
رصد اريتريا | تحليل
في ظل تصاعد التنافس الدولي على ممرات البحر الأحمر، تعود إريتريا إلى دائرة الاهتمام الأمريكي بوصفها عنصرًا جيوسياسياً ذا أهمية متزايدة في معادلات الأمن الإقليمي. غير أن هذا الاهتمام، كما تطرحه مجلة فورين بوليسي في تحليل للكاتب ستيفين كوك ، يفتح باباً واسعا للنقاش حول طبيعة المقاربة الأمريكية في القرن الإفريقي وحدودها الاستراتيجية.
وفي حين يرى التحليل أن واشنطن تتحرك أحيانًا بمنطق تجزيئي في تعاملها مع ملفات المنطقة، فإن قراءات أخرى داخل دوائر السياسة الخارجية الأمريكية تعتبر أن هذا التحول يعكس محاولة لإعادة تموضع واقعي في بيئة إقليمية تتسم بتغير سريع في موازين القوى.
إريتريا في الحسابات الأمريكية بين الموقع والوظيفة
تشير فورين بوليسي إلى أن الاهتمام الأمريكي المتجدد بإريتريا لا ينفصل عن موقعها الجغرافي الحساس المطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ومن هذا المنظور، تُنظر إلى إريتريا بوصفها جزءًا من منظومة أمن بحري أوسع، تتداخل فيها اعتبارات:
- حماية خطوط الملاحة الدولية
- مراقبة النشاط الإقليمي المتزايد في البحر الأحمر
- والتوازن مع النفوذ الإيراني في بعض الممرات الاستراتيجية
وفي المقابل، يرى منتقدون لهذا التوجه أن اختزال إريتريا في “وظيفة أمنية” قد لا يعكس تعقيدات الواقع السياسي الداخلي للبلاد أو دينامياتها الإقليمية مع إثيوبيا والسودان.
جدل الشطرنج الأحادي نقد المنهج أم توصيف مبالغ فيه؟
يطرح المقال مفهوم الشطرنج أحادي البعد لوصف ما يعتبره محدودية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي تجاه القرن الإفريقي، حيث تُختزل السياسات في هدف واحد غالبًا ما يكون مرتبطًا بمواجهة إيران أو إدارة التنافس الدولي.
إلا أن هذا الطرح لا يخلو من جدل، إذ يرى بعض المحللين أن واشنطن، رغم محدودية أدواتها، تتحرك ضمن حسابات أمنية معقدة تشمل:
- حماية طرق التجارة البحرية
- منع توسع نفوذ القوى المنافسة
- والتعامل مع دول ذات أنظمة سياسية غير مستقرة
وبالتالي، فإن ما يبدو “تبسيطًا” في التحليل النقدي قد يُفهم داخل دوائر صنع القرار كـ “براغماتية ضرورية” في بيئة إقليمية عالية التعقيد.
القرن الإفريقي كمنظومة مترابطة
يؤكد تحليل فورين بوليسي أن أحد أبرز الإشكالات في السياسة الأمريكية يتمثل في التعامل مع القرن الإفريقي كملفات منفصلة، بدل اعتباره نظامًا إقليميًا مترابطًا.
فالتطورات في:
- إثيوبيا
- السودان
- إريتريا
- والسواحل المطلة على البحر الأحمر
تتداخل بشكل مباشر، ما يجعل أي تغيير في أحد هذه الملفات مؤثرًا على باقي المنظومة.
لكن في المقابل، يرى محللون آخرون أن صعوبة بناء سياسة شاملة في هذه المنطقة تعود إلى تعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين، وتغير أولوياتهم بشكل سريع، ما يدفع واشنطن أحيانًا إلى تبني سياسات مرنة بدل الخطط طويلة الأمد.
إيران والبحر الأحمر عامل محفّز أم محور مُفرِط؟
يشير المقال إلى أن جزءاً من الاهتمام الأمريكي بإريتريا يرتبط بمخاوف متصاعدة من النفوذ الإيراني في البحر الأحمر.
غير أن هذا الربط، وفق التحليل، قد يؤدي إلى تضييق زاوية الرؤية الأمريكية، بحيث يتم التعامل مع ملفات إقليمية متعددة من منظور أمني واحد.
وفي المقابل، ترى وجهات نظر أخرى أن التنافس مع إيران في هذه المنطقة يمثل بالفعل أحد المحركات الرئيسية لإعادة صياغة السياسة الأمريكية، خاصة في ظل تصاعد أهمية الممرات البحرية العالمية وأمن الطاقة.
مخاطر الرهان على الشركاء غير التقليديين
يتناول التحليل ايضاً مسألة إعادة الانخراط مع إريتريا كطرف إقليمي، مشيرًا إلى أن هذا النوع من السياسات يحمل بطبيعته درجة من المخاطرة، نظراً لطبيعة البيئة السياسية الداخلية في البلاد وتعقيد علاقاتها الإقليمية.
وفي المقابل، يجادل مؤيدو هذا التوجه بأن الانخراط مع أطراف غير تقليدية قد يكون جزءًا من سياسة “إعادة التوازن”، خاصة في مناطق لا تحقق فيها الأدوات التقليدية نتائج مستقرة.
بين النتائج المقصودة وغير المقصودة
تخلص فورين بوليسي إلى أن أحد المخاطر المحتملة لهذا النهج يتمثل في إمكانية ظهور نتائج غير متوقعة، سواء على مستوى:
- توازنات القوى الإقليمية
- أو استقرار العلاقات بين دول القرن الإفريقي
- أو ديناميات النفوذ في البحر الأحمر
ومع ذلك، يبقى هذا الطرح محل نقاش، إذ يرى آخرون أن السياسة الخارجية بطبيعتها تتضمن دائمًا هامشًا من عدم اليقين، وأن إدارة هذا الهامش هي جزء أساسي من العمل الدبلوماسي.
ما يقدمه تحليل فورين بوليسي، في جوهره، ليس حكماً نهائياً على السياسة الأمريكية، بقدر ما هو دعوة لإعادة النظر في أدوات فهم منطقة تتسم بتعقيد جغرافي وسياسي شديد.
وفي المقابل، فإن السياسة الأمريكية تجاه القرن الإفريقي تبدو محكومة بمزيج من:
- اعتبارات أمنية مباشرة
- وضغوط جيوسياسية متصاعدة
- ومحاولات لإعادة التموضع في بيئة دولية متغيرة
وبين هذين المنظورين النقدي والبراغماتي يبقى القرن الإفريقي مساحة مفتوحة لتفسيرات متعددة، لا يمكن اختزالها في قراءة واحدة.



