أخبار اريتريااريترياتقارير
أخر الأخبار

كيف اختفى مسؤول الإعلام الإريتري السابق… ولماذا دفعت عائلته ثمن خروجه

من داخل السلطة إلى المنفى

رصد إريتريا | تقرير استقصائي خاص

في أواخر عام 2012، توقّف أحد أكثر وجوه الحكومة الإريترية حضورًا عن الظهور فجأة.
لم تصدر وزارة الإعلام بيانًا.
ولم تُعلن الرئاسة أي تغيير رسمي.

في دولة نادرًا ما تشرح اختفاء أي مسؤول، كان غياب المسؤول الإعلامي والمتحدث الرسمي باسم الحكومة، علي عبده يونس، حدثاً غير عادي حتى بمقاييس النظام المغلق في إريتريا.

بعد أسابيع من الصمت، بدأت تتسرّب روايات من مصادر دبلوماسية وصحفية غربية تفيد بأن الرجل غادر البلاد وطلب اللجوء في الخارج، منهياً سنوات من الخدمة في قلب جهاز الدولة.

لكن ما أعقب خروجه حوّل القصة من انشقاق مسؤول رفيع إلى واحدة من أبرز قضايا الانتقام السياسي في البلاد.

صعود داخل نظام مغلق

وُلد علي عبده يونس عام 1963 في العاصمة أسمرا، خلال فترة كانت فيها إريتريا جزءًا من إثيوبيا.
نشأ في مرحلة الكفاح المسلح التي انتهت باستقلال البلاد عام 1993، وانضم إلى الهياكل السياسية التي شكّلت الدولة الجديدة.

قبل انتقاله إلى قطاع الإعلام، شغل منصب نائب رئيس اتحاد الشبيبة ، وهي منظمة حزبية مؤثرة داخل منظومة الحكم، شكّلت إحدى بوابات صعوده إلى المناصب العليا.

وعند التحاقه بوزارة الإعلام، لم يُمنح رسميًا لقب “وزير”، بل حمل الصفة الإدارية المعتمدة داخل النظام وهي القائم بأعمال الوزير، في حين درجت بعض القنوات العربية على وصفه بـ”وزير الإعلام” على سبيل التجاوز الإعلامي.

تنقّل بعدها بين مواقع رسمية ودبلوماسية قبل أن يصبح المتحدث الرسمي باسم الحكومة وأعلى مسؤول إداري في قطاع الإعلام.

في دولة لا تسمح بوجود إعلام مستقل، أصبح هذا الموقع أداة مركزية لإدارة الصورة الخارجية للنظام.

وخلال فترة عمله، أفادت مصادر متعددة بأن عدداً من موظفي الإعلام والصحفيين تعرّضوا للاعتقال والسجن على خلفيات إدارية ومخالفات مهنية بسيطة، في سياق مناخ رقابي صارم وهيمنة أمنية كاملة على القطاع.

تصاعد التوترات داخل المنظومة

إلى جانب الضغوط المهنية، أشارت روايات متداولة إلى أن علي عبده يونس دخل في خلافات مع دوائر عسكرية نافذة داخل النظام.

وبحسب تلك الروايات، تعرّض لمضايقات من مجموعة عسكرية يقودها أحد الجنرالات البارزين، وصلت وفق المصادر نفسها إلى حد الاعتداء الجسدي.

وتفيد المعلومات المتداولة بأنه رفع شكوى مباشرة إلى زعيم النظام الإريتري اسياس افورقي ، الذي طلب منه مغادرة البلاد مؤقتاً لتلقي العلاج، على أن يتم النظر في الموضوع عند عودته.

غير أن تلك العودة لم تحدث.

الصراعات داخل النخبة الحاكمة

يرى محللون إقليميون أن قضية علي عبده يونس تعكس جانباً خفياً من التوترات المستمرة داخل النخبة الحاكمة في إريتريا، حيث تتقاطع الأجهزة العسكرية والأمنية مع المؤسسات المدنية في صراع نفوذ غير معلن.

