
رصد اريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب ..
قراءة في خطاب السفيرة صوفيا تسفاماريام أمام مجلس حقوق الإنسان
في كل عام تقريباً، يجتمع مجلس حقوق الإنسان في جنيف لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان حول العالم. تتغير الملفات، وتتبدل الحكومات، ويأتي مقررون خاصون ويغادر آخرون، لكن هناك شيئاً واحداً لا يتغير أبداً عندما يحين الدور على إرتريا.
تبدأ الجلسة.
يُعرض التقرير.
ثم تقف الدبلوماسية الإريترية لتعلن، للمرة الألف ربما، أن المشكلة ليست في أوضاع حقوق الإنسان داخل البلاد، بل في الأشخاص الذين يتحدثون عنها.
هذا الأسبوع لم يكن مختلفاً.
فقد وقفت السفيرة صوفيا تسفاماريام أمام المجلس لتعلن رفض إرتريا تقرير المقرر الخاص، واعتباره منحازاً، غير مهني، وغير مستند إلى مصادر موثوقة.
ولو استمع شخص لا يعرف شيئاً عن إرتريا إلى هذا الخطاب، فقد يعتقد أن البلاد تعيش نهضة سياسية تشبه الديمقراطيات الاسكندنافية، وأن العالم بأسره يشن حملة منظمة لتشويه صورتها.
لكن المشكلة أن الوقائع، كالعادة، أكثر عناداً من الخطابات.
الرواية الرسمية التي لا تتقاعد أبداً
منذ سنوات طويلة لم يتغير شيء تقريباً في الخطاب الرسمي الإريتري.
في كل مرة تثار قضية المعتقلين السياسيين يقال إن المعلومات غير دقيقة.
في كل مرة يُسأل عن الصحفيين المختفين يقال إن المصادر منحازة.
في كل مرة يُثار ملف الخدمة الوطنية يقال إن الظروف الأمنية استثنائية.
وفي كل مرة يُطرح سؤال عن الانتخابات والدستور يقال إن الأولوية للاستقرار والسيادة.
وبعد ثلاثة عقود تقريباً من تكرار نفس الإجابات، بدأ المرء يتساءل:
هل هناك دولة أخرى في العالم ما زالت تعيش في “مرحلة انتقالية” أطول من عمر بعض مواطنيها؟
يبدو أن الزمن في إرتريا يتحرك بطريقة مختلفة.
فالدول عادة تنتقل من الطوارئ إلى الاستقرار.
أما في الحالة الإريترية، فإن الطوارئ نفسها أصبحت نظاماً دائماً للحكم.
عندما تصبح السرية دليلاً على الشفافية
أحد أهم محاور خطاب السفيرة كان التشكيك في مصادر المقرر الخاص.
وهنا يبرز سؤال بسيط جداً.
إذا كانت المعلومات التي تصل إلى الأمم المتحدة خاطئة، فلماذا لا تسمح الحكومة بتوفير معلومات بديلة يمكن التحقق منها؟
في العلوم، عندما يشكك الباحث في نتيجة دراسة ما، فإنه يقدم دراسة أخرى.
وفي القضاء، عندما يرفض المتهم دليلاً ضده، فإنه يقدم أدلة مضادة.
أما في الملف الإريتري، فالمعادلة تبدو مختلفة قليلاً.
التقرير خاطئ.
لكن لا توجد بيانات مستقلة.
والمعلومات منحازة.
لكن لا توجد إمكانية للتحقق الحر.
والمصادر مشكوك فيها.
لكن الصحافة المستقلة غير موجودة.
إنها معادلة تشبه إغلاق جميع نوافذ المنزل ثم الغضب لأن الناس لا يعرفون ماذا يجري في الداخل.
الخدمة الوطنية: المشروع الذي ابتلع الزمن
خصصت السفيرة جزءاً مهماً من كلمتها للدفاع عن الخدمة الوطنية.
وأكدت أن البرنامج أُنشئ بموجب القانون، وأن الظروف الأمنية هي التي فرضت استمراره.
هذا الكلام قد يبدو منطقياً لو كنا نتحدث عن سنوات قليلة.
لكننا نتحدث اليوم عن مشروع بدأ في تسعينيات القرن الماضي.
لقد تغير العالم منذ ذلك الوقت.
انهارت حكومات.
وقامت دول جديدة.
وتغيرت خرائط سياسية كاملة.
أما الخدمة الوطنية الإريترية فما زالت تنتظر نهاية الأشهر الثمانية عشر المنصوص عليها قانوناً.
حتى أن بعض المجندين ولدوا بعد بدء البرنامج، ثم التحقوا به، ثم أصبحوا آباءً قبل أن يروا نهايته.
ربما تكون هذه أول خدمة وطنية في التاريخ تتحول من واجب مؤقت إلى رفيق عمر.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الحكومة لا تنكر وجودها.
بل تدافع عنها.
لكنها في الوقت نفسه تتساءل لماذا يغادر الشباب البلاد.
وكأن شخصاً يشعل النار في المنزل ثم يتساءل عن سبب خروج السكان إلى الشارع.
الهجرة: الاستفتاء الذي لا يحتاج إلى صناديق اقتراع
في غياب الانتخابات، تصبح الهجرة أحياناً لغة سياسية بحد ذاتها.
فالناس يصوتون بأقدامهم عندما لا يستطيعون التصويت بأصواتهم.
وهنا تكمن إحدى أكبر المعضلات التي لم يتطرق إليها خطاب السفيرة.
إذا كانت إرتريا تحقق كل هذا التقدم الذي تتحدث عنه الحكومة، فلماذا تستمر موجات الهجرة؟
إذا كانت الظروف مستقرة، فلماذا يخاطر الشباب بالاتجار بالبشر والبحر والصحراء؟
إذا كانت الصورة الدولية ظالمة إلى هذا الحد، فلماذا لا يعود معظم الذين غادروا لتصحيح هذه الصورة من الداخل؟
هذه أسئلة لا تستطيع الدبلوماسية وحدها الإجابة عنها.
لأن الإجابات موجودة في حياة الناس اليومية أكثر مما هي موجودة في قاعات المؤتمرات.
الأمم المتحدة الجيدة والأمم المتحدة السيئة
من الملاحظ في الخطاب الرسمي الإريتري أنه يحب الأمم المتحدة أحياناً.
ويغضب منها أحياناً أخرى.
عندما تحصل إرتريا على مقعد في مؤسسة أممية، يصبح ذلك دليلاً على احترام المجتمع الدولي لها.
وعندما تنتقدها مؤسسة أممية أخرى، تصبح المؤسسة نفسها أداة سياسية منحازة.
وعندما تنتخبها الدول الأعضاء لعضوية هيئة معينة، يصبح التصويت دليلاً على الشرعية.
وعندما تصوت دول أخرى لصالح تجديد ولاية المقرر الخاص، يصبح التصويت دليلاً على التسييس.
في النهاية تبدو الأمم المتحدة مقبولة فقط عندما تتفق مع أسمرة.
أما عندما تختلف معها، فإنها تتحول فجأة إلى جزء من المشكلة.
الدولة القوية التي تخاف من الأسئلة
لطالما قدمت الحكومة الإريترية نفسها باعتبارها دولة قوية ومستقرة وذات سيادة.
لكن هناك مفارقة مثيرة للاهتمام.
فكلما ازدادت قوة الدولة في الخطاب الرسمي، ازدادت حساسيتها تجاه الأسئلة.
تقرير أممي يثير القلق.
مقال صحفي يثير الغضب.
مداخلة حقوقية تستدعي رداً مطولاً.
منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يتحول إلى قضية سياسية.
الدول الواثقة من نفسها لا تخاف من الأسئلة.
بل تعتبرها فرصة لإثبات وجهة نظرها.
أما عندما يتحول السؤال نفسه إلى مشكلة، فذلك غالباً يعني أن هناك شيئاً أعمق من مجرد خلاف سياسي.
المشكلة ليست في المقرر الخاص
بعد سنوات طويلة من الجدل، أصبح من الواضح أن القضية ليست في شخص المقرر الخاص.
فقد تعاقب على هذه المهمة أكثر من مسؤول أممي.
وتغيرت أسماء المقررين.
لكن الملاحظات الأساسية بقيت متشابهة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا يكرر المقرر الخاص نفس الانتقادات؟
بل:
لماذا يكرر الواقع نفس الأسباب التي تدفعه إلى كتابتها؟
خاتمة: المرآة التي تزعج أسمرة
ربما تستطيع الحكومة الإريترية أن تنجح في إنهاء ولاية هذا المقرر أو ذاك.
وربما تستطيع إقناع بعض الدول بالتصويت لصالحها.
وربما تستطيع الاعتراض على كل تقرير يصدر من جنيف.
لكن هناك شيئاً لا يمكن إلغاؤه بقرار دبلوماسي.
وهو الواقع نفسه.
فالمرآة قد تُكسر.
لكن الصورة لا تختفي.
ولهذا يبدو أن السؤال الذي يطارد السلطة في إرتريا منذ سنوات ليس كيف تنهي ولاية المقرر الخاص.
بل كيف تنهي الأسباب التي جعلت هذه الولاية موجودة أصلاً.
وعندما يأتي ذلك اليوم، لن تحتاج أسمرة إلى إقناع العالم بأنها تغيرت.
فالعالم سيلاحظ ذلك بنفسه.




