المنفي رقم ٢٤ يكتب .
هناك نوعان من الصحافة في هذا العالم.
صحافة تبحث عن الحقيقة حتى لو أحرقت أوراق أبطالها المفضلين، وصحافة تصنع أبطالاً من ورق ثم تحرسهم من نار الأسئلة.
فلذا لا يصدمك العنوان هذا كتاب صدر باسم المؤلف كفاحي من اجل اريتريا و أفريقيا لميشيل كولون .
نرى ميشيل كولون اختار الطريق الثاني. في كتابه عن أسياس أفورقي، يقيم للديكتاتور تمثالاً من الكلمات، يلمّعه في كل صفحة، ويتجاهل الشقوق العميقة في قاعدته. يكتب كمن يصف لوحة معلّقة في معرض مغلق، بينما خارج المعرض هناك ضحايا يتساقطون، وبلد بأكمله يعيش على حافة الانهيار.
كولون ليس ساذجاً هو يعرف أن حكاية أسياس مغرية لخطابه المعادي للغرب: زعيم يرفض البنك الدولي، يواجه الناتو، ويقف ضد التقسيم الإثني. هذا يصلح كـ”بطل مقاوم” في سردية الإعلام البديل. لكن السؤال الذي يتهرب منه الكتاب: ما الثمن الذي دفعه الإريتريون مقابل هذه البطولة؟
في النص، لا تجد كلمة عن السجون السرية، ولا عن الخدمة الوطنية التي تحولت إلى عبودية مفتوحة، ولا عن آلاف الشباب الذين يتركون أرضهم هرباً من نظام يقول إنه يبني الأمة بينما يفرغها من جيلها القادم. لا تجد سطراً عن الجرائم الموثقة في تيغراي، ولا عن حرب العقول التي يخوضها النظام ضد أي فكرة مستقلة.
كولون يضعنا أمام صورة أسياس كـ”المهندس الأعظم” لمستقبل إفريقيا، لكنه لا يذكر أن هذا المهندس بنى بيته على صمت مفروض، وأغلق النوافذ حتى لا يدخل هواء النقد.
نعم، الغرب يمارس النفاق، ويستخدم ملف حقوق الإنسان كسلاح سياسي. لكن هذا لا يعفي الطغاة من جرائمهم، ولا يجعلهم فجأة أبطالاً.
حين نحاكم الغرب على كذبه، يجب أن نملك الشجاعة لمحاكمة الشرق على قمعه. وإلا سنظل ندور في حلقة خطابية عقيمة: كل طرف يبرر جرائم “زعيمه” بذريعة أن العدو أسوأ.
في هذا الرد، سأترك رواية كولون على الطاولة، وأضع بجانبها الوقائع التي غابت عنها أو تم إسكاتها عمدًا.
ليس لأنني أبحث عن “تجريم” أسياس لمجرد الاختلاف معه، بل لأن الحقيقة أكبر من أي زعيم، وأثقل من أن يحملها كتاب واحد مليء بالانتقائية.
ولأن الإريتريين قبل أي أحد يستحقون أن تُروى قصتهم كاملة، بلا مونتاج سياسي ولا حذف انتقائي.
الاستقلال الاقتصادي… بين خطاب السيادة وواقع العزلة
يحب كولون أن يبدأ حكايته بلقطة بطل يواجه عمالقة المال العالمي. أسياس، واقفاً في قاعة المؤتمرات، يردّ على البنك الدولي وصندوق النقد بعبارة مقتضبة: “سنبني اقتصادنا بأيدينا”. المشهد سينمائي: قائد إفريقي يرفع راية الاستقلال الاقتصادي، كأنه يعلن ثورة جديدة. لكن خارج الكاميرا، المشهد مختلف.
منذ 1993، الأبواب التي أغلقها أسياس لم تُفتح على أبواب أخرى، بل على جدار طويل من العزلة. لا استثمارات أجنبية، لا بنوك دولية، ولا حتى محاولات جادة لخلق شراكات إنتاجية. إريتريا، بدلاً من أن تبني اقتصادًا سيادياً متيناً، علّقت حياتها على أنبوب واحد رقيق: تحويلات المهاجرين. أموال الشتات أصبحت مثل أنفاس الإنعاش لمريض لا يُسمح له بمغادرة غرفة العناية.
