أخبار اريترياإثيوبيااريترياالقرن الأفريقيتقارير
أخر الأخبار

إريتريا ترد على العقيدة البحرية الإثيوبية: السيادة ليست قابلة للتفاوض

رصد إريتريا | تقرير

في خضم تصاعد الجدل الإقليمي حول مستقبل الوصول إلى البحر في القرن الإفريقي، أصدرت وزارة الخارجية الإريترية بيانًا مطولًا يعكس موقفها الرسمي من الطروحات المتزايدة بشأن ما يُعرف بـ”الضرورة البحرية الإثيوبية”.

البيان، الذي جاء ردًا على مقال نشرته مجلة Horn Review منتصف أبريل الماضي، يهاجم ما تصفه أسمرة بـ”الطرح المضلل”، معتبرًا أن هذه السردية لا تمثل تحليلًا استراتيجيًا محايدًا، بل محاولة لإعادة تعريف قواعد السيادة في منطقة القرن الإفريقي.

إعادة صياغة الجغرافيا كقضية سياسية

ترى إريتريا أن الطرح الإثيوبي يحاول تحويل واقع جغرافي — كون إثيوبيا دولة حبيسة — إلى ما يشبه “مظلومية استراتيجية”، يتم توظيفها سياسيًا لتبرير مطالب تتجاوز حدود القانون الدولي.

ففي قلب هذا الطرح، يتم تصوير غياب المنفذ البحري كـ”ظلم هيكلي”، بينما يُعاد تقديم الوصول إلى البحر كحق سيادي يجب تحقيقه، وليس كمسألة ترتبط باتفاقيات تجارية وتنظيمات دولية قائمة.

وبحسب البيان، فإن هذه المقاربة “ليست بريئة”، بل تهدف إلى تحويل الحاجة الاقتصادية إلى مبرر سياسي.

في المقابل، تشير بعض الطروحات الإثيوبية إلى أن الاعتماد الكبير على منفذ بحري واحد يمثل تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد، خاصة في ظل التحولات المتسارعة في منطقة البحر الأحمر.

التاريخ: ما يتم تجاهله عمدًا

أحد أهم محاور الرد الإريتري يتمثل في تفكيك الرواية التاريخية التي تستند إليها بعض الطروحات الإثيوبية، خاصة تلك التي تشير إلى استخدام إثيوبيا لموانئ عصب ومصوع كدليل على “علاقة طبيعية” مع البحر.

وتؤكد أسمرة أن هذا الطرح يتجاهل السياق الحقيقي الذي نشأ فيه ذلك الاستخدام.

ففي عام 1952، تم فرض اتحاد فدرالي بين إريتريا وإثيوبيا بقرار دولي جاء، وفق الرؤية الإريترية، على حساب حق الإريتريين في تقرير مصيرهم. هذا الترتيب لم يدم طويلًا، إذ قامت إثيوبيا في عام 1962 بإلغائه من جانب واحد وضم إريتريا بالكامل، ما أدى إلى اندلاع حرب تحرير طويلة انتهت بالاستقلال عام 1991.

وبحسب البيان، فإن الفترة التي استفادت فيها إثيوبيا من الموانئ الإريترية لا تُعد تعبيرًا عن حق تاريخي مستقر، بل نتيجة لوضع سياسي انتهى لاحقًا.

القانون الدولي: خط فاصل لا يقبل التأويل

يرتكز البيان على القانون الدولي كمرجعية رئيسية، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الدول الحبيسة.

فبموجب الأطر القانونية الدولية، بما في ذلك اتفاقية قانون البحار، تتمتع الدول غير الساحلية بحق الوصول إلى البحر لأغراض تجارية، لكن هذا الحق يظل مشروطًا باتفاقيات مع الدول الساحلية، ولا يمتد إلى السيادة أو التحكم في الأراضي أو الموانئ.

وتشدد إريتريا على أن أي محاولة لتوسيع هذا المفهوم وتحويله إلى “حق سيادي” تمثل، من وجهة نظرها، خروجًا عن القواعد القانونية القائمة.

بين “الوصول” و”السيادة”: الفارق الذي لا يمكن تجاوزه

يبرز البيان تمييزًا واضحًا بين مفهومين:

  • الوصول : قابل للتنظيم عبر الاتفاقيات
  • السيادة : حق مطلق لا يخضع للمساومة

وترى أسمرة أن الخلط بين المفهومين هو جوهر الإشكال، حيث يتم الانتقال من نقاش اقتصادي إلى أبعاد سيادية وأمنية.

الواقع العملي: هل إثيوبيا محرومة فعلًا؟

في الجانب العملي، يرفض البيان فكرة أن إثيوبيا “محرومة” من الوصول إلى البحر.

فهي تعتمد بشكل رئيسي على موانئ جيبوتي عبر اتفاقيات قائمة، كما تمتلك، نظريًا، خيارات أخرى في الإقليم. كما يشير إلى أن استخدام الموانئ الإريترية استمر لفترة بعد الاستقلال ضمن ترتيبات تجارية، قبل أن يتوقف في أعقاب حرب 1998–2000.

وبالتالي، ترى أسمرة أن التحديات القائمة ذات طبيعة اقتصادية ولوجستية، وليست مسألة سيادية.

من القانون إلى ميزان القوة

ينتقد البيان ما يراه انتقالًا من منطق القانون إلى منطق القوة، حيث يُطرح حجم إثيوبيا أو ثقلها الاقتصادي كعامل مبرر لإعادة النظر في الترتيبات الحالية.

وترى إريتريا أن هذا الطرح قد يهدد مبدأ المساواة بين الدول، ويفتح المجال أمام نظام تُحدد فيه الحقوق وفق موازين القوة.

خطاب الحتمية: تمهيد للتغيير؟

يلفت البيان إلى ما يسميه “خطاب الحتمية”، حيث يتم تصوير حصول إثيوبيا على منفذ سيادي إلى البحر كأمر لا مفر منه.

وترى أسمرة أن هذا الخطاب يسهم في خلق توقعات سياسية بأن الوضع الحالي مؤقت وقابل للتغيير، وهو ما قد يؤدي إلى توترات إقليمية.

أبعاد استراتيجية تتجاوز الاقتصاد

رغم الطابع الاقتصادي للنقاش، يشير البيان إلى أبعاد استراتيجية أوسع، خصوصًا في منطقة البحر الأحمر التي تشهد تداخلًا في المصالح الإقليمية والدولية.

معركة سرديات في القرن الإفريقي

يعكس هذا السجال تنافسًا متصاعدًا على تعريف مفاهيم مثل السيادة والوصول في المنطقة.

فبينما تسعى بعض الطروحات الإثيوبية إلى إعادة تقييم موقع البلاد الجغرافي ضمن معادلات جديدة، تعمل إريتريا على تثبيت القواعد القائمة ورفض أي نقاش يمس سيادتها.

موقف إريتريا: خطوط حمراء واضحة

يؤكد البيان أن موقف إريتريا يقوم على:

  • دعم الوصول التجاري للدول الحبيسة عبر الاتفاقيات
  • الانفتاح على التعاون الإقليمي
  • رفض أي طرح يمس السيادة أو وحدة الأراضي

وتشدد أسمرة على أن موانئها، بما في ذلك عصب ومصوع، تندرج ضمن سيادتها الكاملة.

بين القانون والطموح

في المحصلة، لا يتعلق الجدل فقط بحاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري، بل بكيفية تعريف هذه الحاجة ضمن النظام الإقليمي والقانوني.

فبينما تؤكد إريتريا على ثبات القواعد القانونية، ترى أطراف إثيوبية أن التحولات الجيوسياسية قد تفرض نقاشًا أوسع حول ترتيبات الوصول والتكامل.

هذا التباين يعكس مرحلة حساسة في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع الحسابات الاستراتيجية، وتبقى مخرجات هذا النقاش مفتوحة على عدة سيناريوهات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى