المنفي رقم ٢٤ يكتب ..
في بلادٍ تتكدّس فيها الجثث في السجون، وتتوارى الذاكرة تحت ركام الخوف، تُعزف الموسيقى، وتُهزّ الأكتاف.
نعم، في بلدٍ يحكمه صمت القبور، يرقص البعض على أنغام وطنية مفخخة بالشعارات.
لكن ما سر هذه الظاهرة؟
كيف نجحت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا التنظيم الذي حوّل التحرير إلى استعمار آخر في تخدير شعب كامل، داخل الوطن وفي المنافي، بموسيقى تُغني عن السياسة، وتُعمي عن السجون، وتُخدر العقل والذاكرة الجماعية؟
هذه ليست قصة مزحة.
هذه ليست حفلة عابرة.
هذه جريمة ناعمة.
الجبهة التي تعلمت العزف قبل الحكم
منذ بداياتها، كانت الجبهة الشعبية تعرف خطورة الكلمة، وتأثير الإيقاع.
فبينما كانت تُدير معاركها في الجبال، كانت تُدير معارك الوعي في صفوف اللاجئين.
قادة الجبهة فهموا مبكراً أن الإنسان الذي يغني للوطن لن يسأل من يذبحه باسمه.
فأسسوا “فرقة فنية”، لكنها لم تكن فنية فقط. كانت فرقة سياسية متخفية في زي مطرب.
فنان مثل الراحل تخلي منجوس لم يكن مجرد صوت، بل أداة تعبوية.
أغانيه كانت تنتهي عادةً بجملة: “الجبهة لا تموت”.
وفي خلفية المشهد، أطفال يصفقون، ونساء يزغردن، بينما رجال الميدان يُحشدون.
ما بعد التحرير… الغناء فوق الخراب
بعد الاستقلال في 1993، لم تتوقف الآلة الموسيقية للجبهة، بل ازدهرت أكثر.
تحولت الأغاني من صوت ثورة إلى صوت تمجيد الزعيم.
تغيرت الكلمات، لكن النغمة بقيت هي ذاتها: “نحن الجبهة، ونحن الوطن”.
وهنا بدأت أخطر مرحلة:
تحول الغناء إلى تخدير جماعي.
الغناء صار أداة للهروب من الواقع.
كل من يشعر بالغضب أو الأسى، يُقال له: “اسمع أغنية للوطن”.
كل من يتحدث عن الدستور، يُقابل بأغنية تمجد الشهداء.
كل من يطلب الحرية، يُقال له: “كيف تطلب حرية وأنت لم ترقص بعد؟”.
الشتات… حيث يسكن الانفصام
في شوارع أوروبا وأمريكا، حيث يعيش آلاف الإريتريين اللاجئين، يُقام ما يسمى بـ “مهرجانات الجالية”.
وهنا يظهر الوجه الأكثر تناقضاً:
أناس فرّوا من القمع، يرقصون على أنغام ممجدة للقامع.
في منذُ ايام ، خرجت الممثلة الأمريكية ذات الأصول الإريترية تيفاني حديش في حفل للجالية في الولايات المتحده الاميركيه .
رقصت، ضحكت، هزّت أكتافها بحماسة وطنية مفتعلة، وسط حضور من مسؤولي السفارة الإريترية.
لم تسأل نفسها لحظة:
وبكل تاكيد لن تقحم نفسها في السياسه رغم توجيه انتقاد كبير لها من قبل الجاليه التي تعيش هناك اصحاب الضمير الحي ولم تسال نفسها !!
ولن تجرؤ ان تسال هذا السؤال .
لماذا أعيش أنا في بلد حر، بينما وطني مقبرة كبيرة؟
وقبلها، رأينا معارضاً اريترياً كبيراً ، ببدلة رسمية، يهز الأكتاف في حفل يوم الاستقلال وهو مسؤول كبير لاحد مكاتب المعارضه في احتفال تشرف عليه السفارة الإريترية في استراليا.
هل كان ناسياً أم متناسياً؟
هل استسلم للتيار أم طمع في شيء ما؟
لا هي متلازمة التخدير لهز الاكتاف أعجوبة الجبهه الشعبية .
“التخدير الوطني”… كيف يعمل؟
لا يتعلق الأمر بالموسيقى فقط.
الأغنية هنا ليست فناً، بل أداة هيمنة نفسية.
هذا التخدير يقوم على خمس قواعد:
1. ربط الوطن بالحزب: كل ما هو وطني، يجب أن يكون من صنع الجبهة.
2. تحييد الألم بالأغنية: بدلًا من مواجهة الألم، يُقال لك: “غني!”
3. التقليل من قيمة النقد: من لا يرقص فهو معقد أو عميل.
4. شيطنة المعارضين: الأغنية تقول: “كل من لا يحب الزعيم خائن.”
5. تدوير الذنب: إذا لم ترقص فأنت لا تحب بلدك.
النتيجة؟
شعب يُقتل في السجون… وآخرون يهزون أكتافهم باسمه.
من يصحى اولاً؟
المشكلة ليست فقط في الجبهة.
المشكلة فينا نحن.
نحن الذين صمتنا حين بدأت الأغاني تأخذ مكان الدساتير.
نحن الذين صدقنا أن الرقص يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة.
نحن الذين نعيش الانفصام الكامل: نشتكي القمع، ونرقص له.
هذا المقال ليس دعوة للكآبة، بل دعوة للاستفاقة.
الأغاني لا تحرر، بل تعمي.
الوطن لا يُبنى بالأكتاف المهزوزة، بل بالعقول الواعية.
نقول كفى طرباً… لنسمع صوت الذين لا صوت لهم
المنفي لا يرقص.
المنفي لا يحتفل.
المنفي يتذكر كل من فقدوه في الطريق…
ولا يُغني إلا للحرية.
فمن أراد أن يهز أكتافه، فليفعل.
لكن فليعلم أن أكتافاً أخرى حُملت عليها جثامين الذين قالوا “لا” ولم تُكتب لهم الحياة بعدها.
فليُكتب هذا المقال…
في زمن صار فيه الرقص أخطر من الكلام.
المنفي رقم ٢٤
4 أغسطس 2025