والاقتصاد نفسه تحوّل إلى حالة طوارئ دائمة، بلا رؤية معلنة، بلا خطة خمسية، بلا مصارحة للشعب عن الأهداف أو الأرقام. في كل مرة تسأل عن المؤشرات، يأتيك الرد المعلّب: “الوضع الأمني يفرض ذلك”. وكأن الأمن أصبح ذريعة لوقف الزمن، وليس فقط الاقتصاد.
التعليم والصحة… أرقام توقفت عند منتصف الطريق
في التسعينات، نعم، كان هناك إنجازات. مدارس تُبنى في القرى، مراكز صحية تظهر في أماكن لم تعرف الكهرباء من قبل. هذه الصور ما زالت تستخدم في الخطاب الرسمي حتى اليوم. لكن ما لا يقوله كولون أن هذه الإنجازات توقفت عن النمو منذ أكثر من عقدين.
الخدمة الوطنية اللانهائية أفرغت الفصول من المعلمين، والمستشفيات من الأطباء. طبيب يعمل بلا راتب يُذكر، ومعلّم يدرّس بالحد الأدنى من الموارد، ثم يُستدعى فجأة إلى معسكر. البنية موجودة، لكن الروح خرجت منها.
في بعض القرى، المدرسة مفتوحة لكن بلا مدرس، والمستوصف به أسِرّة لكن بلا دواء. الصورة الخارجية توحي بأن الدولة ما زالت تهتم بالتعليم والصحة، لكن الداخل يروي حكاية مؤسسات أصبحت هياكل خاوية.
“بناء الأمة” أم إعادة صياغتها بالقوة؟
أسياس يرفض التقسيم الإثني على النمط الإثيوبي، ويقدّم نفسه كزعيم يوحّد الجميع. الفكرة جميلة على الورق. لكن ما يحدث على الأرض هو مشروع إعادة تشكيل المجتمع بقالب واحد.
لا أحزاب خارج الجبهة الشعبية.
لا إعلام مستقل.
كل نشاط ديني أو اجتماعي مراقب.
وأي صوت مختلف يُصنَّف فورًا كتهديد لتماسك الأمة.
هذه ليست وحدة وطنية بالمعنى الطوعي، بل وحدة مفروضة، حيث يذوب الجميع في لون واحد يختاره الزعيم. مثل رسام يقرر أن اللوحة ستكون كلها بلون واحد، ثم يمنع أي شخص من استخدام فرشاة مختلفة.
الخدمة الوطنية… القيد الذي لا ينكسر
كولون يصف الخدمة الوطنية كبرنامج لبناء البلاد، لكن الواقع أكثر قسوة من أي بروشور دعائي. على الورق، مدتها 18 شهراً. في الحياة الحقيقية، يمكن أن تمتد لعشر سنوات أو أكثر.
الشباب يعملون في الزراعة، البناء، أو حتى في مشاريع خاصة مرتبطة بالنظام، مقابل رواتب بالكاد تكفي للخبز والشاي. الخدمة لم تعد تدريباً عسكرياً أو خدمة عامة، بل أصبحت آلية لاحتجاز الأجيال الشابة في دائرة العمل القسري.
هذا القيد غير المرئي هو أحد أكبر أسباب الهجرة. حين تجد نفسك في العشرين من عمرك ولا تعرف متى ستنتهي خدمتك، تبدأ رحلة التفكير في البحر والصحراء، مهما كان الثمن.
السجون… الفراغ المتعمد في رواية كولون
الكتاب يخلو من أي ذكر للسجون أو التعذيب. لكن التقارير الحقوقية مليئة بأسماء أماكن مثل “عير عيرو ” و”مِيتِير” حيث يُحتجز المعتقلون في حاويات معدنية تحت شمس الصحراء.
هذه ليست حوادث فردية، بل نظام كامل من الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، والتعذيب. تجاهل كولون لهذه الحقائق ليس نقصاً في المعلومات، بل قرار واعٍ لإبقاء صورة أسياس نظيفة أمام جمهوره.
تيغراي… الحرب التي شُطبت من النص
في الحرب الإثيوبية على تيغراي، دخلت القوات الإريترية كلاعب أساسي. التقارير الميدانية وثقت جرائم قتل جماعي، اغتصاب منهجي، ونهب للممتلكات.
في كتاب كولون، هذه الحرب غائبة تماماً، كما لو أنها لم تحدث أصلاً. حذفها من النص لا يغيّر التاريخ، لكنه يغيّر من الرواية، ويجعل القارئ يظن أن أسياس ظلّ في موقع المدافع عن السيادة. الحقيقة مختلفة: أسياس لم يكن فقط مدافعاً، بل كان مشاركًا في حرب إبادة.