وفي ظل غياب مؤسسات رقابية مستقلة، تُدار الخلافات غالباً عبر الإقصاء الصامت أو الإبعاد القسري بدل التسويات السياسية العلنية.

وتشير تقارير دبلوماسية وحقوقية إلى أن عدداً من المسؤولين الذين أبدوا تحفظات داخلية أو دخلوا في نزاعات مع مراكز قوة نافذة انتهى بهم الأمر إلى التهميش أو الاحتجاز أو الهروب إلى الخارج.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى خروجه باعتباره حادثة فردية، بل كجزء من نمط أوسع لإعادة ترتيب الولاءات داخل النظام.

بداية الغياب

في نوفمبر 2012، لاحظ مراسلون أجانب أن المسؤول الإعلامي لم يعد يظهر في المؤتمرات الرسمية أو البيانات الحكومية.

منظمات دولية معنية بحرية الصحافة نشرت تساؤلات علنية حول مكانه، في ظل تضارب معلومات غير مؤكدة.

بعض الروايات تحدثت عن إقالته.
أخرى عن مرضه.
بينما أشارت مصادر معارضة إلى أنه محتجز.

لكن الحكومة التزمت الصمت.

تأكيد الخروج

في مطلع عام 2013، نشرت وسائل إعلام أوروبية تقارير نقلت عن علي عبده يونس نفسه أنه ترك النظام وهو في “مكان آمن”.

لاحقاً، أكدت تقارير أمريكية ودولية أن خروجه تم في نوفمبر 2012، وأنه طلب اللجوء في الخارج، مع ترجيحات قوية باستقراره في أستراليا.

لم يصدر أي رد رسمي من السلطات الإريترية.

وكان ذلك من أرفع حالات الانشقاق المعلنة لمسؤول حكومي منذ سنوات.

الاعتقال الذي أعاد القصة إلى الواجهة

بعد أسابيع قليلة من خروجه، أوقفت قوات الأمن الإريترية ابنته:

سهام علي عبده

كانت تبلغ من العمر 15 عاماً وهي قاصر .

بحسب منظمات حقوقية دولية، أُلقي القبض عليها في ديسمبر 2012 أثناء محاولتها عبور الحدود إلى السودان.

ومنذ ذلك الوقت، لم تظهر علنًا.

لم تُعرض على محكمة.
لم تُوجّه لها تهم رسمية.
ولم يُسمح لها بالتواصل مع محامٍ أو أفراد أسرتها.

وصفت منظمات حقوق الإنسان احتجازها بأنه اختفاء قسري واعتقال بمعزل عن العالم الخارجي.

عقد من الاحتجاز السري

منذ اعتقالها في 2012، تُعد سهام علي عبده واحدة من أطول حالات احتجاز القاصرين سرًا في البلاد.

تقارير دولية متكررة دعت إلى الإفراج الفوري عنها، مؤكدة أن احتجازها ينتهك القانون الدولي.

كما ورد اسمها في تقارير الأمم المتحدة التي وثّقت أنماط الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي في إريتريا.

حتى اليوم، لا يُعرف مكان احتجازها بدقة.

حياة في المنفى… مسار مختلف

بعد خروجه من البلاد، اتخذ علي عبده يونس مساراً بعيداً عن النشاط السياسي العلني.

تفيد معلومات متقاطعة بأنه يقيم حالياً في مدينة ملبورن الأسترالية، حيث واصل مسيرته الأكاديمية، وحصل على درجة الدكتوراه، ويعمل في إحدى الجامعات في ولاية فيكتوريا.

وتشير المصادر نفسها إلى أنه لا يرتبط بنشاط سياسي علني، ولا تجمعه علاقات تنظيمية مع الجالية الإريترية، مفضلاً الابتعاد عن العمل العام.

