
رصد إريتريا | تقرير
فاز منتخب إريتريا على منتخب إسواتيني بنتيجة 2-0 في مباراة الذهاب بالدور التمهيدي لتصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، والتي أُقيمت يوم الأربعاء 25 مارس 2026 في مدينة مكناس بالمغرب.
وسجل هدفي الفوز سييم أيوب ابرها في الدقيقة 81، وعلي سليمان في الوقت بدل الضائع (4+90)، في مباراة مثّلت عودة رسمية للمنتخب إلى المنافسات القارية بعد سنوات من الغياب.
في الدقائق الأخيرة من المباراة، حين سجل منتخب إريتريا هدفه الثاني في شباك إسواتيني, بدا المشهد ظاهرياً كعودة رياضية طال انتظارها.
لكن هذه العودة، في سياق إريتريا تحديداً، لا تُقرأ بوصفها نتيجة على لوحة، بل بوصفها عودة ملف كامل إلى السطح: ملف ارتبط فيه المنتخب, لسنوات, بظاهرة نادرة في كرة القدم الدولية لاعبون يسافرون للمشاركة… ثم لا يعودون.
حين تحولت الرحلات الكروية إلى مسارات لطلب اللجوء خارج البلاد
لم تكن حوادث لجوء لاعبي المنتخب الإريتري استثناءً عابراً، بل تكررت عبر أكثر من محطة زمنية وجغرافية، إلى حد جعلها نمطًا يمكن تتبعه.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يقارب 80 لاعباً ومدرباً اريترياً انشقوا خلال مشاركات خارجية، مستغلين السفر للتقدم بطلبات لجوء.
في حالات موثقة، اختفى لاعبون عقب وصولهم إلى دول مثل كينيا وأوغندا، قبل أن يظهروا لاحقًا ضمن ملفات الحماية الدولية.
هذه الوقائع لم تكن مجرد قصص فردية، بل تحولت إلى مؤشر متكرر على وجود دافع يتجاوز الرياضة.
في هذا السياق، لم تعد المباريات مجرد منافسة، بل أصبحت في بعض اللحظات نقطة عبور بين واقعين مختلفين تمامًا.
ما الذي تقوله التقارير الحقوقية: قراءة في الأسباب العميقة وراء الظاهرة
تربط تقارير هيومن رايتس ووتش هذه الظاهرة بجملة من العوامل البنيوية داخل البلاد، من بينها ما تصفه بـ”الخدمة الوطنية غير محددة المدة”، والتي قد تمتد لسنوات طويلة، إلى جانب القيود المفروضة على حرية التنقل.
أما العفو الدولية، فتشير في تقاريرها إلى أن البيئة العامة في إريتريا تتسم بدرجة عالية من الانغلاق، مع محدودية في الحريات المدنية والفرص الاقتصادية، وهو ما يدفع بعض الشباب إلى البحث عن مسارات للخروج عندما تتاح لهم الفرصة.
ضمن هذا الإطار، يصبح اللاعب الإريتري، رغم صفته الرياضية، جزءًا من واقع أوسع.
فهو لا يتحرك فقط داخل الملعب، بل داخل منظومة اجتماعية وسياسية تؤثر بشكل مباشر على خياراته.
وبالتالي، فإن اللجوء في هذه الحالات لا يُفهم كقرار مفاجئ، بل كامتداد لسياق طويل من الضغوط.
الغياب الطويل عن المنافسات: قرار رياضي أم إدارة سياسية للمخاطر؟
لم تعلن السلطات الإريترية تفسيراً تفصيلياً لغياب المنتخب عن التصفيات القارية لسنوات.
لكن في ضوء الوقائع المتكررة، بدا أن المشاركة نفسها أصبحت تحمل مخاطر غير رياضية.
فكل مشاركة خارجية كانت تفتح احتمال فقدان لاعبين.
ومع تكرار هذه الحوادث، لم يعد السؤال: هل سيفوز الفريق؟
بل: هل سيعود بكامل تشكيلته؟
في هذا السياق، يمكن قراءة الغياب الطويل كنوع من إدارة المخاطر السياسية عبر قرار رياضي، حيث يتم تقليل الاحتكاك الخارجي لتفادي سيناريوهات يصعب التحكم بها.
هذا التداخل بين القرار الرياضي والحسابات السياسية يعكس طبيعة الحالة الإريترية، حيث لا تعمل الرياضة بمعزل عن السياق العام.
