المنفي رقم ٢٤ يكتب
كان يوم الاستقلال في إريتريا يعني شيئاً واضحاً.
علم يرفرف في سماء حمراء.
أهازيج تمتد من البحر إلى الصحراء.
نساء يزغردن، وأطفال يرسمون على وجوههم الجمل، وكبار السن يرفعون صور الشهداء إلى السماء.
كان ذلك في يومٍ ما، قبل أن تنقرض الدهشة وتتحول الزغاريد إلى صدى في الفراغ.
أما اليوم… فالأمر معقّد.
اليوم سأكون مكان القارئ
اقول
لا أفهم نفسي.
هل أفرح؟ هل أصمت؟ هل أهرب من الإنترنت حتى تمر العاصفة الوطنية؟
أم أكتب، على طريقتي، على طريقتنا نحن الذين لا نعرف أين نضع قلوبنا حين تُعزَف الأناشيد؟
أنا المنفي رقم ٢٤.
لا رقم لي في السجلات. لا صفحة باسمي في أرشيف الدولة.
لكني كنت هناك. كنت في “الانتظار”.
انتظار أن يعود الوطن حراً كما غنينا له، لا كما قُمعنا باسمه.
أكتب إليك، أيها القارئ الإريتري، وأنت تفرك عينيك كل 24 مايو:
هل نحتفل بالنصر؟ أم نحدّق في جثة الحلم؟
هل نبتسم للعلم؟ أم نغضب لأنه صار وشاحاً يُلف به المعتقلون؟
وأكتب إليك، أيها القارئ غير الإريتري:
إذا وجدت شعباً يُجادل في معنى استقلاله، فلا تحكم عليه.
اسأله: من سرق انتصاره؟
من بدّل دماء شهدائه بملصقات حزبية؟
من صادر حريته باسم تحريره؟
دعني أروي لك مشهداً صغيراً:
في أحد أحياء المهجر، رفعت جالية إريترية العلم وبدأت الرقصات.
شاب بجانبهم يبكي، بصوت مكتوم.
سألته فتاة بجانبه: “لماذا تبكي؟”
قال:
“لأن أمي ماتت في سجنٍ تحت الأرض،
وأختي خُطفت من معسكر ساوا،
ولأن هذا العلم نفسه كان على كتف الجندي الذي كسر أضلاع أبي.”
هكذا نحن.
بعضنا يرقص، وبعضنا يبكي، وبعضنا يلتقط الصور ليبدو طبيعياً،
وبعضنا يكتب كمن يتقيأ مرارًا قديماً لم يجرؤ على لمسه منذ سنين.
هناك من يحتفل لأن الاستقلال يعني له الأرض، التراب، الجدات اللواتي صنعن القهوة على جمر الحرب.
وهناك من لا يحتفل، لأن الوطن عنده ليس التراب، بل الكرامة.
لا يعنيه العلم، إن لم يكن يحميه من السجن.
ولا يعنيه النشيد، إن كان يهتف به ظالمٌ في المنصة.
أنا لا ألوم من يفرح، ولا من يلعن.
لكنني أريد أن أفهم:
كيف وصلنا إلى لحظةٍ صرنا فيها نحتاج إلى “إذن نفسي” لنشعر؟
كيف صار الوطني يشك في وطنيته؟
كيف صار الرمز الذي قاتلنا من أجله سلاحاً ضدنا؟
المنفى لا يبدأ حين تعبر الحدود.
المنفى يبدأ حين تُسحب منك القدرة على الفرح.
حين لا تعرف كيف تبكي ولا متى تضحك.
حين يُختطف الوطن من داخلك، ويبقى جسدك حياً لا يعرف لمن ينتمي.
لا تكتب لي تعليقاً تقول فيه: “لكننا ضحينا”.
نعم، ضحينا.
لكن من سرق ثمرة التضحيات؟
من استبدل برلمان الثورة بخطاب الأحد؟
من جعلنا نخاف من بعضنا، ومن أغانينا، ومن صورنا القديمة؟
في يوم الاستقلال، لا تسألني لماذا لا أحتفل.
اسألني:
من علّمني أن أخجل من دمعة،
ومن علّمني أن أخجل من ابتسامة؟
أنا المنفي رقم ٢٤.
لا أنتمي لأي فصيل، ولا أبيع الوهم باسم التحرير.
أكتب لأن الكتابة آخر ما تبقى من الوطن.
أكتب كي لا أُجن حين أسمع صوت “زينا زبلنا” وأرتجف.
لا فرحاً، بل حنيناً إلى معنى، إلى كرامة، إلى لحظة لم نعشها أبداً.
احتفل، أو لا تحتفل.
ارقص، أو تظاهر.
لكن لا تسكت.
لأن الصمت هو ما يجعل اللص يعتقد أن غنيمته كانت شرعية.
هل نحتفل؟ أم نعتذر؟
ربما نفعل الأمرين.
لكننا، بالتأكيد، لا ننسى.
انتهى
حقوق النشر والحقوق الأدبية محفوظة لصالح شبكة رصد إريتريا الإخبارية.
يحظر التعديل دون إذن خطي مسبق من إدارة الشبكة.
تحتفظ الشبكة بحق اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي انتهاك يعرض العمل للتشويه أو الاستخدام غير المشروع .
