أخبار اريتريااريترياالقرن الأفريقي

العقيدة الأفورقية: الدولة كأداة لبقاء النظام

رصد اريتريا | خاص | الكاتب / إبراهيم قارو

قراءة في الملامح الجيوسياسية والفكر الاستراتيجي في مقابلة أسياسأفورقي مع «القاهرة الإخبارية»

توطئة: لماذا تحظى مقابلة افورقي بأهمية استراتيجية؟

تُعد مقابلة الرئيس الإرتري أسياس أفورقي مع قناة القاهرة الإخبارية في 4 نوفمبر 2025 حدثاً يتجاوز الإطار الإعلامي التقليدي حيث جاءت في لحظة إقليمية بالغة التعقيد تشهد تفكك الدولة السودانية، وإعادة تشكّل الداخل الإثيوبي، وتبدلات متسارعة في موازين البحر الأحمر، إلى جانب الغياب النسبي للدور العربي الرسمي.
في هذا السياق لا يمكن التعامل مع المقابلة كحوار سياسي عابر، بل كوثيقة فكرية وسياسية تكشف عن البنية الذهنية والعقيدة الجيوسياسية التي توجه سلوك النظام الإرتري. فهي تعيد تقديم إرتريا بوصفها فاعلاً أمنياً يسعى إلى توسيع نطاق نفوذه في بيئة إقليمية مضطربة.

يهدف هذا التحليل إلى تفكيك بنية الخطاب الذي قدمه أفورقي وربطه بالممارسة السياسية والمؤسسية للدولة، لفهم الإطار النظري الذي يصوغ رؤية أسمرا لمصادر التهديد ومجالات النفوذ. فالمقابلة تكشف عن طموح أفورقي في إعادة صياغة دور بلاده ضمن معادلات القوة في القرن الإفريقي وكسر مركزية إثيوبيا التاريخية في المعادلة الإقليمية.

وقد أظهرت المقابلة رئيساً يتحرك بمنطق المنظّر الاستراتيجي أكثر من منطق رجل الدولة، يسعى إلى صياغة سردية بديلة للمنطقة تُعزز موقع بلاده في معادلات القوة. وعليه يمكن قراءة المقابلة كبيان سياسي يؤسس لما يمكن تسميته بـ “العقيدة الأفورقية” ويمكن اختزال هذه العقيدة السياسية في ثلاثة مرتكزات مترابطة:

●رفض الوصاية الخارجية – رفض أي تدخل أو هيمنة دولية أو إقليمية في الشأن الإرتري والإقليمي.
●توسيع مفهوم السيادة – تحويل السيادة من مبدأ دفاعي إلى أداة هجومية لإعادة هندسة العلاقات الإقليمية.
●إعادة تعريف الجوار الحيوي – اعتبار الإقليم بكامله فضاءً مفتوحاً للحركة الإرتريّة وليس حدوداً جغرافية ثابتة.

مفهوم “الجوار الحيوي”: محاولة لإعادة هندسة الإقليم

يطرح الرئيس أفورقي مفهوم “الجوار الحيوي” باعتباره حجر الزاوية في رؤيته الإقليمية. ورغم بساطة المصطلح، إلا أنه يعكس محاولة جادة لصياغة إطار جيوسياسي بديل ينقل إرتريا من موقعها الهامشي إلى مركز شبكة من المصالح والتهديدات المترابطة. وكما حدده أفورقي بنفسه في المقابلة، يتكون هذا الفضاء الاستراتيجي من أربعة مكونات رئيسية:
حوض النيل
القرن الأفريقي
البحر الأحمر
الخليج
تكمن الدلالة السياسية لهذا المفهوم في أنه يتجاوز الحدود السياسية ليركز على شبكات الترابط الوظيفي بين الأمن والمياه والتجارة. من خلال هذا الطرح، يسعى أفورقي إلى كسر صورة “الدولة الصغيرة” التي التصقت بإرتريا، وتقديم بلاده كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي هندسة مستقبلية للأمن الإقليمي. فهو لا يرى إرتريا دولة على الأطراف، بل يراها مركزاً صلباً في منطقة حيوية شديدة التشابك.
وفي هذا السياق يأتي وصفه للعلاقة مع مصر بأنها “استراتيجية” و”تكاملية”. يحمل هذا الوصف رسالة مزدوجة؛ فمن جهة يهدف خارجياً إلى تثبيت دور إرتريا ضمن محور فاعل في أمن البحر الأحمر ومن جهة أخرى يسعى داخلياً لمنح نظامه شرعية سياسية. لكن القراءة النقدية تكشف أن هذا “التكامل” المعلن يظل خطابياً أكثر منه واقعاً حيث تفتقر العلاقة إلى آليات مؤسسية مستدامة تحول الرؤية إلى عمل مشترك.

