
رصد اريتريا | الكاتب – إبراهيم قارو
حين يكتب المأزوم مستقبل الآخرين: قراءة في أطروحة غيتاتشو ردا عن إرتريا
إرتريا ليست تقراي …. والدول لا تسقط برحيل الحكام
ليست كل قراءة تصدر عن مسؤول سابق أو فاعل سياسي تتحول تلقائياً إلى تحليل استراتيجي. فالموقع السياسي يمنح صاحبه فرصة الاطلاع على مجريات الأحداث، لكنه لا يمنحه حصانة من الخطأ، ولا يعفيه من الخضوع لمعايير التحليل الرصين. وفي الفكر السياسي، لا تُقاس قيمة التحليل بعدد المناصب التي شغلها صاحبه، وإنما بقدرته على التمييز بين الوقائع والانطباعات، وبين الاستنتاجات والأمنيات، وبين قراءة الواقع وإسقاط الأزمات الذاتية على الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن ما طرحه القيادي التقراوي غيتاتشو ردا بشأن مستقبل إرتريا بعد رحيل الرئيس أسياس أفورقي يستحق نقاشاً جاداً، ليس لأن الرجل انتقد النظام الإرتري، فالنظم السياسية ليست فوق النقد، وإنما لأن أطروحته قامت على فرضية أكثر خطورة، وهي اختزال مستقبل دولة كاملة في مصير شخص واحد، ثم البناء على هذا الاختزال لاستنتاج أن إرتريا قد تجد نفسها عاجزة عن الاستمرار بمجرد غياب رئيسها. وهنا لا يعود النقاش متعلقاً بأسياس أفورقي، بل بالمنهج الذي تُقرأ به الدولة الإرترية، وبالخلفية الفكرية التي تحكم هذه القراءة.
الخلل الجوهري في أطروحة غيتاتشو ردا يبدأ من نقطة أساسية كثيراً ما يميز بينها الفكر السياسي، وهي الفرق بين الدولة باعتبارها كياناً تاريخياً وسيادياً، وبين النظام السياسي باعتباره صيغة لإدارة السلطة قابلة للتغيير. فالدول لا تُختزل في حكامها، ولا تُقاس قدرتها على البقاء بأعمار الرؤساء، وإنما بمدى رسوخ هويتها الوطنية، وتماسك مجتمعها، وقدرتها على إعادة إنتاج شرعيتها عبر التحولات التاريخية. أما الأنظمة السياسية، مهما بلغت درجة مركزيتها، فهي مراحل من تاريخ الدولة، وليست الدولة نفسها.
ولهذا فإن الانتقال من نقد النظام الإرتري إلى التشكيك في بقاء الدولة لا يمثل تطورًا منطقيًا في التحليل، وإنما قفزة استنتاجية تفتقر إلى الأساس النظري. فالنظام يمكن أن يتغير، وقد يتعرض لأزمات عميقة، وربما يسقط بالكامل، لكن هذا لا يعني أن الدولة تسقط بالضرورة معه. وتجارب التاريخ الحديث مليئة بدول رحل عنها زعماء ارتبطت أسماؤهم بمراحل طويلة من الحكم، ثم دخلت في مسارات انتقالية مختلفة، لكنها لم تختف من الخريطة السياسية، لأن الدول لا تستمد وجودها من الأشخاص، بل من المجتمع الذي يحملها ومن الشرعية التاريخية التي قامت عليها.
