المنفي رقم ٢٤ يكتب
أحياناً لا تحتاج الشعوب إلى بيانات رسمية، ولا إلى مؤتمرات صحفية لتقول ما بداخلها.
هناك أشياء أكبر من اللغة الدبلوماسية، أعمق من سياسات العواصم، وأصدق من البيانات الحكومية.
أشياء تخرج من صدور الناس لا من مكاتب الوزارات.
مثل الوفاء.
مثل العرفان.
مثل اليد التي لا تُرد حين تمتد إليك مستغيثة.
حين نتحدث نحن الإريتريين عن السودان، فنحن لا نمارس المجاملة، ولا نكتب بلغة الطوارئ.
نحن نستدعي ذاكرة عتيقة، عاشت في الوجدان قبل أن تكتب في السجلات.
ذاكرة من خبز قُسِم بين لاجئ وجار، ومن خيام نُصبت لإيواء المنفيين، ومن صدور فتحتها أرض السودان حين ضاقت بنا أرضنا.
نحن الجيل الذي سمع حكايات آبائه عن كيف دخلوا كسلا حفاةً، لكنهم خرجوا منها مرفوعي الرأس.
نحن الذين ما زلنا نذكر كيف كان السودانيون يفتحون بيوتهم لنساء إريتريا، وكيف كانوا ينادون أبناءنا بأسمائهم قبل أن تنطقهم سجلات الأمم المتحدة.
نحن الذين لم ننسَ، ولن ننسى، أن السودان لم يكن يومًا ممرًا فقط، بل كان بيتاً ثانياً… بل الأول لبعضنا.
لهذا، حين يقول البعض: “لو لم يكن أفورقي في الحكم، لكان موقفنا مختلفاً”…
أرد عليهم بكل هدوء: حتى لو اختفى أفورقي من المشهد، لن ننتظر نظاماً كي نفتح أبوابنا.
لأن هذا القرار لا تصنعه الحكومات، بل تصنعه ذاكرة الشعوب.
وهذه الذاكرة تقول لنا: الآن دورنا لنرد الدين.
نعم، نعلم أن بعض الإريتريين ذاقوا المرارة في السودان، وتعرضوا للتمييز أو الملاحقة أو الإهمال.
ونعلم أن هناك من أساء إلينا، فرداً أو مسؤولاً ، في لحظة ضعف أو قسوة أو جهل.
لكننا أيضاً نعلم دون شك أن هؤلاء لا يمثلون الشعب السوداني، ولا يلغون ما فعله الملايين من أهله.
تماماً كما لا يمثل النظام القائم في أسمرة شعبنا الإريتري الحرّ الكريم.
لا أحد يعرف حجم الدمار الذي تركته الحرب في السودان أكثر منّا.
نحن، الذين نعرف معنى أن يفقد الإنسان أرضه دون أن يفقد كرامته.
نعرف ألم الانتظار على الحدود، والركض في العراء، والبحث عن خيمة بلا ذلّ.
نحن أبناء المخيمات، وأحفاد الثوار، لا يمكن أن نغلق باباً على لاجئ… مهما كان.
الآن، الشعب السوداني في محنة، في شتات، في تهجير لا يشبهه.
فهل نصمت؟
هل نتعامل وكأننا لم نرَ؟
هل ننتظر من يسمح لنا بأن نكون بشراً؟
كلا.
إذا كان للكرم جذور، فإنها تبدأ من جغرافيا الألم المشترك.
وإذا كان للأخلاق مواقف، فإن أول اختبارها يكون حين تكون الأرض ضيقة والقلوب واسعة.
لا أقول إن إريتريا قادرة الآن على فتح معسكرات استقبال، ولا على إنشاء منظومات إنسانية ضخمة.
لكني أقول: ما زال بالإمكان أن نقول كلمة. أن نكتب منشوراً . أن نُبادر. أن نُظهر الوجه الحقيقي لهذا الشعب العظيم.
ما زال بالإمكان أن نتذكر، ونُذكّر، ونفعل شيئاً حتى لو بدأ صغيراً.
المواقف تبدأ من هنا: من الذاكرة.
من تلك اللحظة التي تراك فيها الأم السودانية فتبكي لأنها تذكّرت أمّاً إريترية كانت تقاسمها اللقمة قبل أربعين عاماً.
هذه ليست لحظة سياسية.
هذه لحظة إنسانية.
فهل سنفشل فيها؟
لا أظن
ورغم تحرير الخرطوم، تبقى الجراح مفتوحة، والقلوب مشغولة، والمحنة لم تنتهِ بعد.
قد تتغير موازين القوة، وتُرفع أعلام، وتُعلن بيانات، لكن من عاش مرارة النزوح لا تعنيه الخرائط، بل الأمان.
نحن لا نقرأ المشهد من منظور سياسي، بل نقرأه بعيون أمهات يبحثن عن الدواء، وأطفال يفتقدون المدارس، ورجال فقدوا بيوتهم وهم واقفون.
وأنا، كإريتري، لا أكتب من برج عاجي، بل من ذاكرة عابرة للحدود، من تاريخ مشترك يعلو على السياسات.
وأقولها بثقة لا تراجع فيها:
نحن شعب إريتريا، مع شعب السودان، لا نُغيّر مواقفنا بتغيّر الأنظمة.
نحن نرد الدين، لا نطالب به.
وأعلم تماماً أن الشعب السوداني مع الجيش السوداني عندما حرر الخرطوم.
لا انفصال بين المقاتل الذي ضحى، والمواطن الذي صبر.
كلهم من نسيج واحد، لا يفصل بينهم إلا الغبار المؤقت… ثم تعود الحكاية إلى أصلها.
كرامتنا واحدة.
وجرحنا واحد.
وانتصار السودان، هو أيضاً انتصارٌ لنا… نحن المنفيين في الذاكرة والحدود .
