أخبار اريترياإثيوبيااريترياالسودانتقاريرجيبوتيسياسة
أخر الأخبار

الصمت الدبلوماسي المعيب: كيف غابت أسمرا عن وداع حليفها السابق بالدوحة؟

تحقيق يتقصى خفايا العلاقة الاستثنائية بين الشيخ حمد بن خليفة وأسياس أفورقي.. من خنادق الوساطة والجنود القطريين على الحدود إلى برود المقاطعة الهادئ.

اعداد | رصد اريتريا 

المقدمة: السؤال المعلق في سماء الدوحة

في صبيحة الثاني عشر من يوليو/تموز 2026، خيّمت أجواء الحزن على العاصمة القطرية الدوحة مع إعلان وفاة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؛ الرجل الذي ارتبط اسمه بتحولات كبرى في السياسة القطرية الحديثة وبناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ في العالمين العربي والإفريقي.

خلال ساعات قلائل، بدأت وفود التعزية الرسمية بالوصول إلى الدوحة من رؤساء دول وملوك وأمراء ووزراء خارجية وسفراء. امتلأت شاشات التلفزة ووكالات الأنباء بصور الوفود الرسمية وهي تؤدي واجب العزاء، فيما تدفقت برقيات المواساة من مختلف أنحاء العالم.

لكن وسط هذه التغطية المتسارعة، برز سؤال صامت أثار انتباه المتابعين للعلاقات القطرية–الإريترية: أين إريتريا؟ وأين رئيسها أسياس أفورقي؟

لم يكن هذا السؤال نابعاً من مقتضيات البروتوكول الدبلوماسي فحسب، بل من تاريخ طويل وشخصي جمع الشيخ حمد بن خليفة بالرئيس الإريتري لعقود من الزمن. فقد شهدت علاقتهما محطات وُصفت بأنها من أكثر العلاقات تميزاً بين الدوحة ودولة إفريقية ناشئة؛ بلغت حد نشر قوات قطرية عسكرية على الحدود الإريترية، والوساطة في النزاعات السيادية.

رغم أن الواقع الرسمي بعد وفاة الشيخ حمد بن خليفة يشير إلى أن السفير الإريتري في الدوحة قدّم برقيات تعزية ووصف الفقيد بالقائد الاستثنائي، وأعلنت السفارة تنكيس الأعلام وفتح سجل عزاء، إلا أن أحداً لم يرَ الرئيس أفورقي أو وفداً رفيع المستوى في مجلس العزاء بالدوحة.

هذا التحقيق لا ينطلق من فرضية قطيعة تامة، ولا من ادعاء تحالف مستمر، بل يبحث في فصول الحكاية القطرية الإرترية من خلال تساؤل استقصائي بسيط: كيف بدأت هذه العلاقة؟ كيف تشابكت خيوطها؟ ولماذا انتهت إلى هذا المشهد الصامت؟

الفصل الأول: الفراغ الاستراتيجي.. قبل أن تصبح قطر شريكاً لأسمرا (1991 – 1995)

عندما دخل مقاتلو الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا العاصمة أسمرا في مايو/أيار 1991، كانت البلاد تخرج لتوها من رماد حرب استمرت قرابة ثلاثة عقود ضد الدولة الإثيوبية. كانت إريتريا في تلك المرحلة دولة حديثة الولادة، تكافح لإيجاد موطئ قدم في المنظومة الدولية، وبناء اقتصاد متهالك، والبحث عن شركاء سياسيين ومصادر للاستثمار والشرعية.

في تلك الأثناء، لم تكن دولة قطر قد برزت بعد كفاعل رئيسي في القرن الإفريقي أو كراعية لملفات الوساطة الدولية المعقدة. كان الاهتمام القطري بالشؤون الإفريقية باهتاً ومحدوداً، ولم تكن عقيدة “الوساطة القطرية” قد تشكلت ملامحها بعد لتشمل السودان ولبنان وأفغانستان.

لكن الجغرافيا كانت تفرض منطقها؛ فإريتريا – وإن لم تكن دولة عربية الهوية – تطل بجسدها على البحر الأحمر وتجاور شبه الجزيرة العربية، مما منحها أهمية استراتيجية بالغة لدول الخليج. وبعد الاستفتاء التاريخي الذي أفضى إلى الاستقلال الرسمي عام 1993، كانت قطر من أوائل الدول العربية التي سارعت للاعتراف بالجمهورية الناشئة وإقامة علاقات دبلوماسية معها. لم تكن العلاقة وقتها استثنائية، لكنها وضعت حجر الأساس لتقارب سيتحول لاحقاً إلى محور ارتكاز للسياسة القطرية في شرق إفريقيا.