والمفارقة أن الخطاب الذي يتبناه القيادي التقراوي غيتاتشو ردا، وهو ينتقد الطبيعة الشخصية للنظام الإرتري، ينتهي إلى إعادة إنتاج المنطق ذاته. فهو يفترض ضمناً أن الدولة والحاكم وجهان لعملة واحدة، وأن رحيل أحدهما يفضي تلقائياً إلى اهتزاز الآخر. وهذا بالضبط هو المنطق الذي طالما استخدمته الأنظمة الشخصية لتبرير استمرارها، عندما أوحت لشعوبها بأن بقاء الوطن مرهون ببقاء الحاكم. وهكذا يجد غيتاتشو ردا نفسه، من حيث أراد تفكيك هذا الخطاب أو لم يُرد، يعيد إنتاجه في صورة أخرى.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً عندما يستدعي رواية مفادها أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر عرض عام 1990 على أسياس أفورقي تولي رئاسة إثيوبيا، وأن الأخير تعامل مع الفكرة بإيجابية قبل أن تعترض عليها قيادات الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا. وحتى لو افترضنا جدلًا أن مثل هذا الطرح ورد في سياق مناقشات سياسية غير رسمية، فإن تحويله إلى مفتاح لتفسير المشروع الوطني الإرتري يمثل قراءة انتقائية للتاريخ، لأنها تتجاهل السياق الذي كانت تتحرك فيه حركة التحرر الإرترية آنذاك.
ففي تلك المرحلة، لم تكن القضية المطروحة هي مستقبل أسياس أفورقي السياسي، وإنما مستقبل قضية وطنية حملها شعب كامل على امتداد ثلاثة عقود من الكفاح. وكان مبدأ تقرير المصير يمثل جوهر المشروع السياسي للجبهة الشعبية، ومصدر شرعيتها أمام المجتمع الإرتري. ولذلك فإن تصوير الاستقلال وكأنه كان مجرد خيار تفاوضي يمكن استبداله بمنصب سياسي في أديس أبابا، لا ينسجم مع طبيعة حركات التحرر الوطني، ولا مع المنطق الذي يحكم شرعيتها. فالحركات التي تخوض حروب التحرير لا تستمد قوتها من زعيمها وحده، وإنما تستمد قوتها من العقد السياسي والأخلاقي الذي يربطها بالشعب الذي يقاتل باسم قضيته.
وهنا يبرز فارق بالغ الأهمية كثيرًا ما تغفله مثل هذه القراءات، وهو الفارق بين شرعية التحرير وشرعية الحكم. فمن المشروع تماماً أن يُنتقد أداء الدولة الإرترية بعد الاستقلال، وأن تُناقش أزمة بناء المؤسسات، وتعطيل الدستور، واحتكار المجال السياسي، فهذه كلها قضايا تخص شرعية الحكم بعد الاستقلال. لكن هذه الانتقادات لا تمحو شرعية التحرير التي تأسست عليها الدولة، ولا تلغي الأساس الوطني الذي منح إرتريا وجودها القانوني والسياسي. والخلط بين هاتين الشرعيتين يقود إلى نتيجة خاطئة، مفادها أن نقد النظام يساوي التشكيك في الدولة، بينما الحقيقة أن الدولة أوسع من النظام، والوطن أقدم من السلطة، والهوية الوطنية أبقى من أي مرحلة سياسية مهما امتدت.
ولذلك فإن اختزال التجربة الإرترية كلها في شخص أسياس أفورقي لا يظلم التاريخ فحسب، بل يظلم المجتمع الإرتري نفسه، لأنه يفترض ضمناً أن شعباً خاض واحدة من أطول حروب التحرير في إفريقيا لم ينتج وطناً، وإنما أنتج حاكماً فقط. وهذه ليست قراءة للتاريخ، بل إعادة كتابة له من منظور يختزل الشعوب في قادتها، ويختزل الدول في أنظمتها، ويختزل مسارات التحرر الوطني في السير الذاتية للأفراد.
غير أن مكمن الضعف الحقيقي في أطروحة غيتاتشو ردا لا يتوقف عند سوء قراءة التجربة الإرترية، بل يظهر أيضًا في الموقع الذي ينطلق منه هذا التحليل. فالرجل لم يأتِ من تجربة نجحت في بناء نموذج مستقر للدولة حتى تُقدَّم قراءته باعتبارها وصفة لفهم مصائر الآخرين، بل هو أحد أبرز الوجوه السياسية التي عاصرت واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ إثيوبيا الحديث، مرحلة كشفت هشاشة العقد السياسي الإثيوبي، وأعادت إنتاج الانقسامات القومية، وأدخلت البلاد في حرب مدمرة استنزفت الدولة والمجتمع معًا.