بالمقابل، صاحب الرؤية تحالف مع جناح دبرصيون وفتح الحدود، وهذه التفاصيل لم يذكرها الكاتب. حذفها من النص يخلق وهمًا أن كل القرارات كانت بطولية ومشرّفة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا.
ولم ينته الأمر هنا، إذ لم يُذكر أن هناك من استشهد دفاعاً عن أرضه لثلاثين عامًا، يقاتلون وتذهب دماؤهم سُدى لإقامة هذا الحلف. صاحب الرؤية يظهر في الكتاب كالمهندس الأعظم، كما يراه مؤلف الكتاب، بينما يختفي واقع المعاناة والتضحيات الحقيقية للشعب
الصراع مع الأمم المتحدة… دفاع عن السيادة أم هروب من المحاسبة؟
كولون يصوّر مواجهة أسياس أفورقي مع الأمم المتحدة على أنها معركة بطولية ضد التدخل الأجنبي، وكأنها صورة كلاسيكية للبطل الذي يقف شامخًا في وجه القوى الكبرى. على الورق، يبدو الأمر كقصة سيادة وطنية، نُسجت بخيوط الشجاعة والمبادئ. لكن الواقع مختلف تمامًا. الحقيقة تكشف أن السبب وراء محاولة إريتريا إلغاء ولاية المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان لم يكن حماية الوطن من التدخل، بل منع استمرار التحقيقات في الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان داخل البلاد.
عندما تتحول السيادة الوطنية إلى غطاء لإسكات الضحايا، ولمنع وصول أصواتهم إلى العالم، فإنها لم تعد حماية للوطن أو للشعب، بل أداة لحماية السلطة نفسها من أي مساءلة. هذا يشمل سجناء يختفون في صمت، صحفيين يُسجنون أو يُجبَرون على الاختفاء، وشباب يُسحَبون إلى الخدمة الوطنية القسرية دون حدود زمنية، كل ذلك تحت شعار الدفاع عن الوطن.
كولون يتجاهل هذه الحقيقة المنهكة التي يعيشها الشعب الإريتري يومياً. يغفل عن دماء الشهداء، عن صرخات المعتقلين، عن النساء اللواتي واجهن التعذيب والاغتصاب في السجون السرية. كل هذه الأحداث لم تُذكر، وبذلك يتحول الصراع المفترض مع الأمم المتحدة إلى بطولات في الرواية، بينما في الواقع كان محاولة للتهرب من المحاسبة، وتأمين استمرار النظام بلا أي رادع.
السيادة، في هذا السياق، لم تعد قيمة وطنية، بل حجة للتمسّك بالسلطة بأي ثمن. أي خطاب يتغنى بحرية القرار الوطني وهو يغفل حقوق الشعب، هو خطاب ناقص، نصفه أسطورة ونصفه زيف. إن الدفاع عن الوطن لا يكون بإسكات أصواته، ولا بحجب الحقائق عن العالم
حرية التعبير… الصفر الثابت
لسنوات متتالية، تتصدر إريتريا المراتب الأخيرة عالمياً في حرية الصحافة، كأنها بلد مقفل على صمت أبدي. لا صحف مستقلة، لا إذاعات خاصة، لا منصات للنقاش العام يمكن أن تُسمع فيها أصوات المواطنين. كل ما يُسمع هو صدى صوت الحكومة، معاد تدويره عبر برامج رسمية وخطابات مدروسة بعناية لتأكيد السيطرة المطلقة.
الصحفيون في إريتريا يعيشون بين ثلاثة مصائر وحيدة: السجن، المنفى، أو الاختفاء القسري. هؤلاء الذين حاولوا نقل الحقيقة، أو حتى مجرد طرح تساؤل بسيط عن السياسات الحكومية، انتهى بهم المطاف في زنزانة مظلمة أو عبر حدود بلا عودة. النظام يبرر هذا القمع الطويل بأنه “حماية من الإعلام الغربي”، لكنه في الحقيقة إغلاق كامل للنوافذ، منع أي شعاع للحقائق من الوصول إلى الداخل، ومنع الشعب من سماع أكثر من نسخة واحدة من الحقيقة: نسخة السلطة.
هذا الواقع يجعل أي خطاب عن “السيادة الوطنية” يبدو هشاً ومزيفاً. فكيف يُمكن الحديث عن حرية الرأي عندما لا يستطيع المواطن معرفة ما يحدث في وطنه، ولا يستطيع التعبير عن مخاوفه أو نقده دون أن يضع حياته على المحك؟ كيف يمكن لأي دولة أن تبني مجتمعًا واعيًا أو اقتصادًا مستدامًا إذا كانت كل فكرة مستقلة تُخنق قبل أن تولد؟
الصفر الثابت في حرية التعبير ليس مجرد رقم في تصنيف عالمي، بل هو حقيقة يومية يعيشها كل إريتري: صمت قسري، مراقبة مطلقة، ونوافذ مغلقة على العالم. إن النظام يخلق وهم الأمان والسيادة بينما الشعب يعيش في زنزانة من المعلومات المزيفة والخوف المستمر. وهكذا، تتحول السيادة الوطنية من حق مكتسب إلى وسيلة لإدامة القمع، والحرية إلى فكرة محبوسة خلف جدران صامتة .
اوجه الحقيقة المفقودة
كتاب ميشيل كولون ليس دراسة نقدية، ولا تحقيقاً صحفياً متوازناً. إنه أقرب إلى خطبة دفاعية طويلة، تضع أسياس أفورقي على منصة عالية، بينما يختفي الواقع الحقيقي للشعب تحت الظل. نصف الحقيقة غائب، والنصف الآخر مزيّن بألوان الخطاب الثوري والسيادة الوطنية. كولون يرسم صورة البطل الذي يرفض وصاية الغرب، بينما لا يُظهر الثمن البشري الذي دفعه الإريتريون في صمت: سنوات من الحرمان، شباب هارب، أجيال ضائعة، وأحلام مفقودة في الصحراء والمرافئ.
أسياس، كما يقدمه كولون، زعيم يتحدى الغرب، لكن ما لا يقوله الكتاب هو أن هذا التحدي لم يكن بلا تكلفة، وأن السيادة التي يتباهى بها جاءت على حساب الحرية الفردية، حقوق الإنسان، وتطوير مجتمع قادر على النقاش والاختلاف. إنه زعيم محاصر في قصره، يفرض صورته على البلاد، ويجعل الشعب شاهدًا صامتًا على قوته، بدل أن يكون شريكاً في قراره.
التاريخ لا يكتب بمنطق “عدو عدوي صديقي”، ولا يُقاس حجم الزعيم بمدى عناده مع القوى الخارجية. من يبرر الطغيان بحجة مواجهة الإمبريالية أو العدو الخارجي، هو في الحقيقة شريك في استمرار القمع، حتى لو ارتدى قناع المناضل والمحرر. السياسة لا تُعرف بالشعارات المرفوعة، بل بالحقائق اليومية التي يعيشها الناس على الأرض: أجيال تُستنزف، أصوات تُكمم، ومستقبل يُباع مقابل وهم السيادة.
إريتريا ليست مختبراً لتجارب الأيديولوجيا، ولا لوحة لعرض بطولات الزعماء في كتب الأصدقاء أو الصحفيين المحسوبين على خط “رواية مضادة”. إنها بلد حقيقي، به بشر حقيقيون، بآمالهم وأحزانهم، يعيشون على أرض جفافها مرّ، وتاريخها مُثقل بالصراعات، ويواجهون قرارات تُتخذ عنهم وليس لهم. كل يوم يمر، يدفعون ثمنًا لحياة لم يختاروها، ولقوانين لم يقرّوها، ولخطط اقتصادية وسياسية لم تكن لهم يد فيها.
الدرس الأكبر هنا ليس في من يقف ضد الغرب أو مع الغرب، بل في أن الحقائق لا تُختزل في صورة زعيم ولا تُزينها رواية واحدة. الحقيقة في الإريتريين أنفسهم: صمتهم، معاناتهم، إرادتهم للبقاء على قيد الحياة، وذكرياتهم التي تحملها الذاكرة الجمعية. أي كتاب يختزل هذه التجربة إلى خطاب بطل سيادي، هو كتاب ناقص، ناقص بشكل قاتل، لأنه يحرم القراء من فهم الإنسان قبل الزعيم، والمجتمع قبل السياسة، والحياة قبل الأسطورة .
لمن اراد قرائة المصدر الأصلي :
Isaias Afwerki: My Struggle for Eritrea and Africa | Black Agenda Report