الفصل الثاني: البوابات الذهبية للبحر الأحمر.. ومواقف ما قبل الاستقلال

في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم في قطر عام 1995، حاملاً رؤية دبلوماسية جديدة تسعى لبناء سياسة خارجية مستقلة تماماً، ترتكز على توسيع شبكة التحالفات خارج الأطر الخليجية التقليدية.

وفي هذه اللحظة التاريخية، التقت حسابات الدوحة مع احتياجات أسمرا؛ إذ كانت قطر تعتمد استراتيجياً على كل من أسمرا والخرطوم لفتح مداخل ومنافذ حيوية لها نحو القارة الإفريقية، وإن كانت علاقات الدوحة بالخرطوم تاريخياً وظلت دائماً أقوى من علاقتها بإريتريا.

ومع ذلك، وظل لأسمرا وزنها الخاص في الحسابات القطرية؛ فالدوحة كانت تبحث عن نفوذ يتجاوز حجمها الجغرافي، وكانت منطقة القرن الإفريقي المطلة على باب المندب والبحر الأحمر هي الميدان الأمثل لهذا الدور. إريتريا كانت تملك ساحلاً يمتد لأكثر من ألف كيلومتر على البحر الأحمر، وموانئ استراتيجية بالغة الأهمية مثل مصوع وعصب.

ولم يكن هذا التقارب وليد لحظة الاستقلال فحسب؛ بل امتداداً لمواقف تاريخية مشرفة لدولة قطر التي وقفت إلى جانب نضال الشعب الإريتري إبان مرحلة الثورة وقدمت له دعماً ثابتاً ومتواصلاً.

وفي شهادة تاريخية هامة للأستاذ علي محمد صالح شوم (ممثل جبهة التحرير الإريترية في الكويت ومستشار السفارة الإريترية بالإمارات سابقاً) نشرها موقع عونا الإريتري، يوضح كيف امتد هذا الدعم ليشمل مجالات حيوية وإنسانية هامة:

الدعم الأكاديمي والتنموي: تقديم المنح الدراسية التي أتاحت لعدد كبير من الطلاب الإريتريين فرصة الدراسة في المدارس والجامعات القطرية، فتخرج فيها العديد من الكفاءات التي أسهمت في خدمة وطنها.

الدعم الإعلامي المتميز: كان للإعلام القطري، ممثلاً في وكالة الأنباء القطرية والصحف الرسمية، دور بارز في نقل أخبار الثورة الإريترية وإبراز انتصاراتها ونضالها العادل للعالم.

ويكشف الأستاذ شوم في شهادته عن موقف مالي مباشر ومنقذ للثورة الإريترية في فترة حرجة قائلاً:

“في عام 1981م، عندما كنت ممثلاً لجبهة التحرير الإريترية في دولة الكويت، التقيت بالسيد العطية، سفير دولة قطر لدى الكويت، وشرحت له الأزمة المالية الخانقة التي كانت تمر بها الجبهة، وسلمته مذكرة أطلب فيها دعماً عاجلاً لتجاوز تلك المحنة. وقد أرفق السفير مذكرتنا برسالة أوصى فيها بتقديم المساعدة. وبعد أسبوع واحد فقط، وصلت مساهمة دولة قطر، وقدرها مليون دولار أمريكي، إلى حساب التنظيم في أحد بنوك الكويت. وقد كان لذلك الدعم أثر بالغ في تجاوز الأزمة وإنقاذ الموقف في ذلك الوقت”.

الفصل الثالث: كيمياء الأشخاص وبواكير عهد الاستقلال (1995 – 2003)

مع تكرار اللقاءات الثنائية بين الشيخ حمد بن خليفة وأسياس أفورقي، بدأت العلاقة تأخذ طابعاً يتجاوز الحسابات الرسمية الباردة للدول، ليقترب من الكيمياء الشخصية المنسجمة بين الرجلين آنذاك. وانعكس هذا التقارب بوضوح على لغة الخطاب الدبلوماسي التي اتسمت بالحميمة السياسية مثل: “العلاقات الأخوية المتميزة” و”الحرص البالغ على تطوير التعاون المشترك”.