تشخيص أزمات الجوار: رواية أفورقي الانتقائية

يشكل تشخيص أفورقي لأزمات الجوار نمطاً فكرياً متعمداً، يقوم على تحميل العامل الخارجي المسؤولية الرئيسية عن الاضطرابات، مقابل تبسيط أو تجاهل العوامل الداخلية المعقدة ودور إرتريا نفسها في هذه الصراعات. هذه الرواية الانتقائية تخدم هدفاً سياسياً واضحاً، وهو تقديم نظامه كقوة استقرار خارجية بدلاً من كونه طرفاً منخرطاً في أزمات الإقليم.
الصومال: بين الانهيار الداخلي والتدخل الخارجي
يلخص أفورقي الأزمة الصومالية بأنها قضية “عالمية” بسبب موقعها الاستراتيجي وساحلها الممتد (3300 كم). وفقاً لمنطقه، فإن انهيار الدولة الصومالية يعني بالضرورة انهيار الأمن البحري. لكن هذا الطرح يغفل بشكل كامل العوامل الداخلية الحاسمة التي قادت إلى هذا الانهيار، مثل مسؤولية النخب السياسية، والبنية العشائرية المعقدة، والفشل المستمر في مشروع بناء الدولة. باختزال الأزمة في “التدخل الخارجي”، يقدم أفورقي تفسيراً يعفي الفاعلين المحليين من مسؤولياتهم.

1- إثيوبيا: صراع إثني أم أزمة مشروع الدولة؟
يربط أفورقي الأزمة في إثيوبيا بشكل مباشر بـ”الانقسامات الإثنية” كعامل مركزي للصراع. وفي حين أن هذا التشخيص صحيح جزئياً، إلا أنه يغفل عمداً حقيقة أن النظام الإرتري كان طرفاً فاعلاً في تأجيج هذه الانقسامات. فقد كان انخراط إرتريا العسكري المباشر والعميق في حرب تيغراي، متحالفة مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، أحد العوامل الرئيسية التي فاقمت من الصراع. إن تجاهله لهذا الدور ليس صدفة، بل هو جزء من محاولة منهجية لتقديم إرتريا كـ “حكم” فوق صراعات الإقليم، وليس كطرف منخرط فيها.
السودان: أزمة مُختزلة في نظرية “الاستهداف”
يقدم أفورقي رؤية مفادها أن السودان “مستهدف” من قوى إقليمية وعالمية تسعى لضرب استقرار البحر الأحمر عبره. هذا التحليل يختزل الأزمة السودانية في رواية مؤامراتية متجاهلاً جذورها العميقة المتمثلة في الصراع العسكري-العسكري والانهيار السياسي والاقتصادي. الأهم من ذلك، أن نظرية “الاستهداف” تنزع الفاعلية عن الأطراف السودانية نفسها، وتصورها كمجرد أدوات في لعبة دولية أكبر، وهو ما يعفي الفاعلين الإقليميين، بما فيهم إرتريا، من مسؤولية التعامل معهم ككيانات سياسية شرعية. هذا التركيز على العامل الخارجي هو جزء من عقيدة أكبر تتمحور حول السيادة المطلقة.

عقيدة السيادة المطلقة: أداة للرفض أم للبناء؟

يمثل مفهوم “السيادة” الركيزة العقائدية المركزية في خطاب أفورقي حيث يستخدمه لنزع الشرعية عن أي آلية دولية لا يسيطر عليها. ويتجلى ذلك بوضوح في موقفه الحاد من المبعوثين الدوليين الذين يصفهم بأنهم “صناع للأزمات”. يكشف هذا الموقف عن عدم ثقة عميقة بالمؤسسات متعددة الأطراف وشعور متجذر بأن الإقليم مُستهدف من قوى خارجية.
لكن القراءة النقدية للخطاب تكشف أن السيادة لدى أفورقي هي أداة وظيفية أكثر منها مبدأ بناء. ويمكن التمييز بين نوعين من السيادة: “سيادة تُمارس عبر بناء الدولة ومؤسساتها”، و”سيادة تُرفع كشعار لتبرير الانغلاق السياسي”. يتبنى أفورقي النموذج الثاني بوضوح حيث يستخدم خطاب السيادة لرفض التدخل ولكنه لا يوظفه لبناء مؤسسات داخلية فاعلة قادرة على ممارسة هذه السيادة بشكل حقيقي.
يظهر التناقض الأبرز في موقفه من القواعد العسكرية. ففي المقابلة، يرفضها رفضاً قاطعاً. ومع ذلك، فإن هذه التصريحات تتناقض مع سماح نظامه المسبق بوجود تسهيلات عسكرية لدولة الإمارات العربية المتحدة على الساحل الإرتري. هذا يكشف أن خطاب السيادة ليس موقفاً مبدئياً ثابتاً بل هي أداة سياسية مرنة تُكيّف حسب التحالفات الظرفية. هذا التطبيق الأداتيوالمُتناقض لمفهوم “السيادة” يجد تعبيره الأكثر طموحاً في تصميم أفورقي الكبير لأمن البحر الأحمر.

أمن البحر الأحمر: بين الطموح الإقليمي والواقع المعقد

يحتل أمن البحر الأحمر مكانة مركزية في فكر أفورقيالاستراتيجي، حيث يطرح مشروعاً أمنياً يعتمد حصرياً على دول الإقليم. تقوم أطروحته على فكرة بسيطة ومباشرة: دول البحر الأحمر “قادرة وأكثر من قادرة” على تأمين هذا الممر الحيوي دون الحاجة إلى أي وجود عسكري أجنبي. ويقترح آلية من خطوتين:
أولاً. تقوم كل دولة بحماية سواحلها.
وثانياً. تتكامل هذه الجهود ضمن آلية جماعية مشتركة.
ورغم وجاهة هذا الطرح من حيث المبدأ إلا أنه يتجاهل واقعين رئيسيين يجعلان تحقيقه شبه مستحيل في الظروف الحالية:
محدودية القدرات الفعلية:
معظم دول الإقليم تفتقر إلى القدرات البحرية المتقدمة اللازمة لمراقبة وتأمين هذا الممر المائي الشاسع والمعقد بشكل فعال.
حدة التنافس وانهيار الدول:
يفترض الطرح وجود إرادة سياسية مشتركة، وهو ما يتناقض مع واقع التنافس الإقليمي الحاد، وانهيار دول محورية مثل السودان واليمن، مما يجعل أي تنسيق أمني جماعي أمراً بالغ الصعوبة.

نقد المنظومة الأفريقية: خطاب تحرري لتبرير الانغلاق

عندما يصرح أفورقي بعبارته القاطعة “ما في اتحاد أفريقي”، فإنه لا يعبر عن رأي عابر، بل يقدم حكماً سياسياً عميقاً. هو يرى الاتحاد الأفريقي كياناً “مُخترقاً” من القوى الدولية و”عاجزاً” عن التدخل بفاعلية في أزمات القارة.
يقدم أفورقي هذا النقد ضمن إطار نظري أوسع هو مفهوم “العبودية الحديثة”، الذي يشير به إلى استمرار نهب الموارد الأفريقية والهيمنة الدولية. ورغم أن هذا الخطاب يستدعي أدبيات التحرر الأفريقية الكلاسيكية، إلا أنه يُستخدم لتبرير غياب الإصلاح الديمقراطي وانسداد المجال السياسي داخل إرتريا. ومن المثير للاهتمام أن أفورقي، عند توزيعه لمسؤولية الفشل، لا يلقي باللوم على المنظمة كهيكل، بل يحمّل المسؤولية الأولى للدول الأعضاء وحكوماتها التي “فشلت في حد ذاتها”، كاشفاً عن تناقض أعمق بين ما يقوله وما يمارسه نظامه.