ولا يُقصد بذلك تحميل غيتاتشو ردا وحده مسؤولية الأزمة الإثيوبية، فالأزمات الكبرى تصنعها منظومات سياسية كاملة، لكن من الطبيعي أن يُسأل من كان جزءًا من تلك المنظومة عن حصيلة تجربته قبل أن ينصّب نفسه مفسراً لمستقبل الآخرين. فالنقد السياسي يكتسب قيمته من القدرة على مراجعة الذات بقدر ما يكتسبها من نقد الخصوم، وإلا تحول إلى خطاب انتقائي يطالب الآخرين بما عجز عن تحقيقه في تجربته الخاصة.
ومن هنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: إذا كانت إثيوبيا، بكل ما تمتلكه من دستور، وبرلمان، ونظام فيدرالي، وأحزاب، وانتخابات، لم تستطع أن تمنع انزلاق الدولة إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخها، فبأي منطق يصبح غياب المؤسسات في إرتريا دليلاً قاطعاً على انهيار الدولة؟ أليست التجربة الإثيوبية نفسها دليلاً على أن المؤسسات الشكلية، مهما كثرت، لا تنتج تلقائياً دولة مستقرة إذا افتقدت إلى التوافق الوطني وإدارة التنوع وإجماع سياسي يحميها من الانقسام؟
الدولة لا تُقاس بعدد المواد الدستورية، ولا بعدد المؤسسات التي تحمل أسماء رسمية، وإنما تقاس بقدرتها على إنتاج شرعية سياسية مقبولة، وإدارة اختلافاتها الداخلية، وصيانة وحدتها الوطنية. وهذه ليست قضية تخص إرتريا وحدها، بل هي إحدى الحقائق الأساسية في علم السياسة. ولذلك فإن تحويل مسألة غياب المؤسسات في إرتريا إلى نبوءة بانهيار الدولة يتجاهل أن انهيار الدول يبدأ عادةً عندما يتآكل الإجماع الوطني، لا عندما يرحل رئيس أو تتعطل مؤسسة.
ومن هذه الزاوية، تبدو قراءة القيادي التقراوي غيتاتشو ردا انعكاساً للأزمة الإثيوبية أكثر من كونها تفسيراً للحالة الإرترية. فهي تفترض، بصورة غير معلنة، أن ما حدث في إثيوبيا يمكن أن يصبح النموذج التفسيري لمستقبل الجوار، وكأن القرن الإفريقي يعيد إنتاج التجربة نفسها في كل دولة. غير أن لكل دولة تاريخها، ولكل مجتمع مساره، ولكل تجربة خصوصيتها، ولا يجوز إخضاعها جميعاً لقالب واحد.
ويزداد هذا الانطباع رسوخاً عندما ينتقل الخطاب من الحديث عن مستقبل إرتريا إلى دعوة دول المنطقة، وفي مقدمتها إثيوبيا، للاستعداد لـ«اليوم التالي». فمثل هذه الدعوات قد تبدو، للوهلة الأولى، جزءًا من التفكير الاستراتيجي، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالًا مشروعاً حول الخلفية الفكرية التي تحكمها. إذ إن فكرة أن مستقبل إرتريا ينبغي أن يكون موضوع استعداد سياسي لدى النخب الإثيوبية تعكس استمرار نمط قديم من التفكير ينظر إلى إرتريا باعتبارها عنصراً في معادلات الأمن القومي الإثيوبي، لا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.
ولا يمكن عزل هذا الخطاب عن السياق الأوسع الذي تشهده إثيوبيا في السنوات الأخيرة، حيث تصاعد الحديث عن البحر الأحمر والموانئ بإعتبارهما قضية وجودية للدولة الإثيوبية. وفي ظل هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت بعض القراءات التي تتحدث عن «اليوم التالي» لإرتريا تعبر فعلًا عن اهتمام أكاديمي بمستقبل المنطقة، أم أنها تعكس رغبة في إعادة إدراج إرتريا داخل الحسابات الجيوسياسية الإثيوبية تحت عنوان الاستقرار الإقليمي. فالفارق بين الاستشراف والتهيئة السياسية فارق جوهري، ولا ينبغي تجاهله.
ما يغيب عن هذه المقاربة أن الدولة الإرترية، رغم كل ما يحيط بها من تحديات، ليست كياناً عابراً، ولا فراغًا سياسياً ينتظر من يملأه، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل صاغ هوية وطنية متماسكة، ورسخ في الوعي الجمعي للإرتريين قيمة الاستقلال والسيادة باعتبارهما منجزاً وطنياً لا يقبل المساومة. ولهذا فإن الخلاف حول طبيعة النظام القائم لا يلغي حقيقة أن الدولة تستند إلى شرعية وطنية صنعها شعبها قبل أن تصنعها مؤسساتها.
إن كثيراً من الإرتريين يختلفون مع النظام القائم، ويطالبون بدولة قانون، ودستور نافذ، ومؤسسات منتخبة، وتداول سلمي للسلطة. غير أن هذا المطلب لا ينطلق من التشكيك في الدولة، بل من الإيمان بضرورة تطويرها وإصلاحها. فالفرق كبير بين الدعوة إلى إصلاح الدولة وبين الترويج لفكرة أن الدولة نفسها ستنهار بمجرد غياب رئيسها. الأولى تعبير عن مشروع وطني يسعى إلى تجديد الدولة، أما الثانية فهي قراءة تختزل الوطن في السلطة، والتاريخ في الأشخاص، وهو اختزال لا يخدم إلا منطق الدولة الشخصية الذي يدّعي أصحابه أنهم ينتقدونه.
وفي نهاية المطاف ليست القضية هي أسياس أفورقي، بل الطريقة التي تُقرأ بها إرتريا. فمن يختزل دولة في حاكم، ويختزل تاريخ شعب في سيرة فرد، لا يقدم تحليلًا سياسياً بقدر ما يعيد إنتاج رؤية ترى الأوطان مجرد امتداد للأشخاص. قد يرحل أسياس أفورقي، كما رحل ويرحل جميع الحكام، لكن الدول التي صنعتها إرادة الشعوب لا تنتهي برحيل قادتها، لأنها لا تستمد وجودها من السلطة، بل تستمد وجودها من المجتمع الذي يحملها، ومن الوعي الوطني الذي يحميها، ومن التاريخ الذي منحها شرعيتها.
أما الانشغال بكتابة سيناريوهات «اليوم التالي» لإرتريا، بينما لا تزال إثيوبيا تواجه أسئلة مفتوحة حول الدولة والهوية والعقد الوطني، فلا يعكس، في جوهره، تفوقاً في الرؤية الاستراتيجية بقدر ما يكشف استمرار أزمة داخل جزء من العقل السياسي الإثيوبي، الذي لم يحسم بعد علاقته بإرتريا باعتبارها دولة مستقلة كاملة السيادة. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: ماذا سيحدث لإرتريا بعد أسياس أفورقي؟ بل: متى تتوقف بعض النخب الإثيوبية عن قراءة مستقبل جيرانها بعين أزماتها الداخلية، وتبدأ في مواجهة الأسئلة المؤجلة داخل إثيوبيا نفسها؟ فمستقبل إرتريا لن يُكتب في أديس أبابا، كما أن مستقبل إثيوبيا لن يُكتب في أسمرا؛ فلكل شعب حقه الأصيل في أن يصوغ عقده السياسي، ويحدد خياراته، ويبني دولته بإرادته الحرة، بعيداً عن أوهام الوصاية وإسقاطات الأزمات .
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة التحريرية لشبكة رصد إريتريا





Appreciating the persistence you put into your site and detailed information you provide. It’s good to come across a blog every once in a while that isn’t the same outdated rehashed information. Great read! I’ve saved your site and I’m adding your RSS feeds to my Google account.