وتأكيداً على هذه الحفاوة الاستثنائية التي حظيت بها إريتريا منذ أيامها الأولى كدولة مستقلة، يروي الأستاذ علي محمد صالح شوم تفاصيل اللقاء الأول بالشيخ حمد بن خليفة بعد التحرير قائلاً:

“يحضرني في هذا المقام أنه بعد استقلال إريتريا زرت دولة قطر برفقة السفير الراحل محمد عمر محمود، الذي كان سفير إريتريا بدولة الإمارات العربية المتحدة، وكنت حينها مستشاراً بنفس السفارة. وكان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني آنذاك أميراً للبلاد، فاستقبلنا بحفاوة بالغة، وأبدى سعادته الكبيرة باستقلال إريتريا، وقدم لنا دعماً كريماً كان له بالغ الأثر”.

الفصل الرابع: قبل جيبوتي.. كيف فكّ الشيخ حمد حصار أسمرا في الخرطوم وصنعاء؟

يعتقد كثير من الباحثين أن الدور القطري الحاسم في إريتريا بدأ مع ملف وساطة جيبوتي عام 2010. غير أن وثائق الأرشيف الدبلوماسي تكشف فصلاً أقدم وأكثر حساسية كاد أن يعيد تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي بالكامل.

في عام 1998، كانت إريتريا تعيش أسوأ حالات عزلتها الإقليمية: علاقاتها مقطوعة تماماً مع السودان في الغرب، وحرب دموية طاحنة تشتعل مع إثيوبيا في الجنوب، وتوترات بحرية محتدمة مع اليمن في الشرق حول أرخبيل حنيش.

وهنا تدخل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وسيطاً مباشراً لرسم مخرج دبلوماسي لأسمرا:

إعادة العلاقات بين الخرطوم وأسمرا (1998 – 1999): أسهم الشيخ حمد بن خليفة في إعادة العلاقات الثنائية بين الجارتين بتدخل شخصي مباشر منه. وقاد جهوداً مضنية لتقريب وجهات النظر بين أسياس أفورقي والرئيس السوداني عمر البشير، ووعد بتقديم استثمارات قطرية ضخمة في المناطق الحدودية بين البلدين لم يتحقق منها شيء على أرض الواقع، لكن المساعي توّجت بتوقيع اتفاق الدوحة التاريخي الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية وأرسى مبادئ حسن الجوار.

احتواء تصعيد اليمن (1995): إبان اندلاع النزاع حول جزر حنيش بالبحر الأحمر، بادرت الدوحة بالتحرك السريع دبلوماسياً بين صنعاء وأسمرا لتهدئة الأوضاع ومنع انفجار حرب بحرية شاملة.

تظهر هذه المحطات التاريخية نمطاً متكرراً: لم يكن قبول أسمرا بالدور القطري ترفاً، بل كان ناتجاً عن سنوات طويلة من بناء الثقة، حيث أثبتت قطر للرئيس أسياس أنها قادرة على لعب دور “طوق النجاة” السياسي في اللحظات الحرجة.

الفصل الخامس: ثلاثة عقود من القمم.. التسلسل الزمني للاتصالات والزيارات الرسمية

ليكتمل التوثيق العلمي بعيداً عن تشتت التواريخ في الروايات المتداولة، يحدد هذا التحقيق التسلسل الزمني الدقيق لأبرز اللقاءات والرسائل التي شكلت عصب العلاقة بين القيادتين في أوج تقاربهما:

2 مايو/أيار 1999: قمة ثلاثية في الدوحة جمعت الشيخ حمد بن خليفة، وأسياس أفورقي، وعمر البشير، لإعلان المصالحة الإريترية-السودانية الرسمية وتوقيع اتفاقية السلام.

6 يونيو/حزيران 2010: قمة ثنائية تاريخية بالدوحة جمعت أفورقي بالرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله برعاية وحضور الشيخ حمد بن خليفة لتوقيع اتفاقية حل النزاع الحدودي وتفويض أمير قطر بإدارة الملف.

يناير/كانون الثاني 2012: زيارة عمل موسعة قام بها الرئيس أسياس أفورقي للدوحة استمرت عدة أيام، عقد خلالها جلسة مباحثات رسمية مع الشيخ حمد بن خليفة تلتها مأدبة غداء كبرى أقيمت على شرفه.

مايو/أيار 2013: بعث الرئيس أسياس رسالة خطية إلى الشيخ حمد بن خليفة، تسلمها الشيخ تميم بن حمد بصفته نائباً للأمير آنذاك من السفير الإريتري علي إبراهيم أحمد، لترسيخ استمرار قنوات الاتصال حتى مع ترتيبات انتقال السلطة في قطر.

ديسمبر/كانون الأول 2015: زيارة رسمية قام بها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى العاصمة أسمرا، حيث التقى بالرئيس أسياس أفورقي وبحث معه سبل تطوير العلاقات الثنائية، مما أثبت استمرارية العلاقة ومأسستها بعد انتقال الحكم.

الفصل السادس: وساطة القرن.. عندما أصبح الشيخ حمد بن خليفة ضامناً للحدود الإفريقية (2008 – 2010)

في يونيو/حزيران 2008، اندلعت اشتباكات عسكرية مفاجئة وعنيفة بين الجيشين الإريتري والجيبوتي في منطقة “رأس دميرة” المتنازع عليها وجزيرة دميرة. أسفرت المواجهات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وتصاعدت نبرة التهديدات بالحرب الشاملة، مما أثار قلقاً دولياً بالغاً نظراً لإشراف المنطقة على خطوط الملاحة الدولية والقواعد العسكرية الحساسة في جيبوتي.

بينما اكتفت القوى الكبرى ببيانات القلق، تحركت الدوحة بطلب من الطرفين. وقاد الشيخ حمد مفاوضات شاقة استمرت عامين كاملين تنقلت خلالها الوفود بين الدوحة وأسمرا وجيبوتي.

تكللت الجهود في 6 يونيو 2010 بتوقيع اتفاقية سلام وصفتها تقارير دولية بـ “النجاح الدبلوماسي الأكبر لقطر في إفريقيا”. بموجب هذا الاتفاق، لم تكن قطر مجرد وسيط يسهل التفاوض، بل فوضها الطرفان بموجب نص رسمي بـ “سلطات واسعة لوضع الآلية القانونية والفنية للتسوية النهائية وقبول ما يصدر عن أمير قطر كقرار ملزم وضامن للأمن والحدود”.

الفصل السابع: الجنود القطريون على الحدود.. سابقة عسكرية خليجية في إفريقيا

لم يقف الاتفاق عند حدود الصياغات الدبلوماسية؛ بل تجسد في خطوة عسكرية وصفتها الصحافة الدولية بالاستثنائية والجريئة بالنسبة لدولة خليجية: إرسال مئات الجنود من القوات المسلحة القطرية للفصل بين الجيشين المتواجهين على الحدود.

أمضى الجنود القطريون 7 سنوات كاملة مرابطين على طول الشريط الحدودي الوعر لضمان عدم تجدد القتال والاشتباكات ومراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار. كانت هذه الخطوة بمثابة إثبات عملي على قدرة قطر على أداء مهام حفظ السلام الدولية بمفردها ودون الحاجة للمظلات التقليدية مثل الناتو أو هيئة الأمم المتحدة، مما وضع الدوحة في مكانة دولية فريدة وأعطى إريتريا جدار حماية أمني مستقر طوال تلك الفترة.

الفصل الثامن: تصدعات مكتومة.. الثورة الليبية ومنظمة “الساحل والصحراء”

على الرغم من هذا التحالف والتعاون الظاهري الممتد حتى عام 2016، فإن رصد المسار التاريخي يكشف أن بذور الخلاف والتباين بدأت تنمو في غرف الدبلوماسية المغلقة قبل أزمة عام 2017 بمدة طويلة، لتشكل التصدع الصامت الأول في جدار العلاقات. وكان التباين الحاد في مواقف البلدين تجاه رياح التغيير في ليبيا عام 2011 واحداً من أبرز العوامل التي سرّعت بتدهور العلاقات الثنائية لاحقاً.

فبينما ساندت دولة قطر بقوة الثورة الشعبية الليبية وحشدت لها الدعم الدبلوماسي والإعلامي، كان للرئيس أسياس أفورقي موقف مغاير تماماً؛ إذ كان في حلف وثيق جداً مع العقيد معمر القذافي. هذا الحلف الإريتري-الليبي تجسّد بوضوح في قوة العلاقات الثنائية بين البلدين، وانضمام إريتريا الفاعل لمنظمة تجمع دول الساحل والصحراء (س.ص) التي أسسها ورعاها القذافي لتكون ذراعاً لنفوذه الإفريقي.

