اعداد رصد إريتريا | بروكسل / زفوله – 3 نوفمبر 2025
بدأت في هولندا واحدة من أكبر المحاكمات المتعلقة بالاتجار بالبشر في تاريخ أوروبا، حيث يمثل أمام القضاء الإريتري المشتبه به تولدي غويتوم المعروف باسم “وليد”، بتهم قيادة شبكة إجرامية قامت باحتجاز وتعذيب وابتزاز لاجئين إريتريين في ليبيا.
وتُعد القضية من أبرز الملفات التي تُسلّط الضوء على مأساة اللاجئين الإريتريين خلال العقد الماضي، وما تعرضوا له من جرائم وحشية على أيدي شبكات التهريب التي امتدت من إريتريا إلى ليبيا عبر السودان وإثيوبيا.
خلفية القضية
وفقًا لتقرير البرنامج الأوروبي الخارجي مع إفريقيا (EEPA) الصادر في 3 نوفمبر 2025، بدأت الجلسات الجوهرية في مدينة زفوله (Zwolle) الهولندية، وسط حضور إعلامي وحقوقي واسع.
يُتهم وليد بأنه كان زعيم شبكة تهريب مسؤولة عن احتجاز وتعذيب واغتصاب وابتزاز مئات اللاجئين الإريتريين في مدينة بني وليد الليبية، وهي إحدى النقاط الأكثر شهرة في طرق تهريب البشر عبر الصحراء نحو البحر المتوسط.
ملف القضية يتضمن أكثر من 25 ألف صفحة من الأدلة والشهادات، ويُعد من أضخم القضايا التي تنظر فيها المحاكم الأوروبية في مجال الاتجار بالبشر مقابل الفدية.
تم اعتقال وليد والمتهم الآخر كيداني زكرياس هبتي ماريام في إثيوبيا عام 2020. وفي عام 2023، تم تسليم وليد إلى هولندا، بينما حوكم كيدان في الإمارات العربية المتحدة بتهم غسل الأموال.
وطلب الادعاء الهولندي مثول كيداني كشاهد قبل 17 نوفمبر الجاري.
الدفاع الأولي ومحاور الجلسة الأولى
بدأت المحاكمة بمرافعة أولية من فريق الدفاع الذي طالب المحكمة بإبطال لائحة الاتهام استنادًا إلى ثلاث نقاط قانونية:
1. مبدأ “عدم المحاكمة مرتين” (ne bis in idem):
زعم الدفاع أن وليد حوكم مسبقًا في إثيوبيا على الجرائم نفسها، لكن الادعاء أوضح أن القضية الهولندية تتعلق بضحايا مختلفين، فرفضت المحكمة الطعن.
2. خرق مبدأ التخصص في التسليم (Specialty):
أشار الدفاع إلى أن تهمة غسل الأموال لم تُدرج ضمن طلب التسليم من إثيوبيا. وافقت المحكمة على ذلك، واعتبرت التهم المتعلقة بغسل الأموال غير مقبولة.
3. الاختصاص القضائي الإقليمي (Jurisdiction):
جادل الدفاع بأن الجرائم وقعت في ليبيا ولا تمت لهولندا بصلة، غير أن الادعاء قدم أدلة على وجود روابط مباشرة مع الأراضي الهولندية، مثل شهادات ضحايا مقيمين فيها وتلقي الأموال عبر وسطاء هناك.
ورأت المحكمة أن النقاش حول الاختصاص ما يزال مبكرًا وستُقيّمه لاحقًا أثناء المرافعات التفصيلية.
كما أقرت المحكمة وجود عيوب شكلية طفيفة في لائحة الاتهام دون أن تؤثر على سير القضية، مؤكدة أن المحاكمة ستستمر في مرحلتها الموضوعية.
هوية وليد موضع نزاع
نفى المتهم أمام المحكمة أن يكون هو الشخص المعروف باسم “وليد” الذي ارتكب الجرائم في بني وليد، وادعى أن اسمه الحقيقي DKY.
إلا أن القاضي استعرض أدلة متعددة تشير إلى أن المتهم هو بالفعل الزعيم الإريتري المطلوب:
• حسابات فيسبوك باسم Walid Boss وAli Boss أظهرت نشاطًا بالقرب من بني وليد.
• تواصل موثق بينه وبين كيداني زكرياس، حيث أرسل له الأخير صورة لجواز سفر مزيف، هو ذاته الذي اعتُقل به وليد لاحقًا.
• الجواز المزيف يحتوي على تأشيرة إلى ليبيا، رغم نفيه السفر إليها.