التناقض البنيوي: جوهر استراتيجية أفورقي

التناقض البنيوي في خطاب أسياس أفورقي لا يُعدّ مجرد مفارقة بين القول والفعل بل يمثل جوهر منهجيتهفي الحكم وإدارة النفوذ. فهو لا يتعامل مع الخطاب السياسي كالتزام أخلاقي أو مرجعية فكرية بل كأداة لإدارة التوازنات وتوسيع هامش المناورة. هذا الانفصال بين ما يقوله وما يفعله هو في الحقيقة إحدى أدواته الأكثر فاعلية لتأمين البقاء إذ يتيح له التحرك بحرية بين المواقف المتناقضة دون أن يبدو متناقضاً في عينه ما دام الهدف النهائي هو تثبيت موقعه في معادلة إقليمية متحركة.
فعندما يرفع شعار رفض التدخل الخارجي والتمسك بالسيادة المطلقة لا يمنعه ذلك من خوض حرب تقراي إلى جانب أديس أبابا في تدخل عسكري هو الأعمق في تاريخ بلاده. وعندما يتحدث عن الحلول الإقليمية كبديل عن الوصاية الدولية نجده في الوقت نفسه يحافظ على علاقات متوترة مع جيرانه يتحرك بينهم بمنطق “التحالف التكتيكي المؤقت” لا بمنطق الشراكة المستقرة. أما حديثه عن بناء دول ذات مؤسسات وسيادة فيقابله واقع إرتري مغلق تُدار فيه الدولة بعقلية أمنية صِرفة بلا دستور أو مؤسسات تشريعية أو قضاء مستقل منذ أكثر من ثلاثة عقود. وحتى موقفه الصارم المعلن ضد القواعد العسكرية الأجنبية لم يمنعه من منح تسهيلات عسكرية للإمارات على الأراضي الإرترية طالما أن ذلك يخدم هدفاً آنياً في لعبة النفوذ على البحر الأحمر.
بهذا المعنى لا يمكن فهم تناقضات أفورقي كدليل على ضعف أو ارتباك بل كجزء مكوّن من نظام اشتغاله. فهويستخدم الخطاب الاستراتيجي بوصفه واجهة عقلانية تخفي ديناميات براغماتية صلبة تتيح له التحرك في بيئة مليئة بالتحولات دون أن يفقد توازنه. فالفجوة بين القول والفعل ليست خللاً في المنظومة بل هي المنظومة ذاتها تُدار بعقل أمني يقدّم المرونة السياسية على المبدئية ويحوّل التناقض إلى أداة بقاء.

خلاصة تحليلية: رؤية مقيدة… واستراتيجية في صراع مع الواقع

في نهاية هذا التحليل تتكشف صورة معقدة ومركبة للرئيس الإرتري أسياس أفورقي ؛ فهو يقدّم نفسه كصاحب مشروع جيوسياسي متماسك يسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وجعل إرتريا محوراً فاعلاً في أمن المنطقة واستقرارها. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع داخلي هش، حيث تُدار الدولة بعقلية أمنية مغلقة تجعل من السيادة ستاراً للعزلة، ومن الانضباط العسكري بديلاً للتنمية.
تكشف المقابلة عن جوهر المفارقة في التجربة الإرترية: دولة صغيرة بحساب الجغرافيا، لكنها تحمل طموحاً يتجاوز قدراتها الموضوعية. غير أن هذا الطموح يظل معلقاً بين الرؤية والتنفيذ، لأن النظام يفتقر إلى البنية المؤسسية التي تحوّله إلى مشروع دولة. فبدلاً من أن تكون العقيدة الاستراتيجية أداة لبناء دولة منفتحة وقادرة، أصبحت وسيلة لإدامة السيطرة وتجميد الإصلاح، حيث يُختزل الأمن في بقاء النظام لا في بقاء الوطن.
مع ذلك لا يمكن إغفال القيمة الفكرية لهذا الخطاب؛ فهو يكشف عن طبيعة الذهنية التي تدير الصراع في الهامش الإفريقي بين طموح التحرر ومقتضيات البقاء وبين مشروع بناء الدولة ومنطق السلطة المطلقة. غير أن السؤال الأعمق الذي يظل مفتوحاً هو:
هل يمكن لهذه العقيدة السياسية أن تبني استقراراً حقيقياً في القرن الأفريقي، أم أنها مجرد وصفة متقنة لإدارة الأزمات وإدامة الفوضى التي تضمن البقاء؟
بهذا التناقض البنيوي تختتم المقابلة معناها كحدث سياسي وفكري في آن واحد، لتقدّم إرتريا لا كحالة شاذة في القارة، بل كصورة مصغّرة لمعضلة إفريقية أوسع: صراع مستمر بين خطاب السيادة وواقع التبعية، وبين حلم التحرر وإرث السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى