في العراء بين عدوَّيْن: اللاجئون الإريتريون في إثيوبيا… منفى لا يشبه الحياة – المنفي رقم ٢٤ يكتب !

كان المشهد كافياً لفضح كل الشعارات الإنسانية.

لم يكن فيلماً سينمائياًً، بل كان حقيقة تجرّدت من الرحمة.

لاجئون إريتريون، يحملون وثائق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، خُطفوا من معسكرات اللجوء في تيغراي، ثم سُلّموا مباشرة إلى جلاديهم في أسمرة، في واحدة من أبشع خيانات الحماية الدولية التي يفترض أنها مقدّسة.

لكن إثيوبيا الدولة التي لطالما قدّمت نفسها للعالم كمضيفة كريمة لأكبر عدد من اللاجئين في القارة مزّقت القناع، عندما قررت أن الولاء السياسي لنظام أسياس أفورقي، أهم من أرواح أولئك الهاربين منه.

ماذا قال المجلس الوطني؟ وماذا لم يقل؟

تابعت كما تابع غيري من المهتمين بالشأن الإريتري، المؤتمر الصحفي الأخير للمجلس الوطني الإريتري للتغيير الديمقراطي.

كلام كثير عن السياسات، عن الحراك، عن التغيير، عن إثيوبيا.

لكن أين كان الحديث عن ملف اللاجئين؟

أين كانت الصرخة من أجل ١٥٠ الف لاجئ او اكثر من الإريتريين الذين يعيشون أو بالأصح يتعفّنون في معسكرات داخل إثيوبيا؟

بلا حماية. بلا وضوح. بلا ضمانات تُبعدهم عن مصير أعاد الافاً منهم قسراً إلى الجحيم الإريتري في سنوات سابقة.

هذا الملف لم يُذكر. لم يُفتح.

تم تجاوزه بصمت. كأن أولئك اللاجئين لا ينتمون لهذا الوطن، أو كأن آلامهم لا تليق بالخطابات.

كان يجب أن يُقال شيء. أن يُحمل هذا الجرح في قلب المؤتمر.

لا يمكن الحديث عن المستقبل دون مواجهة هذه الجريمة المستمرة ضد شعبنا في المنفى.

المجلس الوطني مطالب بالشجاعة.

مطالب بأن ينزع قفازات الدبلوماسية الناعمة، ويواجه هذا الملف كما هو: ملف خيانة، ومأساة، ومسؤولية مباشرة.

السكوت عن معاناة اللاجئين خصوصاً في إثيوبيا عار لا يمكن تبريره، ولا يجب تمريره

دعونا نعود الى اسفل ما كُتب .

2020: الخيانة الكاملة

في خضم الحرب في تيغراي، تسللت القوات الإريترية إلى المعسكرات التي كانت تحت رعاية الأمم المتحدة.

بموافقة إثيوبية، أو تواطؤ صامت، اختفى مئات اللاجئين من معسكري Hitsats وShimelba وغيرها .

أين ذهبوا؟

الإجابة لا تحتاج إلى خيال: نُقلوا إلى إريتريا.

أُعيدوا إلى السجن المفتوح الذي فروا منه.

او ربما اعدموا بتهمة الخيانة .

العالم صمت، والأمم المتحدة أعربت عن “القلق”، والمجرمون أفلتوا.

اليوم: هل هم بخير؟ هل نحن بخير؟

أكثر من 150 ألف لاجئ إريتري يعيشون اليوم في إثيوبيا.

أرقام قد تبدو ضخمة، لكنها صغيرة إذا عرفنا أن غالبيتهم يعيشون في ظروف مزرية، محرومين من العمل، عرضة للابتزاز، وبعضهم تم تهجيره من معسكراته مجدداً، بلا بديل.

مئات منهم حاولوا عبور الحدود إلى السودان، ليجدوا أنفسهم في جحيم آخر.

الآخرون علقوا في المخيمات، ينتظرون طعاماً لا يأتي، وحلاً لا يظهر، ومستقبلاً لا يُكتب.

الخطر القادم؟

الوضع في إثيوبيا لا يزال هشاً.

العلاقات مع النظام الإريتري لم تعد كما كانت، لكن ذلك لا يعني أن الخطر زال.

فالدولة التي سلّمت اللاجئين مرة، يمكن أن تفعلها مجدداً.

والمنظمات الدولية التي أخفقت في حمايتهم حينها، ما الذي يضمن تحرّكها لاحقاً؟

السؤال الأصعب:

أين المعارضة الإريترية من هذا الملف؟

هل تكفي خطابات المؤتمرات؟

هل يكفي “الإدانة” بينما الجثث تُدفن بلا أسماء في الحدود؟

هل يكفي الحديث عن الديمقراطية، بينما شعبنا يُرمى كالقمامة على مائدة المساومات السياسية؟

صرخة في البرّية

اللاجئ الإريتري في إثيوبيا اليوم ليس لاجئاً فقط.

هو مشروع شهيد، مشروع مختطف، مشروع نسيان.

وكل من يدّعي تمثيل هذا الشعب عليه أن يضع ملفهم في أول القائمة.

ليس باعتباره “بنداً انسانياً”، بل باعتباره فضيحة سياسية، وعاراً يجب أن يُمسح.

لأن القضية الإريترية لا تكتمل بدون استرداد كرامة هؤلاء، ولا حرية تُبنى على أشلاء اللاجئين المنسيين.

الخلاصة التي لا تحتاج إلى مجاملة:

من يخاف من الحديث عن جريمة التسليم،

من يخجل من مواجهة إثيوبيا،

من لا يرى في حماية اللاجئين الإريتريين أولوية،

ليس جديراً بقيادة المعركة ضد الديكتاتورية.

هؤلاء اللاجئون هم جسد الوطن الممزق،

وإن تركناهم يموتون بصمت،

فلا فرق بينا وبين الجلاد.

كل ما ذكرته سابقاً ليس تأويلاً أو رأياً. هذه الحقائق موثقة في تقارير HRCE، UNHCR، OHCHR، HRW، وAl Jazeera، مع شهادات حية من اللاجئين في المنفى .

المنفي رقم ٢٤

مجرّد صوت في العتمة

لكنه لن يصمت

Exit mobile version