أخبار اريترياإثيوبيااريترياالقرن الأفريقيرأيسياسةفكر
أخر الأخبار

من يوحد المعارضة الإرترية ومن يملك شرعية قيادتها: مقاربة نقدية لمبادرة القيادات المنشقة .

رصد اريتريا | الكاتب – إبراهيم قارو 

المدخل

أثارت التحركات الأخيرة التي تقودها شخصيات منشقة عن الجبهة الشعبية بهدف توحيد المعارضة الإرترية اهتماماً سياسياً ملحوظاً، ليس بسبب طبيعتها التنظيمية فحسب، بل بسبب توقيتها أيضاً. فقد جاءت في لحظة تشهد فيها منطقة القرن الأفريقي تحولات متسارعة تتداخل فيها الحرب في السودان، والتوازنات المتغيرة داخل إثيوبيا، والتنافس الدولي المتصاعد على البحر الأحمر، وهو ما أعاد إرتريا إلى دائرة الاهتمام الاستراتيجي الإقليمي والدولي.

وقد اكتسبت المبادرة زخماً إضافياً بعد تصريحات القيادي المنشق أحمد القيسي بشأن جهود جارية لتوحيد قوى المعارضة، ترافقت مع تقارير إعلامية تحدثت عن تحضيرات لعقد مؤتمر في نيروبي وتداول اسم الدبلوماسي الإرتري السابق هيلي منقريوس ضمن الشخصيات المرتبطة بالحراك. إلا أن جزءاً من هذه المعطيات لا يزال في إطار المعلومات غير المؤكدة، الأمر الذي يفرض التعامل معها باعتبارها مؤشرات على حراك سياسي قيد التشكل، لا حقائق مكتملة.

ومع أن المبادرة تُطرح تحت عنوان توحيد المعارضة، فإن أهميتها الحقيقية لا تكمن في قدرتها على جمع عدد أكبر من التنظيمات أو الشخصيات، بل في ما إذا كانت قادرة على تقديم مقاربة مختلفة للأزمة الإرترية. فالمعارضة شهدت منذ التسعينيات عشرات التحالفات والمؤتمرات التي رفعت الشعار نفسه، لكنها أخفقت في إحداث تحول نوعي لأنها تعاملت مع الانقسام باعتباره أصل الأزمة، بينما بقي الخلاف قائماً حول طبيعة الدولة المنشودة، والعقد الاجتماعي، وآليات إدارة التعدد، وحدود العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ومن هذا المنطلق، تحاول هذه القراءة مقاربة المبادرة من خلال مجموعة من الأسئلة المترابطة: لماذا ظهرت في هذا التوقيت؟ ومن يقف خلفها، وما الذي تغيّر في خطاب القيادات المنشقة؟ وما دلالة تداول اسم هيلي منقريوس والورقة المنسوبة إليه؟ وكيف استقبلتها قوى المعارضة، ولا سيما المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي؟ ولماذا تعثرت محاولات التوحيد السابقة رغم تكرار الدعوات إليها؟ ثم السؤال الأكثر جوهرية: هل تكمن الأزمة في انقسام المعارضة أصلاً، أم في غياب مشروع وطني جامع ظل مؤجلاً منذ الاستقلال؟ وأخيراً، إلى أي اتجاه يمكن أن تمضي هذه المبادرة في ضوء المعطيات السياسية والإقليمية الراهنة؟

لا تستهدف هذه الأسئلة إصدار أحكام مسبقة أو تبني مواقف نهائية تجاه المبادرة، بقدر ما تسعى إلى قراءتها في سياقها السياسي والاستراتيجي الأوسع. فمستقبل إرتريا لن يتحدد بولادة جسم سياسي جديد أو بانتقال شخصيات من موقع إلى آخر، وإنما بقدرة الإرتريين على بناء توافق وطني حول مشروع دولة يعالج أزمات التأسيس المؤجلة، ويؤسس لشرعية تستند إلى الدستور والمؤسسات وسيادة القانون، بدل إعادة إنتاج أزمات الماضي في صور وأطر جديدة.

