رصد اريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب .:
في أزقة الغربة، حيث الحرية تتنفس دون إذنٍ من المخابرات، ما زال بعض الإريتريين يرفعون صور الطاغية كما لو أنهم في شارع الحرية في أسمره .
يتحدثون عن “الوطن” وكأنهم نسوا أن الوطن سُجن معهم قبل أن يغادروه، يتفاخرون بعَلَمٍ لم يعد يرفرف إلا فوق ثكنات الخوف، ويظنون أن التطبيل شرف وطني.
لكن السؤال المؤلم الذي يطرق الرأس كل مرة:
لماذا ما زالوا يصفقون؟
لماذا يخطف النظام أبناءنا، ويهددنا، ويبتزنا عبر سفاراته، ويزرع جواسيسه في مقاهي الشتات، ثم يجد بيننا من يبرر له كل ذلك وكأنه يمارس “حب الوطن”؟
الجواب بسيط ومعقد في آنٍ واحد:
لأن النظام بنى في عقولهم سجناً أوسع من سجن “عيراعيرو”.
سجناً لا يحتاج إلى قضبان ولا أبواب حديدية، بل إلى فكرة.
فكرة أن “الوطن هو أفورقي”، وأن “من يعارضه خائن”، وأن “الحرية مؤامرة غربية”.
زرع هذه الفكرة حتى صارت ديناً جديداً، وكاهنها الأكبر هو الخوف.
تخيل أن يعيش هؤلاء في أوروبا، في مدنٍ لا تحتاج إذناً لتتكلم، ولا بطاقة حزبية لتتنفس، ثم يعودون ليبرروا القمع الذي هربوا منه!
يتحدثون عن الديمقراطية وهم يجهلون أن أول شروطها هو الاعتراف بالآخر.
يتحدثون عن الوطنية وهم ينسون أن منفى المواطن يبدأ عندما يُمنع من قول الحقيقة.
هل يصدق أحد أن من يصفق للطاغية من شوارع لندن أو أوسلو او واشنطن او باريس او برلين لا يرى التناقض في حياته؟
كيف يعيش بحرية كاملة ويشتم الحرية في وطنه؟
كيف يربي أبناءه على قيم الديمقراطية، ثم يرسل تسجيلات صوتية يمدح فيها من خطف أبناء غيره؟
إنه التنافر الإدراكي في أقصى درجاته، أو كما يسميه علماء النفس:
أن تحب جلادك لأنك تخاف أن تكرهه.
أما النظام نفسه، فهو لا يكتفي بتعذيب الداخل، بل يمد يده إلى الخارج.
يهدد، يبتز، يخترق الجاليات، يراقب من يعيشون في المنفى وكأنهم ما زالوا تحت طوعه.
يطارد الكلمة الحرة حتى في صدى الذاكرة.
يستدعي الأمن الوطني ليطارد “بوست فيسبوك”، ويستعين بالسفارات كأوكار استخبارات،
ويغطي كل ذلك بعبارة “حماية سمعة الدولة”.
لكن عن أي سمعة يتحدثون؟
عن سمعة بلدٍ يُدفن فيه الصحفيون في الزنازين؟
عن وطنٍ تُمنع فيه الأمهات من معرفة قبور أبنائهن؟
العار ليس على النظام وحده، بل على أولئك الذين يعرفون كل هذا ويسكتون، أو الأسوأ: يبررون.
هؤلاء الذين يعيشون في النور لكنهم يتغزلون بالظلام.
الذين يتحدثون عن “سيادة الوطن” وهم يرسلون أولادهم ليتعلموا في جامعات الغرب، فيما أبناء الوطن الحقيقيون يُستنزفون في معسكر ساوا إلى الأبد.
يا أبناء النظام في المنفى،
أنتم لستم أوفياء للوطن كما تزعمون، بل سجناء لفكرةٍ ميتة.
أنتم لا تحبون إريتريا، أنتم تخافون مواجهتها.
فالذي يحب وطنه لا يصفق لقاتله.
والذي يحترم نفسه لا يمدح من صادر حريته.
إريتريا التي نعرفها ليست صورة الطاغية على جدار السفارة،
وليست أغنية عسكرية تُبَث في احتفال رسمي.
إريتريا هي صوت الأم التي تنتظر ابنها،
وصوت الشاعر الذي يُخفي قصيدته خوفاً من الاعتقال،
وصرخة المهاجر الغارق وهو يتمسك باسمها في لحظة الغرق.
إريتريا التي نحلم بها لا تخاف الكلمة،
ولا تحتاج جواسيس في الشتات لتعرف من يحبها ومن لا يحبها.
إريتريا الحقيقية وُلدت من رحم الحرية،
ولا خلاص لها إلا بالحرية.
فليصرخوا كما يشاؤون،
وليمدحوا الطاغية كما يشاؤون،
لكننا سنظل نقولها بصوتٍ عالٍ، كما يقولها كل منفيٍ في داخله:
الذي يصفق للجلاد، خسر حقه في الحديث عن الوطن.
المقال يعكس قراءة الكاتب للواقع الإريتري كما يراه من منظورٍ نقدي، ويعبّر عن آرائه وتحليلاته الشخصية.
