القرن الأفريقيأخبار اريتريااريترياتقاريرمدونات
أخر الأخبار

خطاب الإمبراطور الأخير: أفورقي يتحدث عن سقوط العالم بينما تغرق إريتريا في الصمت

رصد إريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب ..

في مكانٍ ما من هذه البلاد المنسية على حافة البحر الأحمر، كانت أمّ إريترية تحاول الاتصال بابنها الذي هرب منذ سنوات عبر الصحراء.

ربما وصل إلى أوروبا.

ربما غرق.

ربما ابتلعته السجون الليبية.

وربما صار مجرد رقم جديد في تقارير الأمم المتحدة.

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، كان الرئيس الإريتري الغير منتخب اسياس افورقي يقف أمام الكاميرات ليتحدث بثقة الفلاسفة عن مستقبل النظام العالمي، وانهيار الهيمنة الأمريكية، وتحولات الشرق الأوسط، وصراع القوى الكبرى، ومصير البحر الأحمر.

هكذا دائمًا تبدو إريتريا تحت حكم أفورقي:

بلدٌ ينزف في الداخل، بينما يتحدث رئيسه عن إنقاذ العالم.

من يستمع إلى خطابات أفورقي للمرة الأولى قد يظن أنه أمام زعيم يقود قوة عظمى محاصَرة بالمؤامرات الدولية.

رجل يتحدث عن واشنطن كما لو أنه نِدٌ للبيت الأبيض، وعن إيران كما لو أنه يشارك في رسم خرائط الشرق الأوسط، وعن البحر الأحمر كما لو أن مفاتيحه كلها في جيبه العسكري القديم.

لكن خلف هذا المسرح الخطابي الطويل، توجد حقيقة أكثر قسوة وأقل ضجيجًا:

إريتريا نفسها تكاد تختفي من خطاب رئيسها.

لا أحد يعرف كيف يمكن لرجل حكم بلاده أكثر من ثلاثة عقود أن يتحدث لساعات عن العالم، دون أن يشرح لماذا تحولت بلاده إلى واحدة من أكثر الدول التي يهرب منها الشباب في أفريقيا.

لا أحد يفهم كيف يستطيع الحديث عن العدالة الدولية، بينما لا يعرف أهالي المعتقلين السياسيين إن كان أبناؤهم أحياء أم أمواتًا.

ولا أحد يستطيع تفسير كيف يتحدث عن كرامة الشعوب، بينما يعيش شعبه داخل دولة يخاف الناس فيها حتى من الجدران.

أفورقي لا يخطب… بل يحاكم العالم

هذه ليست خطابات عادية.

أفورقي لا يتحدث كرئيس دولة صغيرة تعاني من الفقر والعزلة والانهيار الاقتصادي.

إنه يتحدث دائمًا كقاضٍ عجوز غاضب من العالم كله.

الرجل الذي لم يسمح يومًا بانتخابات حقيقية، يشرح الديمقراطية للعالم.

والرجل الذي أغلق الصحف وسجن الصحفيين، يتحدث عن حرية الشعوب.

والرجل الذي حوّل الخدمة الوطنية إلى حياة كاملة بلا نهاية، يتحدث عن العدالة الإنسانية.

إنها المفارقة التي لا يلاحظها النظام أحيانًا، لأن طول البقاء في السلطة يجعل الحاكم يصدق روايته الخاصة.

ومع مرور السنوات، بدا أن أفورقي لم يعد يرى إريتريا كما يراها الإريتريون، بل كما يريد التاريخ أن يراه هو:

زعيمًا صلبًا قاوم الغرب، وصمد أمام العقوبات، ولم ينحنِ للقوى الكبرى.

لكن المشكلة أن الشعوب لا تأكل الشعارات الجيوسياسية.

الشاب الذي يهرب عبر الحدود لا يفكر في “النظام العالمي القديم”.

إنه يفكر في حياته التي تتبخر داخل ثكنة عسكرية مفتوحة منذ عشرين عامًا.

الأم التي تنتظر ابنها المختفي لا يعنيها إن كانت أمريكا تتراجع أو الصين تصعد.

هي فقط تريد أن تعرف أين اختفى ولدها.

والصحفي الذي مات صوته في الزنزانة لا يحتاج محاضرة عن السيادة الوطنية، بل يحتاج نافذة صغيرة يدخل منها الهواء.

الدولة التي تحولت إلى ثكنة كبيرة

منذ سنوات طويلة، لم تعد إريتريا تُدار كدولة طبيعية.

الدول تُبنى بالمؤسسات، بالقوانين، بالجامعات، بالاقتصاد، بالصحافة، بالحياة السياسية.

أما في إريتريا، فقد جرى بناء شيء آخر:

جمهورية الخوف الطويل.

كل شيء في البلاد مؤقت لكنه دائم.

الخدمة “المؤقتة” أصبحت عمرًا كاملًا.

حالة الطوارئ غير المعلنة أصبحت أسلوب حكم.

والصمت تحول إلى لغة وطنية.

حتى الزمن نفسه يبدو متوقفًا هناك.

