رصد اريتريا | الكاتب – ابراهيم حالي
اللغة بين التواصل والإخضاع
ليست اللغة مجرد وسيلة للتعبير أو أداة للتفاهم الإنساني، بل هي نظام رمزي يشكّل حدود الوعي ذاته. فهي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير، وفي الوقت نفسه قد تقيّده داخل أنساق محدّدة من المعاني. ولذلك، يمكن للغة أن تكون جسراً نحو التفاهم والعشق، كما يمكنها أن تتحول إلى وسيلة للترويض والسيطرة.
حين تتحول اللغة من أداة تواصل إلى وسيلة ضبط، تصبح الكلمة قيداً على العقل، وتغدو الجملةُ قانوناً نفسياً لا يُناقَش. عندها لا يحتاج الحاكم إلى السلاح ليحكم، بل إلى قاموسٍ جديدٍ يُعيد من خلاله تعريف الأشياء، فيتحكم في الوعي قبل أن يتحكم في الجسد.
أورويل واللغة كأداة للهيمنة. .
في روايته الشهيرة “1984”، تنبّه جورج أورويل مبكراً إلى هذا الوجه المظلم للغة. ففي عالمه الكابوسي، اخترعت السلطة لغة جديدة تُسمّى “اللغة الجديدة” ، هدفها ليس التواصل، بل تضييق نطاق الفكر حتى يصبح العصيان مستحيلاً لغوياً.
كان أورويل يقول :إذا فسدت اللغة، فسد الفكر، وإذا فسد الفكر، فسدت الحرية.”
بهذا المعنى، تصبح السيطرة على اللغة مقدّمةً للسيطرة على الإنسان. فحين تُختزل المفردات، يُختزل التفكير، وحين يُفرّغ المعنى من روحه، يُفرّغ الإنسان من إرادته.
وما رآه أورويل في خياله الروائي، جسّدته بعض الحركات الثورية في واقعنا السياسي المعاصر.
اللغة كأداة للتهجين داخل الجبهة الشعبية
في التجربة الإريترية، اتخذت الجبهة الشعبية تحرير ارتريا من اللغة وسيلة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فرغم أن لغة التنظيم الأساسية كانت التجرينية، إلا أنها لم تكن اللغة التي يتحدث بها الناس في حياتهم اليومية، بل نسخة هجينة منها — مصاغة بعناية لتغدو لغة الثورة والانضباط والطاعة.
جرى اختيار المفردات الأكثر صرامة ورهبة، فاستُبدلت الكلمات العادية بأخرى مشحونة بالعظمة والانضباط العسكري:
“نعم للاستقلال” بدل “نعم للحرية”
“سري للغاية” بدل “لمن يهمه الأمر”
“ممنوع منعاً باتاً” بدل “لعناية جهة الاختصاص”
“القسم بدماء الشهداء” بدل “القسم بما تؤمن به”
بهذه البنية اللغوية الجديدة، تم إنتاج خطابٍ سلطوي يفرّغ الكلمات من معناها الأصلي ويملؤها بدلالات الخضوع والانقياد.
لقد تحولت لغة النضال إلى قاموسٍ من الأوامر والتعليمات، وأصبح الانضباط اللغوي مرادفاً للولاء السياسي.
من فقد لغته فقد نفسه
أما المقاتلون القادمون من مناطق المنخفضات، فقد وجدوا أنفسهم أمام لغة غريبة لا تعبّر عن وجدانهم. كان عليهم تعلم “التجرينية المهجنة” لتصبح لغة الانتماء الوحيد الممكنة. ومع الوقت، صار التحدث بها علامة على “التحضّر” و”الانتماء الثوري”، بينما غدت لغاتهم الأم مرادفة للجهل والتخلّف.
هكذا تحققت نبوءة المفكر السوداني غسان علي عثمان حين قال:
“من فقد لغته فقد وسيلته وتواصله مع الأرض والسماء.”
فقدت الجماعة لغتها، ومعها فقدت ذاكرتها ومرجعها الثقافي. ومن فقد ذاكرته، صار صفحة بيضاء تكتبها السلطة كما تشاء.
اللغة كآلية للضبط الذهني
لم تكن المفردات السلطوية في خطاب الجبهة مجرد أدوات تواصل تنظيمي، بل آلية للبرمجة الذهنية. فاللغة هنا تخلق الخوف، ثم تطبّعه، ثم تحوّله إلى جزء من تكوين الفرد.
من يخرج عن الخطاب يُتَّهم بالخيانة، ومن يسأل يُعاقب، ومن يصمت يُكافأ.
يقول أدحنوم قبر ماريام – أحد قادة التنظيم السابقين – في حوار إذاعي بعد خروجه من السلطةفي العام 2002:
“كانت حرية الاختيار الوحيدة التي نُمنحها هي حرية الاستشهاد قبل رفيقك. أما في السياسة، فكل ما كان مسموحاً لنا قوله هو: نعم للاستقلال.”
إنها نسخة واقعية من عالم أورويل: حرية التفكير تُختزل في “حرية الموت”، وحرية القول في “نعم واحدة”.
فالاستقلال الذي بشّر به الخطاب لم يكن سوى حرية الدولة من الخارج، لا حرية الإنسان من الداخل.
كما يوضح الأستاذ فتحي عثمان:
“الاستقلال صفة للدول، أما الحرية فهي صفة للإنسان. لا يعني وجود الاستقلال تحقق الحرية.”
صياغة المجتمع وفق لغة جديدة
بعد الاستقلال، عاد المقاتلون إلى مجتمع لم يعد يشبههم. كانوا يتحدثون بلسانٍ آخر، يحمل مفردات القوة والتراتبية لا المساواة والمواطنة.
هكذا نشأ مجتمعان لغويان داخل الدولة الواحدة:
1. مجتمع المقاتلين بهوية لغوية هجينة وتقليد ثوري حوله الي اداة للسلطة.
2. مجتمع المواطنين الذين احتفظوا بلغاتهم الأصلية وعاداتهم وتقاليدهم.
تجلّى الانقسام حتى في الجيش، حيث أصبح المقاتلون يمازحون شباب الخدمة الإلزامية قائلين:
هل أنت من بني البشر أم من الخدمة الإلزامية؟”عبارة ساخرة تحوّلت إلى سلاح لغوي لإعادة إنتاج التراتب الاجتماعي والنفسي خلقت شرخاً كبيراً في صفوف الجيش .
لغة الثورة في الدولة الدولة
ما بدأ كلغة للتحرير، انتهى الي لغةً للتبرير.
لقد تحولت الشعارات إلى تعليمات، والأحلام إلى أوامر.
حين تُخضع الكلمة، يُخضع الإنسان.
فمن يملك اللغة، يملك الوعي، ومن يملك الوعي، يملك المستقبل.
اللغة ليست بريئة، كما قال أورويل، فهي قادرة على بناء الحرية كما هي قادرة على هندسة الخضوع.
وفي النهاية، فإن معركة الإنسان الحقيقية ليست فقط من أجل الخبز والكرامة، بل من أجل استعادة حقه في أن يُسمّي الأشياء بأسمائها.
فحينما تحرر الكلمة من الهيمنة ، تستعاد الحرية.
