عصَب… الميناء الذي يكشف خرافة القوة ويُعرّي وهم البحر

رصد اريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب…
هناك مدن لا تُقاس بمساحتها، ولا تُعرّف بخطوط عرضها، بل تُقاس بما تمثّله في الوعي الجمعي للأمم.
وعصَب واحدة من تلك المدن… مدينة صغيرة بحجمها، كبيرة بموقعها، أثقل من كل المرافئ التي يحاولون إعادة رسمها بخيال سياسي مُرهق ومضلِّل.
منذ واحد وعشرين عاماً، حُسمت الحدود الدولية بين إريتريا وإثيوبيا بقرارٍ مُلزم صادر عن محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي.
قرارٌ لا يحمل احتمالات ولا يترك مساحات رمادية:
عصَب جزءٌ من الأراضي السيادية لدولة عضو بالأمم المتحدة اسمها إريتريا.
هذه ليست جملة سياسية… بل وثيقة قانونية مغلّفة بختم دولي.
ورغم ذلك، تأتي إثيوبيا الدولة المحاصرة برّياً والباحثة عن منفذ بحري لتطالب بميناءٍ يقع داخل حدود دولة أخرى، وكأن القانون الدولي لعبة هوائية يمكن إعادة نفخها حسب مزاج السياسيين، أو حسب خطورة الأزمة الداخلية في أديس أبابا.
لكن الحقيقة أوضح من أن تغطّى:
لا دولة في العالم تستطيع قانونياً المطالبة بميناء داخل حدود دولة أخرى،
إلا بثلاث طرق لا رابع لها:
- اتفاق ثنائي.
- تنازل رسمي من الدولة المالكة.
- احتلال بالقوة. وهو عمل محظور ومُجرّم بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ولا يمكن لأي دولة أن تمنحه شرعية.
إثيوبيا لا تملك اتفاقاً… ولا تملك تنازلاً… ولا تملك القدرة ولا الجرأة على الدخول في صدام عسكري واسع مع إريتريا.
وما تبقى هو خطاب داخلي، يُلقى ليلاً على جماهير متعبة تُريد سماع أي شيء يفتح نافذة نحو البحر.
ثم يظهر لاعبون آخرون في المشهد: أمريكا، فرنسا، إيطاليا.
دول تتحدث عن “مساعدة إثيوبيا في استعادة سيادتها على البحر الأحمر”.
لكن السؤال البسيط الذي يكسر كل هذه الأكاذيب هو:
كيف تستعيد دولة سيادة على منطقة ليست جزءاً من أراضيها أصلاً؟
الجواب… لا يوجد.
لأن كل ما يُقال مجرد بروباغاندا جيوسياسية، تلعب فيها الدول الكبرى على أوتار هشاشة القرن الإفريقي.
ولو كانت هذه الدول صادقة، لأشارت إلى الخريطة قبل التصريح.
لكنهم يعرفون قبل غيرهم أن عصَب ملكٌ إريتري خالص، وأن أي محاولة لتغيير وضعها القانوني تعني فتح باب شرّ على المنطقة كلها.
القانون الدولي يمنع “الادعاءات الإقليمية عبر طرف ثالث”.
لا تستطيع إثيوبيا أن تطلب من أميركا أو فرنسا أو إيطاليا أن “تنتزع لها” ميناءً.
هذه ليست صفقة سلاح.
هذه ليست مذكرة تفاهم.
هذه حدود… والخطأ فيها يشبه إشعال الغابة من جذورها.
ثم إن السوابق القانونية واضحة:
• الأمم المتحدة تعترف بحدود إريتريا بما فيها عصَب.
• الاتحاد الإفريقي يؤكد مبدأ الحدود الموروثة.
• محكمة لاهاي أصدرت حُكماً نهائياً غير قابل للطعن.
ومع كل هذه الحقائق، يخرج مسؤول إثيوبي ليقول: “البحر حقنا”.
أقول له:
الحق لا يُنتزع بالصوت… بل بالوثيقة.
والوثيقة ليست في جيبك، بل في جيب الأمم المتحدة.
إثيوبيا حرّة أن تبحث عن دعم سياسي أو أمني.
حرّة أن توقّع اتفاقيات بحرية.
حرّة أن تستقبل ضباطاً من “أفريكوم” أو جنرالات إيطاليين.
لكنها ليست حرّة لا قانوناً ولا تاريخاً ولا واقعاً أن تطلب من العالم إعادة رسم الحدود نيابة عنها.
أما الدول الأوروبية التي تحاول اللعب على الحبلين… فهي تعرف أن أي اعتراف بدعوى كهذه سيشكل سابقة تهزّ إفريقيا من شمالها إلى جنوبها.
فإذا مُنحت إثيوبيا ميناءً من خارج حدودها، فغداً ستطالب دول أخرى بأقاليم ليست لها.
والخرائط ستتحول إلى سكاكين.
المنطقة ليست بحاجة إلى حرب جديدة،
ولا إلى سباق بحري،
ولا إلى إعادة إنتاج أزمة 1998 بحجم مضاعف.
عصَب ليست موضوعاً للنقاش.
ليست وثيقة ضغط.
ليست مشروع حلم بحري لدولة تبحث عن منفذ.
عصَب سيادة إريترية، والحديث عن غير ذلك ليس تحليلاًً سياسيًا… بل هذيان جغرافي.
في النهاية، الخريطة لا تُكتب بالتمنيات.
الخريطة تُكتب حيث يقف الحق… لا حيث يرتفع الصوت.
المنفي رقم ٢٤
الصوت الذي يذكّرهم أن البحر لا يبيع نفسه… حتى لو اشتهته الجغرافيا.
هذا المادة تعكس وجهة نظر الكاتب، ويسعى لرصد الواقع السياسي في اريتريا و اثيوبيا كما يراه من الخارج، دون أن يُلزم المنصة بمضمونه.