هذا التباين الجوهري في الملف الليبي أوجد فجوة عميقة في تقدير المواقف الأمنية والسياسية بين الدوحة وأسمرا، وأثبت للطرفين أن لكل منهما أولويات وتحالفات أيديولوجية واستراتيجية قد لا تلتقي بالضرورة عند نفس المنعطفات، ممهداً الطريق للانهيار الكبير.

الفصل التاسع: أسبوع الزلزال الدبلوماسي والاتهامات المتبادلة

في العلاقات الدولية، قد يتطلب بناء الثقة عقوداً من الزمن، غير أن الانهيار قد يحدث في غضون أيام قليلة. هذا ما تجسد حرفياً في الخامس من يونيو/حزيران 2017 عندما اندلعت أزمة الخليج السياسية، وأعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتها مع قطر.

امتدت شظايا الأزمة سريعاً إلى القرن الإفريقي الحساس. وفي 8 يونيو 2017، أعلنت الحكومة الإريترية انحيازها وتأييدها للمحور السعودي الإماراتي، مغيرةً بوصلتها الدبلوماسية بشكل كامل. وجاءت هذه الخطوة مدفوعة بحسابات أمنية واستراتيجية جديدة؛ منها التحالف العسكري الإماراتي-الإريتري في ميناء عصب لدعم العمليات في اليمن، ورغبة أسمرا في كسر عقود من العقوبات الدولية عبر بوابتي الرياض وأبوظبي.

جاء الرد القطري فورياً وسريعاً: في غضون أيام قلائل، سحبت قطر كامل قواتها العسكرية المرابطة على الحدود الإريترية-الجيبوتية، تاركةً الحدود أمام فراغ أمني وسجالات حدودية متجددة اتهمت فيها جيبوتي أسمرا بالتوغل العسكري في مواقع الانسحاب.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ دخلت العلاقات الثنائية مرحلة شديدة الحرج والجمود عندما وجّهت أسمرا اتهامات رسمية ومباشرة للدوحة وأنقرة بالتعاون والتنسيق الأمني والسياسي من أجل إسقاط النظام الإريتري الحاكم وتدبير مؤامرات لزعزعة استقرار البلاد. هذه الاتهامات الحادة والعلنية كانت بمثابة الرصاصة التي أدخلت العلاقات الثنائية بالكامل في “الثلاجة” وجمدت كافة القنوات الدبلوماسية الدافئة التي بُنيت على مدى عقود.

الفصل العاشر: تفكيك الأسطورة.. حقيقة الدعم والفرص التنموية المهدرة

يتكرر في الأدبيات الإعلامية والتحليلات السياسية مصطلح مطاطي يدعي أن “قطر كانت الممول والداعم الأكبر لإريتريا”. لكن تفكيك هذه الفرضية بناءً على التوثيق الفعلي وشهادات الدبلوماسيين يكشف فجوات كبرى وصورة مغايرة:

الدعم العسكري والتسليح (مبالغة بلا دليل): لا توجد أي وثيقة رسمية أو تقرير أممي يثبت قيام قطر بتقديم دعم تسليحي أو تمويل مباشر للجيش الإريتري. الوجود العسكري القطري اقتصر على قوة فصل ومراقبة بموجب اتفاق سياسي معلن ومرحب به دولياً.

الدعم الإنمائي الحقيقي (مشاريع ملموسة): تشير الحقائق التاريخية إلى أن الدعم القطري لإريتريا استمر كقناة بناءة وداعمة حتى بعد التحرير، وتجسد بشكل واضح في مساهمة قطر الحيوية في رصف الطريق الاستراتيجي الهام الواصل بين مدينتي مصوع وعصب الساحليتين.

الدعم الاقتصادي والاستثماري (محاولات قطرية وتمنّع إريتري): تكشف شهادة الأستاذ علي محمد صالح شوم جانباً بالغ الأهمية حول تجميد فرص الاستثمار بعد التحرير؛ حيث أكد أنه على الرغم من المبادرات والجهود القطرية المتكررة للاستثمار في مجالات تنموية وعمرانية عدة في إريتريا، فإن هذه الرغبة القطرية الجادة والفرص الاقتصادية “لم تجد أي تجاوب أو تفاعل إيجابي من قِبل النظام الإريتري”، مما حال دون تحول تلك الفرص إلى واقع اقتصادي يعود بالنفع على الشعب الإريتري.