أسمرة تبدو أحيانًا كمدينة خرجت من أرشيف قديم للحرب الباردة؛

شوارع هادئة أكثر مما ينبغي، وجوه متعبة، دولة تخاف من الإنترنت، ونظام سياسي يتعامل مع الصحافة كما لو أنها مؤامرة عسكرية.

ورغم ذلك، لا يزال أفورقي يتحدث عن المستقبل العالمي بثقة رجل يقود سنغافورة البحر الأحمر.

لكن أي مستقبل يمكن أن تبنيه دولة يهرب أبناؤها أكثر مما يعودون إليها؟

النظام الذي يخاف من الصحفي أكثر من الجنرال

الأنظمة الواثقة من نفسها لا تخاف من الصحافة.

لكن النظام الإريتري تعامل دائمًا مع الكلمة كأنها رصاصة.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول إريتريا عبر السنوات إلى واحدة من أكثر الدول عداءً للصحفيين في العالم، بحسب تقارير دولية عديدة.

بعض الصحفيين اختفوا تمامًا.

بعضهم مات بصمت.

وبعضهم خرج من البلاد ليعيش منفيًا يحمل وطنه كجرح مفتوح.

في إريتريا، لا تحتاج الدولة إلى قتل الصحافة كل يوم.

يكفي أنها قتلت الفكرة نفسها.

فالخوف هناك لا يعمل كحالة طارئة، بل كنظام تشغيل كامل.

حتى الناس الذين لا يؤيدون النظام، تعلموا أن يهمسوا.

وهذا أخطر ما تفعله الأنظمة الطويلة العمر:

أنها لا تكتفي بإسكات المعارضين، بل تجعل الصمت عادة اجتماعية.

لماذا يتحدث أفورقي عن العالم كثيرًا؟

لأن الحديث عن العالم أسهل من الحديث عن إريتريا.

أسهل بكثير.

أسهل من تفسير لماذا لا يوجد دستور مطبق حتى الآن.

وأسهل من الإجابة عن سؤال: أين ذهبت أحلام جيل الاستقلال؟

لقد كان يفترض أن تصبح إريتريا بعد التحرير قصة أفريقية ملهمة.

دولة خرجت من حرب طويلة لتبني نموذجًا جديدًا في القرن الأفريقي.

لكن ما حدث أن الثورة تحولت إلى سلطة،

والسلطة تحولت إلى خوف،

والخوف تحول إلى دولة كاملة.

وهنا تكمن مأساة الأنظمة الثورية القديمة:

إنها تبدأ وهي تعد الناس بالحرية، ثم تنتهي وهي تخاف من الناس أنفسهم.

البحر الأحمر لا يبني دولة

يتحدث أفورقي كثيرًا عن الموقع الاستراتيجي لإريتريا، وعن البحر الأحمر، وعن الصراع الدولي القادم.

وهو محق في شيء واحد:

المنطقة بالفعل تدخل مرحلة خطيرة ومزدحمة بالقوى الكبرى.

لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع دولة محترمة.

لو كان البحر الأحمر يكفي لصناعة القوة، لكانت كل الدول المطلة عليه مزدهرة.

الدول القوية تُبنى من الداخل أولًا.

بالمؤسسات.

بالثقة بين الشعب والدولة.

بالاقتصاد الحقيقي.

بالتعليم.

وبأن يشعر المواطن أن له مستقبلًا داخل بلاده، لا خارجها.

أما تحويل الجغرافيا إلى خطاب دائم لتعويض الفشل الداخلي، فهو حيلة قديمة تعرفها الأنظمة العسكرية جيدًا.

خطاب رجل يخاف النهاية

كلما طال حديث أفورقي عن سقوط النظام العالمي، بدا وكأنه يحاول الهروب من سؤال آخر أكثر خطورة:

ماذا عن النظام الإريتري نفسه؟

فالأنظمة التي تبقى طويلًا تبدأ أحيانًا في رؤية العالم كله ينهار… إلا نفسها.

لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.

التاريخ لا يهتم بعدد السنوات التي قضاها الحاكم في السلطة، بل بما تركه خلفه.

وماذا تركت كل هذه العقود للإريتريين؟

شعب موزع بين المنافي.

اقتصادًا متجمدًا.

خوفًا جماعيًا.

وجيلًا كاملًا تربى على فكرة الهروب.

ربما لهذا بدا خطاب الاستقلال هذا العام حزينًا رغم كل شعارات القوة.

لم يكن خطاب دولة تنتصر،

بل خطاب نظام يحاول إقناع نفسه بأنه ما زال قادرًا على تفسير العالم، بينما يفقد القدرة تدريجيًا على إقناع شعبه.

وفي النهاية، قد لا يتذكر الناس كل ما قاله أفورقي عن أمريكا أو إيران أو البحر الأحمر.

لكنهم سيتذكرون شيئًا أبسط بكثير:

أنه بينما كان يتحدث عن سقوط النظام العالمي القديم…

كانت إريتريا نفسها تقف منذ سنوات طويلة داخل غرفة مغلقة بلا نوافذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى