المنفي رقم ٢٤ يكتب
قرية صغيرة في المرتفعات الإريترية. وُلد طفل نحيل يُدعى أبرهى كاسا نمريام. لم يبكِ طويلاً، ولم يُظهر علامات الضعف. قالوا إن أمه كانت تراه يمضي ساعات في الظل يراقب الجبال بصمت… كأنه يتآمر مع الريح.
لم يكن ذاك الطفل يعرف أن اسمه سيكون يوماً مرادفًا للخوف، وأن اسمه سيتردد في الزنازين أكثر مما يُقال في المساجد والكنائس.
جهاز لا يُرى… لكنه يراك
في عام 1997، وقّع الرئيس الإريتري إسياس أفورقي أمراً داخلياً
بتعيين “أبرهى كاسا” مديرًا لجهاز الأمن القومي (NSO).
لم يُعلن الخبر في الصحف.
لم يُعلّق أحد.
لكن من تلك اللحظة… بدأت مرحلة الصمت المُرعب.
كل من يتنفس خارج المقرر الرسمي أصبح “هدفاً”.
شعراء، طلاب، أئمة، ضباط سابقون، نساء رفضن الزواج من رجال الأمن… الجميع.
الساعة كانت الثامنة وعشرون دقيقة مساءً، يوم 18 يونيو 1997، عندما بدأت أولى المجازر.
أكثر من 150 مسلماً تم اعتقالهم سابقاً من مساجد كرن، عصب، ومصوع.
نُقلوا ليلاً في شاحنات مغلقة…
وبين منتصف الليل والثانية صباحاً، تم إعدامهم دفعة واحدة.
لم تُنشر أسماؤهم.
لم تُسلّم جثثهم.
لم تُنصب لهم قبور.
لكن أبرهى كان حاضراً.
الجنرال الذي لا يتحدث
لا توجد مقابلة صحفية واحدة مع أبرهى كاسا.
لا تسجيل صوتي موثق، لا كلمة علنية متلفزة، لا خطاب مكتمل الأركان.
كل ما نعرفه عنه، لسنوات، كان يأتي من الضحايا…
أو من أنين غرف التعذيب في سجن “عدي أبيتو”.
لكن في الآونة الأخيرة، تسلّل صوته إلى الساحة.
بظهور خافت، كلمات محسوبة، أشبه بما تقوله العيون لا الألسنة.
كأنه اختار بنفسه متى يتكلم، وأين، ولمن.
لا ليشرح، بل ليثبت أنه لا يزال هناك… وأن الصمت، أحياناً، أقوى من الضجيج
كان يشرف على برنامج “كسر الروح” وهو سلسلة تعذيب نفسي تُستخدم ضد المعارضين الدينيين، وأعضاء حزب الجهاد الإسلامي، والجنود الهاربين من الخدمة العسكرية التي لا نهاية لها.
لماذا يخشاه الجميع؟
لأنه لا يبتسم.
ولا ينام.
ولا يُظهر الندم.
في عام 2021، قالت وزارة الخزانة الأمريكية حرفياً :
“أبرهى كاسا متورط في جرائم ضد الإنسانية، من بينها القتل، الاختفاء القسري، والتعذيب.”
وفي نوفمبر من نفس العام، وضعه الاتحاد الأوروبي على قائمة العقوبات.
لكن المفارقة أن الرجل زار إثيوبيا بعدها بأشهر، وعُومل كقائد دولة، رغم سجله.
أبرهى في تيغراي
حين غزت قوات إريتريا إقليم تيغراي الإثيوبي عام 2020، كانت بصمات أبرهى على كل عملية.
تُهجير، اغتصاب، تجويع ممنهج، وحصار.
مجازر تمت في قرى مثل أكسوم وعدي قرات…
ولم يكن الجنرال في العاصمة بل في الميدان.
أبرهى لا يُدير مكتبه من خلف شاشة.
أبرهى يقف على الجثث، ويراجع الأوامر.
من يحاسب الجنرال؟
لم يُحاكم.
لم يُعتقل.
لا يملك حساباً على “فيسبوك” أو “تويتر”.
لكنه يملك مفاتيح السجون، وأجهزة التنصت، وأرشيفاً أسود عن آلاف المعارضين.
كم من معارض خرج من إريتريا لأن أبرهى قال “نعم” في محضر سري؟
وكم من جثة دُفنت بلا شاهد لأن أبرهى لم يُصدر قراراً “بالإفراج”؟
سؤال أخير: لماذا نكتب عنه الآن؟
لأن أبرهى كاسا ما زال حياً.
ما زال حراً .
وما زال يعتقل.
وربما الليلة… يصدر أمراً جديداً.
شارك هذا التحقيق
إن كنت من إريتريا، أو تعرف إريتريا، فشارك هذا التحقيق .
إن كنت تعتقد أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، فشارك هذا التدقيق .
إن كنت تعرف اسماً ممن اختفوا… فاكتب اسمه في تعليق.
المنفي رقم ٢٤
لا أكتب كي أُعجب، بل كي لا يُنسى من رحلوا بصمت .
مصادر التحقيق:
1. U.S. Department of the Treasury – Sanctions List 2021
2. Human Rights Watch – World Report 2024
3. Martin Plaut – Eritrea & Tigray Coverage
4. AP News Archives – Eritrea Reports
5. Wikipedia – National Security Office (Eritrea)
