المنفي رقم ٢٤ يكتب
24 مايو يقترب.
يُرفع العلم، وتعلو الأغاني، وتُبث الخطب الطويلة المكررة على شاشة رسمية وحيدة.
تتشابه الصور. تتكرر الوجوه. وتتوارى الحقيقة خلف الألوان واللافتات.
لكنّي، أنا المنفي رقم ٢٤، لا أحتفل.
ليس لأنني ضد الاستقلال…
بل لأنني أرفض أن أصفق لسرقة تضحياتنا.
نحن لا نعاني مشكلة مع فكرة الاستقلال،
بل مع من اختطفوا المعنى، وسرقوا الحلم، واحتكروا النصر.
نعم، إريتريا تحررت من الاحتلال…
لكنها لم تتحرر من القمع.
نعم، رفرف علمنا فوق الأمم…
لكن أرواحنا ما زالت مكبلة بقيود الخوف.
نعم، خرج المستعمر…
لكن الطغيان بقي، ولبس ثيابًا محلية، ونصب نفسه وصيًّا على دم الشهداء.
أُجبرنا على الاحتفال،
لكن لا أحد أجبرنا على الإحساس.
كلما اقترب يوم 24 مايو، أتساءل:
أولئك الذين صعدوا الجبال، وسكنوا الخنادق
هل ضحّوا بحياتهم من أجل أن يُذَلّ أبناؤهم؟
أن يُساق الشباب إلى معسكرات العمر؟
أن يُحكم الوطن ببيان عسكري أبدي؟
أيها السادة، لسنا جاحدين، بل موجوعون.
لا نرفض الاستقلال، بل نرفض أن نكون عبيداً تحت رايته.
الذين ماتوا، ماتوا من أجل أن ينعم الشعب بالحرية…
لا من أجل أن يتسلّط عليه جنرال مدى الحياة.
الذين قاتلوا، قاتلوا من أجل عدالة توزّع بالتساوي…
لا نعرف هل هي جمهوريه ام ديموقراطيه ام شوعية ام دوله ليس لها اسم تُعرف فقط باسم دولة إريتريا
دولة تخنق الصحافة، وتسجن الرأي، وتغلق الأفق.
نعم، الاستقلال الحقيقي ليس رفع علم،
بل رفع الظلم.
ليس إطلاق الألعاب النارية،
بل إطلاق سراح المعتقلين.
ليس ملء الشوارع بالاحتفالات،
بل ملء البيوت بالكرامة.
أنا المنفي رقم ٢٤.
أكتب هذا من مكان بعيد… لكنه أقرب إلى الحقيقة من كل أبواق الدولة.
أكتب وأنا أتخيل وجوه أصدقائي الذين ماتوا في الحرب،
أتساءل لو عادوا الآن… هل كانوا سيشعرون بالفخر؟
أم سيشعرون بالخيانة؟
هذا الوطن لا يزال يستحق الحب،
لكن لا أحد يستطيع أن يحبّ وهو مكسور.
إريتريا لا تزال جميلة،
لكنها لا تستحق أن يحكمها الخوف.
في يوم 24 مايو…
ارفع علمك إن شئت.
لكن لا تنسَ أن ترفع صوتك.
ارقص في الساحة إن أردت،
لكن لا تطفئ أسئلتك داخلك.
لأن الاستقلال الحقيقي لا يُحتفل به فقط،
بل يُستكمل… ويُنتزع… ويُصحَّح.
سيأتي يوم يحتفل فيه الناس في أسمرا وكرن وعصب ومصوع
ليس فقط بخروج المحتل، بل بخروج الخوف أيضاً.
سيأتي يوم يُكتب فيه التاريخ كما كان، لا كما أُمرنا به.
وسيعرف الأطفال يوماً أن الاستقلال كان مجرد بداية…
وأن الحرية هي الجائزة التي لا نزال نقاتل من أجلها.
أنا المنفي رقم ٢٤.
ولن أحتفل… حتى يتحرر الوطن من أبنائه الذين خانوه .