• اعترف المتهم سابقًا بأنه يظهر في صور عرضتها المحكمة، من بينها صورة وهو يحمل حزام ذخيرة وسلاحًا نصف آليًا.
• شهود عيان أكدوا أنه هو الشخص المعروف باسم “وليد”، قائد شبكة التعذيب في بني وليد.
• تسجيلات هاتفية تُظهر أن له عدة أسماء مستعارة.
• وتم اعتراض طلب سابق للحصول على رخصة قيادة إريترية مزيفة في أوغندا باسم “DKY”.
خلصت المحكمة إلى أن الاسم الحقيقي للمتهم لا يمكن التثبت منه بسبب تعدد الهويات، لكنها اعتبرت أن الأدلة تشير بوضوح إلى أنه الشخص المعروف بـ“وليد”، وأنه استخدم جوازاً مزيفاً باسم أمانويل غبري يسوس نقاش.
شهادات صادمة من ناجين
استمعت المحكمة إلى ثلاثة شهود وصلوا إلى مدينة ميسينا الإيطالية عام 2018 بعد رحلة لجوء مرعبة.
بينهم فتاة إريترية تبلغ من العمر 15 عامًا روت كيف احتُجزت في بني وليد لمدة سبعة أشهر، وتعرضت للضرب والتهديد، وشهدت على اختطاف نساء وفتيات بأوامر مباشرة من وليد.
شهود آخرون وصفوا وليد بأنه “الأسوأ على الإطلاق”، متهمين إياه بالتعذيب والابتزاز والاغتصاب.
مظاهرات أمام المحكمة
تزامناً مع بدء الجلسات، نظم عدد من أفراد الجالية الإريترية في هولندا، خصوصًا النساء، اعتصامًا سلميًا أمام المحكمة في مدينة زفوله، طالبوا خلاله بإنهاء الشبكات الإجرامية التي تتاجر باللاجئين الإريتريين.
العديد من النساء المشاركات أكدن أن لهن أقارب ما زالوا محتجزين في ليبيا مقابل فدية، وعرضن مقاطع فيديو تظهر الانتهاكات التي تعرضوا لها.
كما دعا المتظاهرون إلى وقف القمع العابر للحدود الذي يمارسه النظام الإريتري ضد معارضيه في الشتات، مؤكدين أن الخوف ما يزال يلاحق الإريتريين حتى في أوروبا بسبب أذرع النظام وأجهزته الأمنية.
دلالات القضية وأهميتها
تُعد محاكمة وليد سابقة قضائية في أوروبا، إذ تمثل أول مرة يُحاكم فيها مهرب من أصل إريتري بهذه التهم الخطيرة أمام محكمة غربية.
وتبرز القضية الترابط بين الاتجار بالبشر والقمع السياسي في إريتريا، حيث يستغل المهربون حالة الانغلاق والقمع وهروب الشباب لابتزازهم على طول الطريق حتى ليبيا.
يشير مراقبون إلى أن هذه المحاكمة قد تفتح الباب أمام محاسبة دولية لشبكات التهريب العابرة للحدود، وربما تكشف عن صلات بين بعض المهربين وأجهزة النظام الإريتري التي تغض الطرف عن عملياتهم أو تستفيد منها.
خاتمة تحليلية
ترى رصد إريتريا أن محاكمة وليد تمثل منعطفاً قانونياً وإنسانياً في مسار العدالة لضحايا الاتجار بالبشر من الإريتريين، بعد سنوات من الإفلات من العقاب.
إنها ايضاً إدانة ضمنية للنظام الإريتري الذي أجبر آلاف الشباب على الهرب من التجنيد القسري والبطالة والقمع، ليقعوا ضحايا لشبكات التهريب نفسها التي تغذت على معاناتهم.
القضية لا تخص وليد وحده، بل تمثل مرآة لما تعانيه إريتريا الحديثة من انهيار منظومة الدولة والقانون، وتحوّلها إلى بيئة طاردة لشعبها، حيث يتحول الأمل في اللجوء إلى رحلة موت وابتزاز في الصحراء والبحر.
تتابع رصد إريتريا مجريات هذه المحاكمة بدقة، وستنشر مستجداتها تباعًا لتوثيق كل ما يتعلق بالعدالة للضحايا الإريتريين ومساءلة المسؤولين عن معاناتهم، سواء كانوا مهربين أو متواطئين في النظام.
المصدر: Europe External Programme with Africa (EEPA), Situation Report No. 674 – 3 November 2025
📧 info@eepa.be