الفصل الحادي عشر: بعدسة الصحافة العالمية والمحافل الدولية.. كيف رأى العالم هذا التحالف؟

لم تكن العلاقة بين الشيخ حمد بن خليفة وأسياس أفورقي شأناً ثنائياً عادياً، بل حظيت بمتابعة دقيقة ورصد مستمر من قبل الفاعلين الدوليين والصحافة العالمية:

الأمم المتحدة ومجلس الأمن: رحب الأمين العام للأمم المتحدة رسمياً باتفاق الدوحة عام 2010، وأشاد وكيل الأمين العام للشؤون السياسية بالدور العسكري والسياسي القطري، مؤكداً أمام مجلس الأمن أن بقاء القوات القطرية يمثل صمام أمان لاستقرار المنطقة وحماية خطوط التجارة الدولية.

بريطانيا والقوى الغربية: أشادت الحكومة البريطانية مراراً بالوساطة القطرية، وعبر رئيس الوزراء البريطاني في لقاءات رسمية مع القيادة القطرية عن تقديره للدور القيادي المستمر للدوحة في القرن الإفريقي واستقرار البحر الأحمر.

الصحافة الدولية (رويترز): ركزت وكالة رويترز والوكالات العالمية على قراءة التحركات القطرية بأبعادها الجيوسياسية الشاملة، رابطةً العلاقة مع إريتريا برغبة الدوحة في حجز مقعد متقدم في ملف الأمن البحري الإقليمي، دون الانزلاق إلى تبريرات ترتكز على “العلاقات الشخصية” البحتة.

الفصل الثاني عشر: جمر الدبلوماسية تحت الرماد ودلالات غياب أسياس أفورقي عن وداع صديق الأمس (يوليو 2026)

نعيد طرح السؤال الذي بدأنا به هذا التحقيق الاستقصائي: لماذا غاب الرئيس أسياس أفورقي عن وداع حليفه السابق وصديق الأمس بالدوحة في يوليو 2026؟

تخبرنا القراءة المعمقة للمشهد بوجود ثلاثة أبعاد رئيسية تفسر هذا الصمت الدبلوماسي:

1. البعد اللوجستي والبروتوكولي العاجل

تقام الجنازات الرسمية في قطر والخليج بشكل عاجل وسريع تماشياً مع العادات الإسلامية، مما يجعل التنسيق الفوري لزيارة رئيس دولة أمراً بالغ التعقيد لوجستياً وأمنياً وبروتوكولياً. ولهذا تكتفي الدول غالباً بتكليف سفاراتها المعتمدة بتمثيلها، وهو ما فعلته أسمرا رسمياً عبر سفيرها علي إبراهيم أحمد وتنكيس الأعلام وفتح سجل للتعازي.

2. البعد السياسي والاصطفافات الإقليمية

منذ عام 2017، ورغم هدوء الأزمات الخليجية لاحقاً، لم تعد العلاقات القطرية-الإريترية إلى سابق عهدها من الدفء والتحالف المفتوح. فبعد اتهامات أسمرا للتحالف القطري-التركي بمحاولة إسقاط نظامها، واستقرار العلاقات الإريترية مع الرياض وأبوظبي، أصبحت الدبلوماسية محكومة بحسابات باردة للغاية. لقد غدا حضور الرئيس أسياس شخصياً لمراسم العزاء يحمل دلالات سياسية قد لا ترغب أسمرا في إرسالها لشركائها الإقليميين الحاليين في هذا التوقيت.

3. البعد الرمزي: بقاء القنوات المواربة

إن الاكتفاء بالتمثيل الدبلوماسي للسفير والبيانات الدافئة دون تصعيد أو تجاهل تام يثبت أن “جمر الدبلوماسية” بين البلدين لا يزال حياً تحت الرماد رغم وضعه الطويل في “الثلاجة”. لقد غاب أسياس أفورقي جسداً عن مجلس العزاء، لكن إرث الاتفاقيات، والوساطات التاريخية، والجنود القطريين الذين سهروا يوماً على حماية حدود بلاده، يظلون فصلاً هاماً لا يمكن محوه من ذاكرة القرن الإفريقي، ويبقى شاهداً على حقبة صاغها الشيخ حمد بن خليفة والتقى فيها طموح الدوحة مع حاجة أسمرا.

انتهى التحقيق 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى