
تقرير : شبكة رصد إريتريا الأخبارية .
أسمرا، عاصمة إريتريا، تُعرف بطرازها المعماري الفريد الذي يعكس الحقبة الاستعمارية الإيطالية. رغم وجود ثروات معدنية هائلة في البلاد، إلا أن المدينة لم تشهد تطوراً عمرانياً ملحوظاً، مثل بناء ناطحات السحاب، كما هو الحال في العديد من العواصم الأفريقية. يهدف هذا التقرير إلى تحليل الأسباب الكامنة وراء هذا التوقف في التطور العمراني، وتفكيك العوامل السياسية والاقتصادية والمعمارية التي شكلت هذا الواقع الراكد.
الإرث المعماري الإيطالي والمحافظة عليه
أسمرا تحتوي على مجموعة من المباني التي تمثل الطراز المعماري الإيطالي الحديث، مثل “سينما إمبيرو” و”محطة فيات تاجلييرو”، ما جعل المدينة تُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 2017.
المدينة تحتفظ بحوالي 90% من مبانيها التاريخية، مما يعكس التزامًا قويًا – سواء رسمياً أو شعبيا – بالحفاظ على هذا الإرث الفريد، والذي يُنظر إليه كمصدر فخر وطني وهوية حضرية لا يجب المساس بها.
السياسات الحكومية وتأثيرها على التطور العمراني
النظام السياسي في إريتريا يتسم بالتحفظ والانغلاق، حيث لا توجد سياسات تحفيزية واضحة لجذب رؤوس الأموال المحلية أو الأجنبية لتطوير القطاع العقاري أو العمراني.
النشاط الاقتصادي في البلاد موجه بشكل مركزي وتخضع معظم المشاريع لرقابة حكومية صارمة، مما يعيق المبادرات الخاصة ويحد من إطلاق مشاريع حضرية واسعة النطاق.
رغم الاعتماد الكبير على قطاع التعدين، الذي يمثل حوالي 20% من الناتج المحلي، إلا أن العوائد لا يتم تدويرها في مشاريع التنمية الحضرية.
التحديات الاقتصادية والمالية
إريتريا تعاني من عزلة مالية تجعل الوصول إلى التمويل الدولي محدوداً.
ارتفاع معدلات الفائدة المحلية وانعدام البنية التحتية المصرفية الحديثة يعيق تمويل المشاريع العقارية الكبرى.
كما أن ضعف التنوع الاقتصادي يجعل البلاد أكثر عرضة للصدمات، ما يدفع الحكومة لتجميد الإنفاق على المشاريع الحضرية مقابل أولويات تعتبرها أكثر “استقراراً”، مثل الأمن أو السيطرة السياسية.
غياب الاستثمارات في البنية التحتية
الاستثمارات الموجهة لتطوير البنية التحتية الحضرية محدودة جداً.
لا توجد مؤشرات على مشاريع قادمة لبناء مناطق حضرية جديدة أو تجديد الأحياء القديمة.
الحفاظ على الطابع المعماري التاريخي للمدينة يُستخدم أحياناً كمبرر لتجميد أي تصور للتجديد أو التوسعة، مما يحرم المدينة من مشاريع حديثة تتوافق مع احتياجات السكان ونموهم.
المقارنة مع مدن أفريقية أخرى
مدن مثل كيغالي في رواندا أو نيروبي في كينيا وحتى أديس أبابا في إثيوبيا المجاورة، شهدت تطوراً عمرانياً ملحوظاً في العقود الأخيرة.
ذلك يعود لوجود حكومات اعتمدت استراتيجيات انفتاح، وجذبت استثمارات أجنبية مباشرة، وشجعت تطوير المناطق الاقتصادية والعقارية.
في المقابل، أسمرا حافظت على جمودها بفعل السياسة الرسمية التي ترفض الانفتاح وتتمسك بالبنية الحالية للمدينة كأداة رمزية للهوية الوطنية.
نهاية التقرير
توقف التطور العمراني في أسمرا ليس نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تراكمات سياسية واقتصادية وثقافية.
من جهة، الحكومة الإريترية اختارت طريق العزلة السياسية والاقتصادية، مما قلّص من فرص الاستثمار الخارجي ومنع تدفق التمويل الدولي اللازم لتطوير البنية التحتية.
ومن جهة أخرى، تم تحويل الإرث المعماري الاستعماري من مجرد موروث تاريخي إلى حالة شبه مقدسة، تعيق أي تغيير عمراني جذري قد يُنظر إليه كتهديد للهوية البصرية للمدينة.
كما أن الأولويات السياسية للسلطة، التي تميل إلى الإنفاق الأمني والعسكري على حساب التنمية، أدت إلى شلل شبه تام في مشاريع التحديث العمراني.
أما الثروات المعدنية، التي كان من الممكن أن تغيّر وجه المدينة، فقد تم توجيه عوائدها إلى مجالات لا تخدم البنية التحتية المدنية، سواء بسبب سوء الإدارة أو بسبب انعدام الشفافية والمحاسبة.
والنتيجة: مدينة جميلة وفريدة من نوعها، لكن متجمدة في الماضي، تتآكل من الداخل بسبب غياب التحديث، ويُحرم سكانها من التمتع ببنية تحتية حديثة تتناسب مع طموحاتهم وحاجاتهم.
أسمرا اليوم تواجه مفترق طرق: إما الاستمرار في سياسة العزلة والحفاظ الرمزي، أو تبني رؤية حضرية جديدة توازن بين صون التراث وتحديث الواقع.
المصادر
1. UNESCO – Asmara: A Modernist City of Africa
2. CNN – Asmara: Africa’s Modernist City
3. The Guardian – The Italian architecture that shaped new World Heritage site Asmara
4. World Bank – Eritrea Overview
5. IMF – Eritrea Country Page
6. African Development Bank – Eritrea Economic Outlook
7. World Bank – Ethiopia: Second Addis Ababa Urban Development Project
8. Phenomenal World – Addis Ababa IHDP Report