في ذكري ميلاده الثمانين أفورقي صانع الحروب وخصيم السلام

رصد اريتريا | الكاتب : إبراهيم حالي 

القائد المسخ والرئيس المحنط شكلاً وخطاباً ومضموناً

في ذكري ميلاده المشؤوم الذي يصادف هذه الأيام ،يُقال إنه وُلد في قرية نائية في ضواحي العاصمة، تتكوّن من بيوت بدائية البناء تُسمّى «ظلوت»، وتعني الصلاة. ووفق روايات القدماء، سُمّيت بهذا الاسم لكثرة صلوات أهلها ليل نهار كي لا يُطرَدوا منها، كما طُردوا سابقاً من المدينة بعد اكتشاف أنهم وافدين .

وُلد وسط تسعةٍ من الإخوة، ولا يُعرف ترتيبه بينهم، غير أنه كان صاحب نصيب الأسد من كل شيء، يأخذه بوضع اليد، ويُشعل البيت حرباً  ما لم يحصل عليه.

النشأة الاولي وبذور الحقد .

أُرسل إلى جدّته، صاحبة «خمّارة» تقع في حي شعبي في قاع المدينة تفادياً لمشاكله، فنشأ هناك صبياً يعمل في تقديم الخمور البلدية للزبائن في أوقات فراغه بعد الدراسة.

كان ينظر إلى الزبائن بعيون صامتة ووجهٍ بلا ملامح، ومعظمهم من أثرياء المدينة، فامتلأ قلبه بحقدٍ طبقيٍّ دفين.

الدراسة والانخراط الملتبس في الثورة .

التحق بجامعة أديس أبابا بعد إكماله الثانوية، على نفقة عمّه، حاكم إقليم «ولو». ويذكر زملاؤه أنه لم يكن محبوباً ولا مؤتمناً، لذا لم يُستوعَب في خلايا الثورة الطلابية، ولم يعهد اليه  أي سر .

ثم فاجأ الجميع بالتحاقه بالثورة بعد عامين فقط من الدراسة الجامعية.

تباينت التفسيرات؛ فبعضهم رأى في ذلك هروباً من فشله في دراسة الهندسة، فيما ذهب آخرون إلى تكهّنات أبعد.

لم يطل مقامه في صفوف الثورة، إذ أُوفد إلى الصين للتدريب ضمن مجموعة. وحتى النظرة الصينية الثاقبة لم تُخطئ فهم  اختلافه عن البقية، وأنه لا يشبههم ولا يتشارك معهم الاهتمامات ذاتها.

من الانشقاق الي الاحتكار .

عاد ليُعيَّن مفوضاً سياسياً لسرية في جيش التحرير ، ثم اختير عضواً في القيادة العامة، قبل أن ينشق عن الجبهة مع نفر من بني جلدته، ويؤسس تنظيماً أسماه «قوات التحرير الشعبية».

لم يكن قائداً مخضرماً، ولا خطيباً مفوهاً كغيره من قادة الثورات في العالم. وحتى حين قرأ ورقة انشقاقه «نحن وأهدافنا»، لم يفعل ذلك بصوت جهوري كبيان ثوري أو مانيفستو سياسي، بل قرأها ببرود، كمن يزرع حقلاً من الألغام؛

يقوّض مسار الثورة ويفتح مساراً آخر مغلَّفاً بالثورية، منزوع الحرية، لا يعرف أهدافه إلا هو.

شخصية بلا كاريزما ..ولا انتماء.

المتتبع لمسيرة أسياس وشخصيته يجد فيها كثيراً من الغرابة والتناقض. فمنذ بداياته عُرف بالانعزال والانزواء، إلى حد اتهامه بالانطواء.

لكن الغريب أن سمات القادة الثوريين لم تظهر عليه حتى بعد اعتلائه القيادة.

فطيلة فترة نضاله وقيادته للثورة، لم يُعرف له خطابٌ حماسيٌّ عاطفيٌّ يعبّر فيه عن نفسه أو يرفع معنويات قواته ومؤيديه، كما فعل قادة ثوريون أمثال لينين وكاسترو ولومومبا.

على العكس، جاءت خطاباته ومقابلاته متحكَّماً فيها إلى حد الجمود، لا كمن يتحدث عن مسيرة انتصارات ونضالات ، بل كمن يسير في حقل ألغام، بل ويُقحم أحياناً مفردات تقلّل من شأن الفعل الثوري ذاته.

قال عنه رفاقه المقربين انه كان بارعاً في زرع الفتن بينهم كمن  لا يستطيع العيش في  في اجواء مستقرة في توائم .

الزعيم وسرقة المنجزات علناً.

عندما أصبح الأمين العام للتنظيم عام 1987، لم يستهل حديثه بالانتصارات أو الإنجازات، بل قال للمؤتمرين إن القيادة التي اختاروها «لم تفعل شيئاً».

وحين استهجن الحضور، تراجع قائلاً إنهم كانوا ينجزون المهام التي أوكلها إليهم.

كانت الرسالة واضحة:

أنا المفكّر الوحيد، وكل تلك  الإنجازات لا تُبهرني لأنها من تخطيطي.

وبهذا الدهاء، نجح في نسبة إنجازات التنظيم السياسية والعسكرية إلى نفسه، فصفقوا له وهو يسرق تضحياتهم جهاراً نهاراً.

القائد الغائب عن ميادين النصر .

ومن يتتبع خطاباته إبان الثورة لن يجد عبارات من قبيل «ثورتنا العظيمة»”أبطالنا الاشاوس”الخ.

ويُقال إنه حين كانت تحتدم المعارك، كان يغادر الميدان إلى مهام خارجية، وحين تصله أخبار الانتصارات، ينعزل مع قلة من حراسه، يسكر ويحتفل في ملاهي مقديشو أو ميلانو او باريس، لا مع رفاق السلاح.

وعندما يعود إلى الميدان بعد انتهاء المعارك، يعود بوجهٍ خالٍ من التعابير، ويقدّم تهاني باردة أقرب إلى التعزية منها إلى التهنئة.

دولة بلا شعب ..وشعب بلا قائد .

بعد التحرير، وخلال العقود الثلاثة الماضية، تابع كثيرون مقابلاته وخطاباته المتكررة والمتشابه حد الملل ،وعندما يأتي فيها ذكر مفردتي البلد – الشعب، علي شحها لا تجده اطلاقاً  يقول «شعبنا» أو «شعبي»، بل يستخدم دائماً صيغة «هذا الشعب»، وكذلك يستخدم صيغة  “هذا البلد “وكأنه لا ينتمي إليه او الي شعبه  كأنه يتحدث عن شعبٍ من كوكب آخر .

وفي نهاية كل خطاب تتساقط احرف شعار “النصر للجماهير ” بل روح من بين فكيه لا كجملة مليئة  بدلالات النصر والحماس بل كقطعٍ دامية من اشلاء جسدٍ ممزق تتساقط تحت قدميه ،

وحتي  في أوقات الحروب العصيبة التي يصنعها بنفسه، لا يكلّف نفسه عناء قول جملة واحدة يمجّد فيها هذا الشعب وتضحياته، تاركاً المهمة لآلته الإعلامية.

وفي بعض الانتصارات التي تحققت في الحرب الحدودية الأخيرة1998-2000 رغم قلتها ، وبعد استشهاد آلاف الشباب، لم يشارك الشعب فرحته، بل كان يعود  إلى عادته القديمة في السُّكر والمجون ، متنقلاً بين ملاهي أسمرا، وكأنه يحتفل بانتصارات شخصية أو بزيادة عدد من أضيفوا الي قائمة ضحايا عبثه  لا كمن يحتفل  بانتصارات  وطن .

القمع حين تصمت البنادق .

وحين تصمت البنادق ولا يجد من يقاتله، يبدأ بتسليط أجهزته الأمنية على الشعب ذاته، فتتنكّل به وتزجّ بأبنائه في سجون وأقبية تحت الأرض، لا يعلم بها إلا الله، وكأنهم جرذان.

ثم يظهر لاحقاً على شاشته الوحيدة، بعد عمليات تجميل يخضع لها لزمن طويل ، ليزوّر الحقائق:

فيُسمّي الهزائم انتصارات، والهروب انسحاباً استراتيجياً، ويصف كل من شهد الحقيقة بالعميل والخائن،وكأن الوطن ليس للجميع بل  حكراً عليه وحده  .

تدمير ممنهج .

إن ما حدث ويحدث في إرتريا خلال أكثر من ثلاثة عقود هو تدمير ممنهج للإنسان والبلاد، و متعمَّد مع سبق الإصرار والترصّد.

شخصية أسياس، كما يعكسها هذا المسار، شخصية نرجسية مريضة ، مصابة بعمى تجاه المستقبل  ، لا تعرف معني السلام ولا كيف تبني الامم ،لكنها بالتأكيد تمتلك أيادي مسمومة تغترف من قذارة تاريخ أباطرة الأحباش  التوسعيين، ولن تتوقف — في هذا التصوير — ما لم ترَ الدماء تسيل أنهاراً، وما لم تسكن قصراً مبنياً من جماجم الضحايا.

ومن شابه أباه ما ظلم .

Exit mobile version