
رصد إريتريا | تقرير
في عالم تتراجع فيه المساحات المتاحة للحقيقة عامًا بعد آخر، عادت إريتريا لتحتل المرتبة الأخيرة عالميًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن Reporters Without Borders، في تصنيف يعكس استمرار واحدة من أكثر البيئات عداءً للصحافة في العالم.
التقرير، الذي وصف الوضع العالمي بأنه الأسوأ منذ ربع قرن، أشار إلى أن أكثر من نصف دول العالم أصبحت تقع ضمن فئتي “الوضع الصعب” و”الوضع الخطير جدًا” على مستوى حرية الصحافة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التضييق القانوني والسياسي على العمل الإعلامي.
لكن بالنسبة لإريتريا، لا يبدو الأمر مجرد تراجع في التصنيف، بل تجسيدًا لواقع مستمر منذ سنوات: صحفيون مختفون، وسائل إعلام مستقلة مغلقة، وصمت رسمي يحيط بملفات الاعتقال التي تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا غموضًا في إفريقيا.
منذ حملة الاعتقالات الواسعة عام 2001، التي استهدفت صحفيين وكتابًا ومسؤولين إصلاحيين فيما عُرف لاحقًا بمجموعة الـ15، لم تسمح السلطات الإريترية بعودة أي صحافة مستقلة داخل البلاد. كثير من الصحفيين اعتُقلوا دون محاكمات، بينما اختفى آخرون داخل شبكة السجون السرية، في ظل غياب أي معلومات رسمية حول مصيرهم.
وفي تقريرها الجديد، حذرت منظمة مراسلون بلا حدود من أن الحق في الوصول إلى المعلومات يتعرض لتآكل متسارع حتى داخل الديمقراطيات، نتيجة التوسع في استخدام قوانين الأمن القومي والتشريعات المقيدة للعمل الصحفي. وأكدت أن المؤشر القانوني شهد أكبر تراجع خلال العام الماضي، في إشارة إلى أن الصحافة باتت تُجرّم بصورة متزايدة حول العالم.
وترى المنظمة أن ما يحدث لم يعد مجرد انتهاكات معزولة، بل تحوّل إلى بنية عالمية متكاملة تشارك فيها أنظمة سلطوية، وسلطات سياسية متواطئة، ومصالح اقتصادية نافذة، إضافة إلى منصات رقمية تفتقر للرقابة الفعالة.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه الولايات المتحدة سبع مراتب في المؤشر، وانزلقت عدة دول في أمريكا اللاتينية نحو مستويات أعمق من العنف والقمع ضد الصحفيين، بقيت إريتريا ثابتة في أقصى أسفل القائمة، كرمز دائم لانعدام حرية الصحافة.
اللافت في تقرير هذا العام أن المنظمة لم تكتف بعرض الأرقام، بل طرحت سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا مباشرًا على العالم: إلى متى سيستمر التسامح مع خنق الصحافة وإسكات الصحفيين؟
وقالت آن بوكندي، المديرة التحريرية للمنظمة، إن الصمت الدولي لم يعد حيادًا، بل تحول إلى شكل من أشكال التواطؤ، مؤكدة أن حماية الصحفيين تتطلب إجراءات فعلية، تبدأ بوقف تجريم العمل الصحفي، وإنهاء إساءة استخدام قوانين الأمن القومي والدعاوى القضائية التعسفية التي تستهدف الصحفيين الاستقصائيين.
وبالنسبة للإريتريين في المنفى، لا يمثل هذا التصنيف مجرد رقم جديد في تقرير دولي، بل تذكيرًا مستمرًا بأن واحدة من أطول المعارك من أجل الحقيقة في إفريقيا لا تزال مفتوحة، وأن عشرات الصحفيين الذين اختفوا قبل أكثر من عقدين ما زالوا غائبين عن العالم… وعن العدالة أيضًا