إعادة تشكيل المنتخب عبر لاعبي الشتات: حل رياضي أم معالجة غير مباشرة للأزمة؟
المنتخب الذي عاد في 2026 لا يعتمد بالدرجة الأولى على لاعبين من الداخل، بل على مجموعة واسعة من اللاعبين المقيمين خارج البلاد.
هذا التحول يعكس إدراكًا ضمنيًا لطبيعة المشكلة.
فاللاعب الذي يعيش خارج إريتريا لا يواجه القيود نفسها، ولا يملك الدوافع ذاتها التي دفعت سابقًا إلى طلب اللجوء.
وبالتالي، فإن الاعتماد على الشتات لا يحل المشكلة بقدر ما يتجاوزها عمليًا.
كما أن تعيين المدرب هشام يكن يأتي في إطار محاولة إعادة تقديم المنتخب ككيان رياضي منضبط، قادر على المنافسة دون أن يكون محاطًا بذات المخاطر السابقة.
لكن هذا الحل، رغم فعاليته على المدى القصير، يطرح تساؤلات حول استدامته، خاصة فيما يتعلق ببناء قاعدة كروية داخلية.
بين تقليل المخاطر واستمرار الأسباب الجذرية
من منظور حقوقي، لا يبدو أن العوامل التي دفعت سابقًا إلى طلب اللجوء قد شهدت تحولًا جذريًا، وفق ما تشير إليه تقارير هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية.
فالخدمة العسكرية طويلة الأمد، والقيود على التنقل، لا تزال جزءًا من توصيف هذه المنظمات للوضع داخل البلاد.
وهذا يعني أن الدوافع الأصلية وإن لم تعد تنعكس بنفس الحدة داخل المنتخب الحالي لا تزال قائمة على مستوى أوسع.
بالتالي، فإن ما حدث يمكن قراءته كـ: إدارة للنتائج… دون معالجة للأسباب وهو ما يجعل الحديث عن “انتهاء الظاهرة” سابقًا لأوانه من منظور حقوقي.
الرياضة كأداة ضبط وليس فقط كأداة تمثيل
سياسياً، تعكس عودة المنتخب تحوّلًا في طريقة التعامل مع الملف، لا بالضرورة في جوهره.
بدل تقليل المشاركة لتفادي الانشقاقات، تم اختيار نموذج مختلف:
• تقليل المخاطر عبر اختيار اللاعبين
• إعادة الانخراط الخارجي بشكل محسوب
• تقديم صورة أكثر استقرارًا للمؤسسة الرياضية
هذا التحول يمكن فهمه ضمن سياق أوسع، حيث تسعى الدول خاصة تلك التي تواجه انتقادات حقوقية إلى استخدام الرياضة كأداة لإعادة التموضع دوليًا.
لكن في الحالة الإريترية، تبقى هذه الاستراتيجية محكومة بعامل أساسي: مدى قدرتها على الصمود إذا ما عادت الضغوط التي أدت سابقًا إلى الانشقاقات.
هل هناك ضمان حقيقي لعدم تكرار الظاهرة؟
حتى الآن، لا يوجد ما يمكن اعتباره ضمانًا كاملاً. الذي تغير هو مستوى المخاطرة، لا طبيعتها. فالاعتماد على لاعبي الخارج، وتنظيم السفر، وتقليل التعرض لبيئات معينة كلها عوامل تحد من احتمالية الهروب.لكنها لا تلغيها.
لأن الضمان الحقيقي من منظور تحليلي يرتبط بتغير الظروف التي تدفع إلى اتخاذ قرار اللجوء، لا فقط بتغيير من يُتاح له اتخاذ هذا القرار.
عودة إلى الملعب… دون مغادرة الأسئلة
عودة منتخب إريتريا تمثل، بلا شك، لحظة مهمة في مساره الرياضي.
لكنها في الوقت نفسه تعيد طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة.
هل نجح المنتخب في تجاوز أزمته… أم في الالتفاف عليها؟
هل يمكن فصل كرة القدم عن سياقها السياسي في هذه الحالة؟
وهل ما نشهده هو بداية استقرار… أم مرحلة انتقالية؟
في النتيجة، عاد المنتخب.
لكن القصة التي يحملها معه بكل أبعادها الحقوقية والسياسية لا تزال مفتوحة .