لماذا ظهرت المبادرة الآن؟

يصعب فهم أي حراك سياسي إرتري بمعزل عن البيئة الإقليمية المحيطة. فالمبادرات الكبرى لا تنشأ في فراغ، وإنما تتشكل عند تقاطع المتغيرات الداخلية مع التحولات التي تعيد رسم موازين القوى في الإقليم. ومن هذه الزاوية تبدو المبادرة الحالية جزءاً من لحظة إقليمية جديدة أكثر من كونها تطوراً معزولاً داخل المعارضة.

فالقرن الأفريقي يمر بمرحلة إعادة تشكل استراتيجية واسعة. فالحرب في السودان تحولت إلى عامل مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي، بينما لا تزال إثيوبيا تواجه تحديات داخلية مرتبطة بطبيعة نظامها السياسي ومستقبل علاقتها بالبحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، أصبح البحر الأحمر أحد أهم مسارح التنافس الدولي، مع تنامي أدوار القوى الكبرى والقوى الإقليمية الساعية إلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.

ضمن هذه المعادلة استعادت إرتريا جزءاً من أهميتها الجيوسياسية، ليس نتيجة تحولات داخلية جوهرية، بل بفعل موقعها الجغرافي وتأثيرها المحتمل في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد ساهم ذلك في تجدد الاهتمام بالملف الإرتري داخل بعض الدوائر السياسية والبحثية الدولية، كما شجع محاولات إعادة تنشيط قوى المعارضة بعد سنوات من الجمود.

إلا أن هذا الاهتمام لا ينبغي تفسيره باعتباره مؤشراً على وجود مشروع خارجي لتغيير النظام أو على أن المبادرة الحالية صنيعة قوى دولية. فالفاعلون الدوليون يتحركون أساساً وفق اعتبارات الاستقرار والمصالح، ولا يمنحون دعمهم لأي طرف ما لم يمتلك حداً أدنى من الرؤية والقدرة التنظيمية والتوافق الداخلي. ومن ثم فإن التحولات الإقليمية قد تفتح نافذة للفرص، لكنها لا تستطيع أن تنتج مشروعاً وطنياً أو تعوض غياب الرؤية السياسية.

لهذا فإن أهمية المبادرة لا تُقاس بمدى انسجامها مع المتغيرات الإقليمية، بل بقدرتها على إثبات أنها تعبر عن مراجعة سياسية حقيقية، لا مجرد استجابة ظرفية لمناخ خارجي متغير. فالتجارب السابقة أظهرت أن اللحظات الإقليمية المواتية لا تتحول تلقائياً إلى فرص تاريخية ما لم تقترن بقدرة داخلية على إعادة تعريف المشروع الوطني وبناء توافق سياسي واسع حوله.

من يقود المبادرة… وما الذي تغيّر؟

إذا كان توقيت المبادرة يعكس تحولات في البيئة الإقليمية، فإن طبيعة القوى التي تقف خلفها تمثل الاختبار الأول لجدواها السياسية. فالمبادرة لا تنطلق أساساً من داخل الأطر التقليدية للمعارضة، بل من شخصيات خرجت من مؤسسات الدولة أو من الجبهة الشعبية في مراحل مختلفة بعد أن كانت جزءاً من النظام الذي تشكلت في ظله الدولة الإرترية بعد الاستقلال. وهذه الخصوصية تمنحها أهمية خاصة، لكنها تضعها في الوقت نفسه أمام أسئلة تتعلق بالشرعية السياسية وبقدرتها على تقديم بديل مختلف عن التجربة التي خرجت منها.