ما الذي تكشفه القصة؟

بالنسبة للمراقبين والمنظمات الحقوقية، تمثل هذه القضية مثالاً واضحًا على:
• غياب الشفافية الحكومية
• استخدام الاعتقال السري كأداة سياسية
• إدارة الخلافات داخل النظام بالإقصاء لا بالحوار

وفي السنوات الأخيرة، تحولت قضية سهام علي عبده إلى رمز دولي لضحايا الاختفاء القسري في إريتريا.

نصل الى نهاية التقرير

بعد أكثر من عقد على اختفاء مسؤول الإعلام الإريتري السابق وخروجِه من البلاد، لا تزال الأسئلة الأساسية بلا إجابة واضحة.

كيف لرجل كان في قلب المنظومة الحاكمة، يتحكم في الرواية الرسمية للدولة، أن يتحول فجأة إلى منشق يعيش في المنفى بصمت؟
وما الذي جرى داخل أروقة السلطة قبل لحظة خروجه تحديداً؟
هل كانت خلافات إدارية؟ أم صراعات نفوذ داخل النخبة الأمنية والعسكرية؟ أم محاولة فاشلة لإصلاح داخلي أُغلقت بالقوة؟

الأكيد، بحسب تقارير حقوقية ودبلوماسية، أن النظام لم يتعامل مع خروجه بوصفه حدثاً سياسياً فحسب، بل كتهديد يجب احتواؤه عبر العقاب الجماعي.

فبدل ملاحقة الرجل في الخارج، وُجّهت الضربة إلى الداخل:
إلى طفلته القاصرة،
إلى والده،
وإلى أفراد من عائلته.

وفي بلدٍ لا توجد فيه محاكم مستقلة ولا آليات مساءلة، تحوّلت العائلة إلى أداة ضغط، والاختفاء القسري إلى سياسة ردع غير معلنة.

لكن القصة تطرح أسئلة أوسع من مصير شخص واحد.

إذا كان اعلى مسؤول بالدولة نفسه لم يكن محصناً من الإقصاء أو الانتقام،
فما الذي يعنيه ذلك لموظف عادي؟
ولصحفي بسيط؟
ولمواطن بلا أي نفوذ؟

وإذا كانت محاولة وساطة اجتماعية انتهت بالاعتقال،
فهل ترك النظام أي مساحة للحوار الداخلي منذ ذلك الحين؟

ثم يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:

أين سهام علي عبده اليوم؟

هل ما زالت محتجزة في أحد السجون السرية التي تتحدث عنها التقارير الدولية؟
وهل ما زالت على قيد الحياة بعد أكثر من عشر سنوات من الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي؟

رغم الدعوات المتكررة من منظمات حقوق الإنسان، ورغم ورود قضيتها في تقارير الأمم المتحدة، لم تقدّم السلطات الإريترية أي توضيح رسمي بشأن مصيرها.

ولا بشأن مصير عشرات وربما مئات غيرها من المختفين قسراً.

قصة علي عبده أحمد ليست استثناءً، بل نافذة نادرة أُتيح من خلالها للعالم أن يرى كيف تُدار الخلافات داخل أحد أكثر الأنظمة انغلاقًا في إفريقيا.

نظام لا يكتفي بإسكات معارضيه،
بل يوسّع دائرة العقاب لتشمل العائلة والمحيط الاجتماعي.

ومع استمرار الصمت الرسمي، تبقى القصة مفتوحة على احتمالات مؤلمة:

هل ستظهر الحقيقة يوماً؟
هل سيُكشف مصير الطفلة التي اعتُقلت لأنها حاولت الهرب من ثمن لم تختَرْه؟
وهل سيأتي وقت تُحاسَب فيه الجهات التي حوّلت الخلاف السياسي إلى مأساة عائلية طويلة الأمد؟

حتى ذلك الحين، ستظل هذه القضية واحدة من أكثر الشواهد قسوة على طبيعة الحكم في إريتريا
حكمٍ يختفي فيه المسؤولون بصمت،
وتُسجَن فيه العائلات بدل الأفراد،
وتبقى فيه الأسئلة أكبر من الإجابات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى