجماعة دينية صغيرة تؤمن بالسلام وترفض العنف والانخراط في السياسة أو الجيش.
بدأ نشاطهم الديني في خمسينيات القرن الماضي، وانتشر في أحياء العاصمة أسمرا ومدن مثل كرن ومصوع، وظلّ متواضعاً وغير صدامي مع السلطات.
لكن بعد استقلال إريتريا عام 1993، تغيّر المشهد جذرياً عندما أصبح حيادهم السياسي موضع شك من قِبل النظام الجديد بقيادة أسياس أفورقي، الذي اعتبر رفضهم المشاركة في الاستفتاء على الاستقلال نوعًا من العصيان المدني.
المرسوم الرئاسي لعام 1994: تجريد جماعي من الجنسية
في 25 أكتوبر 1994، أصدر الرئيس الإريتري مرسوماً نصّ على أن “كل من وُلد في إريتريا من شهود يهوه قد تخلّى عن جنسيته الإريترية”، وبالتالي فقد حقوقه المدنية.
بذلك، جُرّد آلاف المواطنين من:
• العمل في المؤسسات الحكومية،
• التملك وإدارة المشاريع الخاصة،
• الحصول على وثائق هوية أو جواز سفر،
• والحق في التعليم والخدمات العامة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح شهود يهوه يعيشون كمواطنين بلا دولة داخل وطنهم، يلاحقهم الأمن، ويعاملهم المجتمع بحذر وخوف.
حياة في الخفاء: التعليم ممنوع والعمل محظور
يشترط النظام على كل طالب إريتري إتمام المرحلة الثانوية في معسكر ساوا العسكري، الذي يدمج التعليم بالخدمة العسكرية.
وبما أن شهود يهوه يرفضون الانخراط في الجيش لأسباب دينية، فإنهم يُمنعون من إكمال تعليمهم.
من يُكتشف أمره يُعتقل فوراً أو يُجبر على الاختباء.
التقرير الصادر في يونيو 2025 يذكر أن العشرات من الشبان والفتيات اضطروا إلى ترك دراستهم أو الفرار من البلاد لتجنّب التجنيد القسري.
في نوفمبر 2024، داهمت قوات الأمن مدرسة أسمرا التقنية واعتقلت أربعة طلاب تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً لرفضهم التدريب العسكري، كما اعتُقلت امرأة مسنة (86 عاماً) بعد أن ذهبت لاستعادة ابنتها من مركز الشرطة.
دين ممنوع واجتماعات سرية
يحظر النظام على شهود يهوه عقد أي تجمع ديني، حتى داخل المنازل.
وفي سبتمبر 2024، اقتحمت قوات الأمن اجتماعاً دينياً خاصاً واعتقلت 24 شخصاً، بينهم طفلان وامرأة تبلغ 85 عامًا، نُقل جميعهم إلى سجن ماي سروا السيئ السمعة.
كما طُرد خمسة أطفال من المدارس في 2023 بسبب رفضهم أداء النشيد الوطني، وأُعتقل أحدهم مؤقتًا.
تعتبر السلطات هذا الرفض “إهانة للوطن”، بينما يراه الشهود مسألة ضمير ديني لا علاقة لها بالسياسة.
السجون: عذاب بلا تهمة
بحسب التقرير، يُحتجز اليوم 64 من شهود يهوه في إريتريا:
37 رجلاً، 26 امرأة، وفتاة في السابعة عشرة من عمرها.
ولم يُقدَّم أيٌّ منهم للمحاكمة، ولا يُعرف تاريخ إطلاق سراحهم.
يقبع أغلبهم في سجني ماي سروا وأدي أبيتو قرب العاصمة أسمرا، في ظروف وصفتها المنظمة بأنها “غير إنسانية”:
• زنازين ضيقة لدرجة أن السجناء ينامون متلاصقين على الأرض.
• يسمح لهم باستخدام المراحيض مرتين يومياً فقط.
• يُمنعون من الزيارات العائلية والرعاية الطبية.
• يعتمدون على أقاربهم لتأمين الطعام إن سُمح لهم بإيصالها.
حتى اليوم، سجّل التقرير وفاة سبعة أشخاص بسبب سوء المعاملة أو المرض في السجن.
قصص إنسانية من خلف القضبان
ليتبراهن تسفاي (85 عامًا)
واحدة من أوائل النساء اللواتي انضممن لشهود يهوه في الخمسينيات. اعتُقلت عام 2024 فقط لأنها أقامت صلاة في منزلها، وسُجنت مع ابنتها.
ورغم سنّها المتقدمة، تُحتجز في سجن ماي سروا دون تهمة.
هنوك جِبرو (41 عامًا)
اعتُقل عام 2005 أثناء حملة التجنيد الإجباري، ورفض الخدمة العسكرية لأسباب دينية. عانى من مشاكل صحية خطيرة داخل السجن، ولم يُسمح له بالعلاج إلا بعد سبع سنوات.
وينتانا شووسجِد (36 عامًا)
خياطة ومصممة أزياء من أسمرا، اعتُقلت عام 2014 أثناء اجتماع ديني، وما زالت رهن الاحتجاز حتى اليوم.
قصصهم، كما يورد التقرير، تجسد معاناة جيل كامل من المؤمنين الذين اختاروا الإيمان على حساب حريتهم.
موقف المنظمات الدولية
منذ عام 2014، أصدرت الأمم المتحدة واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان واللجنة الإفريقية لحقوق الطفل عشرات التقارير والقرارات التي:
• دعت إلى الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين،
• طالبت باحترام الحق في حرية الدين والضمير،
• وأوصت بإنشاء خدمة مدنية بديلة غير عسكرية للممتنعين عن التجنيد.
لكن الحكومة الإريترية لم تستجب لأي من هذه الدعوات، ولم تسمح لأي بعثة أممية أو حقوقية بزيارة السجون أو لقاء المعتقلين.
مطالب التقرير الأخير (2025)
دعت منظمة شهود يهوه العالمية (jw.org) حكومة أسمرا إلى:
1. إطلاق سراح جميع المعتقلين فورًا وتعويضهم.
2. إعادة حقوقهم كمواطنين، بما في ذلك الجنسية والوثائق الرسمية.
3. السماح لهم بتسجيل ديانتهم وممارسة شعائرهم بحرية.
4. الاعتراف رسمياً بحق الاعتراض الضميري على الخدمة العسكرية وتوفير بديل مدني حقيقي.
5. فتح حوار رسمي بين الحكومة وممثلي الجماعة لإنهاء الأزمة.
النهايه: ثلاثون عاماً من الصبر والإيمان
منذ 1994 وحتى 2025، لم تتوقف معاناة شهود يهوه في إريتريا.
فهم اليوم يعيشون بين الخوف والحرمان، دون هوية أو حماية قانونية.
ومع كل تقرير جديد، تتكشف حقائق أكثر قسوة عن بلد يعاقب مواطنيه على إيمانهم.
ورغم صمت الحكومة، فإن القضية كما يقول التقرير أصبحت “اختباراً حقيقياً لمدى التزام إريتريا بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان”.