في تجارب التحول السياسي، لا تُكتسب الشرعية بمجرد مغادرة السلطة أو الانشقاق عنها، بل تكتسب الشرعية من خلال مراجعة نقدية تفسر أسباب الأزمة وتحدد موقع أصحابها منها. فالمجتمعات الخارجة من النظم المغلقة لا تبحث فقط عن وجوه جديدة، وإنما عن أفكار جديدة ورؤية مختلفة تمنع إعادة إنتاج الاختلالات السابقة. ومن هذه المنطلق تبدو حصيلة القيادات المنشقة متفاوتة. فقد قدم بعض المنشقين خلال السنوات الماضية قراءات نقدية جادة تناولت بنية السلطة وأزمة الحكم وطبيعة الدولة بعد الاستقلال، وسعت إلى الانتقال من نقد الأشخاص إلى نقد النظام السياسي نفسه. غير أن هذا المسار لم يتحول إلى قاسم مشترك بين مختلف الفاعلين المنخرطين في الحراك الحالي.

وتبرز هنا ملاحظة جوهرية تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي السائد لدى بعض هذه الشخصيات. فالنقد غالباً ما يتركز على الرئيس أسياس أفورقي باعتباره المسؤول المباشر عن الأزمة، في حين يحظى الإرث السياسي والفكري الذي تشكلت في ظله الدولة بقدر أقل من المراجعة. الأزمة الإرترية لا يمكن اختزالها في شخص الحاكم وحده، بل ترتبط أيضاً بالنموذج السياسي الذي تكرس منذ مرحلة الكفاح المسلح واستمر بعد الاستقلال، بما تضمنه من مركزية مفرطة، واحتكار للقرار، وتغليب التنظيم على المؤسسة، وضعف آليات المحاسبة والرقابة. ولذلك، فإن أي مشروع إصلاحي يكتفي بتغيير الأشخاص من دون مساءلة القواعد السياسية التي أنتجت الأزمة يظل مشروعاً محدود الأفق، لأنه يعالج النتائج أكثر مما يعالج الأسباب.

ولا يقتصر التقييم على مستوى الخطاب والمراجعة الفكرية، بل يمتد إلى الحصيلة العملية لهذه القيادات منذ خروجها من النظام. فعلى الرغم ما تمتلكه من خبرة ومعرفة بطبيعة الدولة وآليات اتخاذ القرار، لم تتمكن خلال السنوات الماضية من بناء إطار سياسي مستقر يجمعها، كما لم تنجح في الاندماج بصورة فاعلة داخل الأطر الرئيسة للمعارضة أو في الإسهام في إعادة بنائها من الداخل. وظلت العلاقة بينها أقرب إلى التنسيق الظرفي منها إلى العمل المؤسسي المستدام.

ولا يُقصد من ذلك التقليل من قيمة الخبرة التي راكمتها هذه الشخصيات، فمعرفتها ببنية النظام وآليات عمله تمثل رصيداً مهماً في أي عملية انتقال سياسي محتملة. غير أن الخبرة وحدها لا تكفي لإنتاج مشروع وطني جامع. فالتجربة العملية تشير إلى أن هذا الرصيد لم يتحول، حتى الآن، إلى إطار سياسي قادر على استقطاب طيف واسع من القوى الوطنية أو بناء قاعدة ثقة مستدامة داخل المشهد المعارض. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت هذه القيادات لم تستطع، خلال السنوات الماضية، أن تتوافق فيما بينها على إطار سياسي مستقر أو أن تصبح جزءاً فاعلاً من البنى المعارضة القائمة، فما الذي يجعلها اليوم أكثر قدرة على قيادة مشروع أشمل لتوحيد المعارضة؟

لا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في النوايا، بل بطرح سؤال يرتبط بالقدرة السياسية وشروط القيادة. فالمشاريع الوطنية الكبرى لا تُقاس بما يمتلكه أصحابها من رصيد تاريخي أو علاقات دولية، وإنما بقدرتهم على بناء الثقة، وإدارة التعدد، والعمل المؤسسي، وتقديم نموذج مختلف في الممارسة السياسية. وعلى هذا الأساس، فإن الحكم على المبادرة لن يتوقف على أسماء القائمين عليها، بل على مدى قدرتها على تجاوز إخفاقات الماضي وتقديم مقاربة جديدة تعكس تحولاً حقيقياً في الفكر والممارسة معاً. فذلك وحده ما سيحدد ما إذا كانت المبادرة تمثل قطيعة مع التجربة السابقة، أم أنها تعيد إنتاجها بأدوات وأسماء مختلفة.

هيلي منقريوس وإشكالية المشروع السياسي

اكتسب اسم هيلي منقريوس حضوراً ملحوظاً في النقاشات المرافقة للمبادرة، سواء بسبب ما تردد عن احتمال انخراطه فيها أو بسبب الورقة المتداولة المنسوبة إليه بشأن إنشاء مجلس استشاري وطني مؤقت. غير أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تسمح بالجزم بطبيعة دوره الفعلي، ما يجعل التركيز على الأفكار المطروحة أكثر أهمية من الانشغال بالأسماء.

ولا خلاف على أن منقريوس يمتلك خبرة دولية واسعة اكتسبها من عمله الطويل داخل الأمم المتحدة وفي ملفات النزاعات والوساطة. لكن الخبرة الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لتأسيس مشروع سياسي وطني. فهناك فرق بين إدارة الانتقالات السياسية في إطار أممي وبين قيادة عملية إعادة بناء دولة تواجه أزمة تأسيس ممتدة منذ الاستقلال.

وتكتسب الورقة المتداولة أهميتها من أنها تشخص بدقة كثيراً من مظاهر الأزمة الإرترية، مثل غياب الدستور وتعطل المؤسسات واحتكار السلطة واحتمالات الفراغ السياسي في حال حدوث تغير مفاجئ. غير أن الإشكال يبدأ عند الانتقال من التشخيص إلى المعالجة. فالورقة تركز على إنشاء مجلس استشاري وهيئات انتقالية مختلفة بوصفها مدخلاً للحل، بينما يبقى السؤال الأهم متعلقاً بالتوافق الوطني الذي يمنح هذه المؤسسات شرعيتها وقدرتها على الاستمرار.

فالخبرة التاريخية تشير إلى أن المؤسسات الانتقالية لا تنجح لأنها أُنشئت، بل لأنها تعكس توافقاً سياسياً سابقاً حول طبيعة الدولة وقواعد إدارتها. أما حين تتحول المؤسسات إلى نقطة البداية قبل حسم الأسئلة التأسيسية، فإنها غالباً ما تصبح ساحة جديدة للخلافات بدل أن تكون أداة لمعالجتها. ولهذا تبدو القيمة الحقيقية لأي جهد سياسي مرتبطاً بقدرته على فتح نقاش وطني حول مستقبل الدولة أكثر من ارتباطه بإنتاج هياكل تنظيمية جديدة.

المعارضة بين الترحيب الحذر واختبار الشرعية

إذا كانت المبادرة قد أثارت نقاشاً حول طبيعة القيادات التي تقف خلفها، فإنها كشفت في الوقت نفسه عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن المعارضة الإرترية لم تعد تنظر إلى دعوات الوحدة بالحماس الذي كانت تستقبل به المبادرات السابقة. فالعقود الماضية راكمت تجارب عديدة انتهى معظمها إلى نتائج محدودة، الأمر الذي جعل الحذر هو السمة الغالبة في التعامل مع أي مشروع جديد، مهما بدت أهدافه إيجابية.

ولا يبدو أن الخلاف داخل المعارضة يدور حول الحاجة إلى تجاوز التشتت بقدر ما يدور حول طبيعة المشروع الذي يفترض أن تتوحد حوله القوى السياسية. فالتجربة علمت الجميع أن الاتفاق على شعار الوحدة أسهل كثيراً من الاتفاق على مضمونها، وأن إنشاء الأجسام التنظيمية يمكن أن يتم خلال فترة قصيرة، بينما يتطلب بناء الثقة السياسية والتوافق على الرؤية المشتركة مساراً أطول وأكثر تعقيداً.

لذلك لم تنقسم ردود الفعل الأولية بين مؤيدين ورافضين بقدر ما توزعت بين ثلاثة اتجاهات رئيسة: اتجاه يرى في المبادرة فرصة تستحق الاختبار، واتجاه يخشى أن تنتهي إلى إعادة إنتاج تجارب سابقة، واتجاه ثالث أكثر تحفظاً يطالب أولاً بالإجابة عن الأسئلة المؤجلة المتعلقة بطبيعة المشروع السياسي وأسس الشراكة قبل الانتقال إلى الحديث عن الهياكل والتنظيمات الجديدة.

وفي هذا السياق، تكتسب مسألة المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي أهمية خاصة. فالمجلس لا يمثل تنظيماً سياسياً واحداً، بل يشكل أكبر مظلة جامعة للقوى السياسية المعارضة بمختلف مرجعياتها وتجاربها. ولذلك فإن أي مشروع يرفع شعار توحيد المعارضة لا يمكنه تجاوز موقع المجلس أو التعامل معه باعتباره مجرد مكون من بين مكونات أخرى.

ومن هنا يكتسب الصمت الذي أحاط بموقف المجلس حتى الآن دلالة سياسية تستحق التوقف. فهذا الصمت لا يمكن قراءته بوصفه تأييداً أو رفضاً للمبادرة، بل يعكس على الأرجح انتظاراً لمعرفة طبيعة المشروع وحدود أهدافه قبل تحديد الموقف منه. غير أن هذا الواقع يطرح أسئلة تتجاوز المجلس نفسه إلى طبيعة المبادرة ذاتها: هل يجري التعامل مع المجلس بوصفه شريكاً مؤسسياً في صياغة المشروع، أم باعتباره طرفاً يمكن أن ينضم لاحقاً إلى إطار يجري تشكيله خارجه؟ وهل تستهدف المبادرة البناء على الأطر القائمة وتطويرها، أم أنها تتجه نحو إنشاء مركز سياسي جديد موازٍ لها؟

هذه الأسئلة ليست إجرائية أو تنظيمية، بل تمس جوهر المبادرة. فطريقة بناء التحالفات تكشف في كثير من الأحيان طبيعة المشروع السياسي الكامن وراءها. وإذا كان الهدف هو إنتاج إطار جديد من خارج المؤسسات القائمة، فإن المبادرة قد تجد نفسها تضيف جسماً آخر إلى مشهد يعاني أصلاً من تعدد الأجسام السياسية. أما إذا انطلقت من منطق الشراكة مع القوى والمؤسسات القائمة، فقد تملك فرصة أفضل لبناء توافق أوسع وأكثر استقرارًا.

ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المبادرة لا يتعلق بالتمثيل بقدر ما يتعلق بالثقة. فالمعارضة الإرترية لا تعاني من نقص في القيادات أو التنظيمات، وإنما من تراكم الشكوك الناتجة عن تجارب متكررة لم تنجح في تحقيق ما وعدت به. ولذلك فإن بناء الثقة لن يتحقق عبر البيانات السياسية أو اللقاءات الرمزية، بل من خلال إظهار استعداد فعلي لمراجعة التجارب السابقة، والقبول بالشراكة المتكافئة، والتخلي عن منطق احتكار القيادة أو ادعاء امتلاك الحقيقة السياسية.

ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية التي ستحدد مصير المبادرة. فهي ترفع شعار توحيد المعارضة، لكن نجاحها لن يقاس بقدرتها على جمع التنظيمات داخل إطار واحد بقدر ما سيقاس بقدرتها على توحيد الرؤية التي يفترض أن يحملها هذا الإطار. فالتجربة الإرترية أثبتت أن التنظيمات يمكن أن تجتمع تحت مظلة مشتركة، لكنها سرعان ما تعود إلى الانقسام إذا بقيت الأسئلة المتعلقة بطبيعة الدولة، والمرحلة الانتقالية، وآليات اتخاذ القرار، وحدود الشراكة الوطنية بلا إجابات واضحة.

وعليه، فإن القضية لا تتعلق بمدى استعداد المعارضة للانضمام إلى المبادرة، بل بقدرة المبادرة نفسها على إقناع القوى السياسية بأنها تقدم منهجاً مختلفاً عن سابقاته. فالمعيار الحقيقي لن يكون عدد المشاركين أو حجم التمثيل، وإنما قدرتها على بناء ثقة سياسية جديدة وتقديم رؤية مشتركة تتجاوز الإشكالات التي قادت معظم محاولات التوحيد السابقة إلى التعثر والانقسام.

لماذا أخفقت محاولات التوحيد السابقة؟

يصعب تقييم المبادرة الراهنة بمعزل عن التجربة التاريخية للمعارضة الإرترية. فمنذ تسعينيات القرن الماضي شهدت الساحة السياسية عشرات المؤتمرات والتحالفات والائتلافات التي رفعت شعار الوحدة، لكن معظمها انتهى إلى نتائج محدودة، ليس بسبب غياب الرغبة في التغيير، بل بسبب طبيعة المقاربة التي حكمت تلك المحاولات.

المشكلة الأساسية أن غالبية المبادرات انطلقت من افتراض مفاده أن انقسام المعارضة هو أصل الأزمة، وأن توحيد التنظيمات كفيل بإنتاج قوة سياسية قادرة على إحداث التغيير. غير أن التجربة أثبتت أن الانقسام لم يكن سوى انعكاس لخلافات أعمق تتعلق بطبيعة الدولة ومفهوم الشراكة الوطنية وشكل النظام السياسي بعد التغيير. لذلك، كانت الخلافات تعود إلى الظهور فور انتهاء المؤتمرات، لأن ما جرى الاتفاق عليه كان يتعلق بالهياكل والقيادات أكثر مما يتعلق بالرؤية السياسية المشتركة.

كما كشفت التجربة عن هيمنة ثقافة التنظيم على ثقافة المؤسسة. فالكثير من القوى السياسية تعاملت مع التحالفات باعتبارها امتداداً لولاءاتها التنظيمية والتاريخية، لا باعتبارها مؤسسات مستقلة تحكمها قواعد مشتركة وآليات متفق عليها لإدارة الخلاف. ونتيجة لذلك، بقيت المؤسسات المشتركة أضعف من مكوناتها، وتحولت الخلافات السياسية في أحيان كثيرة إلى صراعات حول التمثيل والنفوذ أكثر من كونها نقاشًا حول البرامج والسياسات.

إلى جانب ذلك، أسهم ضعف البنية الداخلية للمعارضة في زيادة قابليتها للتأثر بالتحولات الإقليمية وتبدل أولويات الأطراف الخارجية. ولم يكن العامل الخارجي سبب الإخفاق بقدر ما كان غياب المشروع الوطني المتماسك هو ما جعل أثره أكبر من حجمه الطبيعي. فالقوى التي تمتلك رؤية واضحة تستطيع إدارة علاقاتها الخارجية من موقع أكثر استقلالاً، بينما تصبح القوى المنقسمة أكثر عرضة للتجاذبات والضغوط.

لكن الإخفاق الأبرز تمثل في اتساع المسافة بين المعارضة والمجتمع الإرتري. فمعظم النشاط السياسي ظل متمركزاً في فضاء المهجر، في حين حالت طبيعة النظام الأمنية دون بناء امتدادات مؤسسية مؤثرة داخل البلاد. ومع مرور الوقت، لم يعد جزء من الرأي العام ينظر إلى خلافات المعارضة بوصفها نقاشاً حول مستقبل الدولة، بل باعتبارها تنافساً بين نخب لم تنجح في الاتفاق على تعريف مشروعها الوطني.

ومن هنا فإن الدرس الأهم الذي تقدمه التجارب السابقة يتمثل في أن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الأطر التنظيمية، بل في غياب رؤية جامعة تمنح تلك الأطر معناها السياسي. فالمؤسسات لا تصنع التوافق، بل تُبنى عليه. وعندما يصبح إنشاء الجسم السياسي هدفاً بحد ذاته، تتحول الوحدة إلى إجراء تنظيمي مؤقت لا يلبث أن يتآكل عند أول اختبار سياسي جدي.

الأزمة الإرترية: أزمة معارضة أم أزمة تأسيس دولة؟

يقود استعراض التجارب السابقة إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تكمن المشكلة فعلاً في انقسام المعارضة، أم أن هذا الانقسام ليس سوى عرض لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الإرترية نفسها؟

في تقديري لا يمكن فهم المأزق الإرتري من خلال المعارضة وحدها. فالأزمة تعود في جذورها إلى الكيفية التي تشكلت بها الدولة بعد الاستقلال. إذ انتقلت شرعية التحرير مباشرة إلى شرعية الحكم، من دون أن تمر البلاد بمرحلة تأسيسية تقوم على التفاوض الوطني حول قواعد السلطة والعقد الاجتماعي والدستور وآليات توزيع القوة داخل الدولة. ومع تأجيل هذه الأسئلة تراكمت الأزمات السياسية والمؤسسية حتى أصبحت جزءاً من بنية النظام ذاته.

لذلك فإن جوهر الأزمة لا يقتصر على غياب الانتخابات أو تعطيل الدستور أو احتكار السلطة، رغم أهمية هذه القضايا، بل يرتبط بغياب توافق وطني مؤسس حول طبيعة الدولة التي يراد بناؤها. فالدساتير يمكن أن تُكتب، والحكومات يمكن أن تتغير، لكن الاستقرار السياسي يظل هشاً إذا بقي الخلاف قائماً حول الأسس التي تقوم عليها الدولة نفسها.

ومن هذا المنطلق، تبدو بعض المقترحات المتداولة بشأن المجالس الاستشارية أو الحكومات الانتقالية وكأنها تبدأ من منتصف الطريق. فهي تركز على أدوات إدارة المرحلة الانتقالية قبل حسم الأسئلة التي تمنح تلك الأدوات شرعيتها. فالمؤسسات الانتقالية ليست غاية في ذاتها، وإنما تعبير عن توافق سياسي سابق حول من يمثل ومن يقرر وبأي قواعد تُدار المرحلة المقبلة.

وهنا تبرز مجموعة من القضايا التي لا يمكن لأي مشروع وطني تجاوزها إذا أراد أن يقدم معالجة جذرية للأزمة الإرترية، وفي مقدمتها:

1. طبيعة الدولة: هل المطلوب إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية الصارمة، أم بناء دولة تقوم على اللامركزية السياسية والإدارية وتوزيع السلطة بصورة أكثر توازناً؟

2. العقد الاجتماعي: ما هي القواعد التي تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ وما هي الضمانات التي تمنع احتكار السلطة أو تغولها على المجتمع؟

3. إدارة التعدد: كيف يمكن بناء نظام سياسي يعترف بالتنوع الثقافي والديني واللغوي ويحول هذا التنوع إلى مصدر قوة لا إلى عامل انقسام؟

4. مرحلة الانتقال: ما هي طبيعة المرحلة الانتقالية المطلوبة؟ ومن يديرها؟ وما هي حدود صلاحياتها؟ وكيف تُضمن شرعيتها؟

5. العلاقة بين الداخل والخارج: كيف يمكن بناء مشروع وطني مستقل عن التجاذبات الإقليمية والدولية، دون أن يكون معزولاً عن البيئة المحيطة؟

هذه الأسئلة ليست نظرية، بل تمثل جوهر الأزمة التي لم تُحسم منذ الاستقلال. ولذلك فإن أي مبادرة تتجاهلها أو تؤجلها ستجد نفسها تعيد إنتاج المأزق نفسه مهما كانت النوايا إيجابية.

وفي هذا السياق، تبدو المبادرة الحالية أمام اختبار حقيقي: هل ستكتفي بتجميع القوى السياسية داخل إطار تنظيمي جديد، أم أنها ستتجه نحو فتح نقاش وطني واسع حول الأسئلة التأسيسية التي ظلت مؤجلة لعقود؟ وهل ستتمكن من بناء توافق سياسي يعالج جذور الأزمة، أم أنها ستنتهي إلى إضافة فصل جديد إلى سلسلة المبادرات التي لم تكتمل؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت المبادرة تمثل بداية مسار جديد، أم أنها مجرد حلقة أخرى في دورة سياسية لم تنجح حتى الآن في تجاوز مأزق التأسيس الأول للدولة الإرترية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى