
رصد اريتريا | مقال تحليلي
أسمرة في الوقت الذي تتصاعد فيه تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن حاجة بلاده إلى منفذ بحري، تتحرك إريتريا بهدوء ولكن بثبات نحو تعزيز شراكتها مع مصر، في خطوة تعكس حجم القلق المتزايد داخل أسمرة من التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ووفقاً لتحليل نشرته مجلة The Africa Report، ترى القيادة الإريترية أن الخطاب الإثيوبي المتكرر حول الوصول إلى البحر الأحمر لم يعد مجرد نقاش اقتصادي يتعلق بالتجارة والتنمية، بل تحول إلى قضية استراتيجية قد تؤثر مباشرة على التوازنات الأمنية والسيادية في المنطقة.
خلال السنوات الماضية، سعت إثيوبيا، وهي أكبر دولة غير ساحلية في العالم من حيث عدد السكان، إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على موانئ جيبوتي. إلا أن تصريحات آبي أحمد الأخيرة بشأن “الحق الطبيعي” لإثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر أثارت مخاوف متزايدة لدى دول الجوار، وعلى رأسها إريتريا.
في أسمرة، يُنظر إلى هذه التصريحات باعتبارها جزءاً من مشروع إثيوبي أوسع لإعادة رسم موازين القوة في القرن الأفريقي. وبينما لا تتهم إريتريا الحكومة الإثيوبية علناً بالسعي إلى عمل عسكري، فإن دوائر صنع القرار الإريترية تبدو مقتنعة بأن تجاهل هذه التصريحات قد يكون خطأً استراتيجياً.
وفي هذا السياق، برزت مصر كشريك طبيعي لإريتريا.
فالعلاقات بين القاهرة وأسمرة شهدت خلال الأشهر الأخيرة زخماً ملحوظاً، تجسد في لقاءات رفيعة المستوى وتنسيق سياسي متزايد حول قضايا الأمن الإقليمي والبحر الأحمر. ويشترك البلدان في رؤية تعتبر أن أمن البحر الأحمر يجب أن يبقى بيد الدول المطلة عليه، وأن أي ترتيبات إقليمية جديدة يجب ألا تُفرض من قبل أطراف لا تمتلك سواحل على هذا الممر الحيوي.
ويرى مراقبون أن التقارب المصري الإريتري لا يمكن فصله عن التوترات المستمرة بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة. فالقاهرة تنظر بعين القلق إلى أي توسع إضافي في النفوذ الإثيوبي، سواء في ملف المياه أو في البحر الأحمر، بينما ترى أسمرة في الدعم المصري عنصر توازن مهم في مواجهة الثقل الديموغرافي والعسكري الإثيوبي.
لكن ما يجعل هذا التحالف أكثر أهمية هو أن البحر الأحمر أصبح اليوم أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فإلى جانب أهميته الاقتصادية والتجارية، تحول إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي متزايد، تتداخل فيها مصالح دول الخليج والقوى الغربية والصين وروسيا.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تسعى إريتريا إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أنها ليست معزولة في مواجهة الضغوط الإقليمية، وأن أي محاولة لتغيير الوضع القائم في البحر الأحمر ستواجه شبكة من التحالفات والمصالح المشتركة.
ويقول محللون إن الرسالة الحقيقية التي يحملها هذا التحرك تتجاوز العلاقات الثنائية بين مصر وإريتريا. فالهدف الأساسي يتمثل في ردع أي خطوات إثيوبية مستقبلية قد تُفسَّر على أنها تهديد مباشر للسيادة الإريترية أو للتوازنات الأمنية في البحر الأحمر.
وفي المقابل، من غير المرجح أن تتراجع إثيوبيا عن سعيها للحصول على منفذ بحري أو دور أكبر في إدارة الممرات البحرية المجاورة. فالمسألة باتت جزءاً من الخطاب السياسي الداخلي الإثيوبي، كما أصبحت مرتبطة برؤية آبي أحمد لمكانة بلاده الإقليمية خلال العقود المقبلة.
ومع استمرار التوترات بين العواصم الثلاث، تبدو منطقة القرن الأفريقي مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول الحدود أو الموارد، بل حول من يمتلك النفوذ الأكبر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي هذه المعركة الجيوسياسية الهادئة، تجد إريتريا نفسها أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى حلفاء قادرين على موازنة الطموحات الإثيوبية المتصاعدة، فيما تبدو مصر مستعدة للعب هذا الدور طالما بقيت مصالحها الاستراتيجية على المحك.




