المنفي رقم ٢٤ يكتب الان
في الرابع من يوليو، بينما كانت عواصم تحتفل بالاستقلال، كانت أسمرا تتوسل مجلس حقوق الإنسان كي يُعلن موتاً سياسياً صامتاً لواحد من أخطر ملفاتها: ملف الانتهاكات الحقوقية.
مشروع القرار الذي تقدّمت به الحكومة الإريترية لإلغاء ولاية المقرر الخاص، بدا لأول وهلة كتحرك بيروقراطي اعتيادي.
لكن من قرأ السطور جيداً، رأى شيئاً آخر:
محاولة يائسة لإغلاق النوافذ الأخيرة التي تطل منها الحقيقة.
أرادت أسمرا أن يُطفئ العالم مصابيح المراقبة، كي تعود غرف التعذيب للعمل في الظلام.
لكنها فشلت… مجدداً.
صفعة دبلوماسية في جنيف
بأغلبية واضحة:
– 25 دولة رفضت المشروع الإريتري
– 4 فقط أيدته (من بينها من لا تملك سجلاً نظيفاً أصلاً)
– و18 دولة آثرت الصمت وامتنعت
الرسالة واضحة:
“لا نصدقكم… وسنواصل مراقبتكم.”
مجلس حقوق الإنسان رفض الادعاءات الإريترية بأن “الوضع تحسن”، لأنه يعلم وكل المنفيين يعلمون أن “الوضع لم يتغير… فقط ازدادت قدرة النظام على إخفاء معالم الجريمة”.
أسمرا… عندما تكذب بالأرقام وتحتمي بالصمت
قال الوفد الإريتري في نص المشروع إن المشاكل “ليست منهجية، بل ناتجة عن ضعف قدرات الدولة”.
لكن تقرير المقرر الخاص، المستند إلى شهادات موثقة، وضع الوقائع كما هي:
• لا تزال الاعتقالات التعسفية مستمرة، دون تهم أو محاكمات.
• لا تزال الخدمة الوطنية القسرية تُستخدم كأداة قمع، بلا سقف زمني، ولا حقوق.
• لا تزال حرية الدين والتعبير مقموعة بقوة الأمن والرقابة والخوف.
أي تحسين يتحدثون عنه؟
أهو تحسين طريقة الإخفاء؟ أم تحسين هندسة الزنازين؟
الخدعة التي انكشفت
المفارقة السريالية أن الحكومة الإريترية برّرت إلغاء الولاية بأن المقرر “لم يزر البلاد”، وهو أمر صحيح… لكنها هي نفسها من منعه مراراً من الدخول.
كأنك تُخفي جثة ثم تحتج على أن الطبيب لم يعاينها شخصياً.
كان الهدف واضحاً : لا دخول للمحقق… ولا تقارير لاحقة… ولا قلق دبلوماسي.
لكن العالم لم يشترِ الكذبة.
الهروب من العدالة… لا يعني النجاة منها
في بيانها بعد التصويت، أعلنت الحكومة أنها “لن تتعاون ابداً مع المقرر الخاص”، وكأنها تعلن أن المساءلة ليست خياراً سياسياً، بل عدواً ينبغي قصفه.
وهذا بالضبط ما جعل مجلس حقوق الإنسان يُمدد الولاية لعام آخر:
لأن النظام يرفض التعاون
ولأن الانتهاكات موثقة
ولأن الضحايا لم يتوقفوا عن الصراخ
الناجون في المنفى… لم يصمتوا
منظمات حقوقية، وشبكات من المنفيين، وناشطون في الداخل والخارج، شنّوا حملة منذ مايو 2025 طالبوا فيها المجتمع الدولي بعدم الانخداع.
كان صوتهم صادقاً … بينما كانت أصوات الوفد الإريتري جوفاء.
وكان لهم ما أرادوا.
الرسالة الأقوى: لا إغلاق قبل المحاسبة
الرسالة التي خرجت من جنيف ليست دبلوماسية ولا رمزية.
هي إعلان رسمي بأن العالم يرى… ويسجّل… وينتظر.
انتظار لحظة عدالة.
أو لحظة انهيار.
أو لحظة شجاعة من الداخل تُسقط النظام الذي بُني على القهر وتغطية الجرائم بأوراق السيادة.
