المنفي رقم ٢٤ يكتب!
في ساوا لا توجد حياة.
هناك شيء يشبه الحياة… لكنه بلا روح، بلا كرامة، بلا أفق.
معسكر يُقدَّم للعالم كـ”مدرسة وطنية”، بينما هو في الحقيقة أكبر مسلخ بشري في القرن الأفريقي.
مكان تتساوى فيه الأخطاء البسيطة مع العقوبات القاتلة، حيث يتحوّل الشباب الإريتري من أحلام مؤجلة إلى أجسادٍ تُسحَق يومياً بلا معنى.
شهادة أولى: رجل تُرك ليموت لأن الشكوى “دلع”
شاب في الثامنة عشرة، لم يكن يحلم سوى أن يعود إلى أهله بعد “الخدمة”.
ضربة فأس خاطئة هوت على ساقه أثناء العمل الإجباري.
نزيف داخلي… تورّم… ألم لا يُطاق.
لكن طبيب ساوا قال له ببرود:
“لا تكن (ودي ماما)… ارجع للعمل.”
لا تكن ابن أمك… يعني: لا تكن إنساناً.
عاد للسخرة بينما رجله تكاد تنفجر.
عاد للطبيب مجدداً… فقال له أمام الآخرين:
“أشغلتني! ما فيك شيء.”
أصحابه، الذين كانوا منهكين مثله، هربوه ليلاً عبر شاحنة عسكرية، تحت خوف أن يُكتشف الأمر ويتعرضوا جميعاً للعقوبة.
في مستشفى أوروتا الحكومي، صُدم الأطباء لما رأوه:
“كيف صمدت كل هذه المدة؟”
جاء أطباء ألمان للتدريب، قالوا يجب بتر الساق فوراً.
لكن طبيب إريتري رفض قائلاً:
“نقدر ننقذها.”
وبالفعل… أنقذت رجله.
لكن أحداً لم ينقذه من “جزاء الهروب” عندما أُعيد إلى المعسكر.
ولا أحد يعرف أين هو اليوم.
شهادة ثانية: فتاة قُدّمت كغنيمة لـ”مناضل”
في معسكر البنات داخل ساوا، كانت هناك مجندة لم تتجاوز 19 عاماً.
قائد في الستين من عمره، يقال عنه “مناضل”، أراد أن يستفرد بها.
رفضت.
فبدأ يعاقبها:
حرمان من الراحة، أعمال إضافية، إهانات متكررة…
وعندما فشلت محاولاته، قررت الهرب إلى أسمرا.
لكن الشرطة العسكرية طاردتها.
هربت من نقطة تفتيش إلى أخرى…
حتى قُبض عليها قبل أن تصل إلى الحدود الإثيوبية.
لا أحد يعرف ما حدث بعدها.
وفي إريتريا… المصائر تُخفى كما تُخفى الجثث.
شهادة ثالثة: ألم في الجسد… واستهزاء بدل العلاج
فتاة أخرى في ساوا أصيبت بألم حاد في منطقتها التناسلية.
لم تستطع التبول لأيام.
ذهبت للطبيب، فقال لها:
“دلّوعة! ارجعي.”
أسبوع كامل بلا قدرة على قضاء حاجتها، حتى أغمي عليها.
وعندما نُقلت إلى مستشفى أوروتا اشتبهوا بأنها “الزايدة”.
أجروا عملية… فتحوا بطنها… فلم يجدوا شيئاً.
أغلقوا الجرح.
وبعد يوم واحد… ماتت.
ماتت بسبب تشخيص خاطئ… واستهزاء… وإهمالٍ متعمّد.
قصص كثيرة مثلها… بعضها نُقل، وبعضها دُفن بصمت.
أمثلة موثّقة أممياً وحقوقياً
هذه ليست إشاعات. ليست روايات عاطفية.
هذه حقائق موثقة من:
• لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (UN Commission of Inquiry on Eritrea – COIE)
• مفوضية حقوق الإنسان (OHCHR)
• هيومن رايتس ووتش
• العفو الدولية
• تقارير مجلس حقوق الإنسان
• شهادات لاجئين وناجين في إثيوبيا والسودان وأوروبا
1. الاغتصاب كسلاح داخل الخدمة الوطنية
لجنة التحقيق الأممية COIE أكدت أن:
• الضباط يمارسون الاغتصاب والتحرش في معسكرات التدريب
• الفتيات يتعرضن للابتزاز الجنسي مقابل “الحماية” من العقوبات
• هناك حالات حمل داخل ساوا
• البنات يتعرضن للضرب والتعذيب إذا حاولن الإبلاغ
(موثق في تقرير الأمم المتحدة 2015 و2016).
2. القتل خارج القانون
الأمم المتحدة وثقت:
• إطلاق النار على المجندين الهاربين
• تنفيذ إعدامات ميدانية لمن يرفضون الأوامر
• موت العشرات تحت التعذيب أو نتيجة الحرمان من العلاج
3. السحل والضرب المبرح
تقارير حقوقية أكدت:
• استخدام “التعذيب المائي” و”التعليق” و”الحبس في الحاويات المعدنية”
• سحل المجندين أمام الآخرين كعقاب جماعي
• إجبارهم على الركوع تحت الشمس لساعات بلا ماء
4. الاختفاء القسري
الآلاف اختفوا داخل منظومة الخدمة، دون إبلاغ أهاليهم:
• من يهرب من ساوا
• من يرفض الأوامر
• من يُتهم بالتعاطف مع المعارضة
لا قبور معروفة… لا محاكمات… لا أسماء.
ساوا ليست مجرد معسكر… إنها مصنع للخوف
ساوا ليست مكان تدريب.
هي أداة قمع بيد نظام أسياس أفورقي لإنتاج شعب بلا صوت.
جيل كامل يُكسَر هناك… كي لا يرفع رأسه بعدها.
هذه القصص ليست استثناءً… بل هي النظام نفسه.
من عقود.
ومن يتحدث عن “خدمة وطنية” حقيقية، إما لا يعرف الحقيقة، أو يعرف… ويبرر.
هذه النهايه
في زمنٍ تفشل فيه المؤسسات، وفي زمنٍ يُراد لصوت الضحية أن يُدفن،
نحن مطالبون بأن نكتب… أن نوثق… أن نفضح.
ساوا ليست مدرسة.
ساوا ليست تدريباً.
ساوا ليست وطنية.
ساوا… جريمة منظمة.
وما لم تُفتح هذه الملفات، وما لم تُذكر هذه القصص،
ستظل إريتريا سجناً كبيراً…
وسيبقى شبابها بين خيارين فقط:
الهرب… أو الانكسار.
المنفي رقم ٢٤
صوتٌ من العتمة
لكنه لن يصمت
