
رصد اريتريا : تقرير خاص
في قاعات المؤتمرات، عادةً ما يتحدث الرؤساء والوزراء والدبلوماسيون. أما في منتدى أوسلو للحرية، فغالبًا ما يبدأ الحديث من مكان مختلف تمامًا: زنزانة انفرادية، أو غرفة تحقيق، أو رحلة هروب عبر الحدود، أو سنوات من المنفى.
منذ تأسيسه عام 2009، أصبح منتدى أوسلو للحرية (Oslo Freedom Forum) أحد أبرز التجمعات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والديمقراطية، لكنه لا يشبه المؤتمرات السياسية التقليدية. فبدلًا من التركيز على البيانات الرسمية والخطابات الدبلوماسية، يمنح المنصة لأولئك الذين عاشوا القمع بأجسادهم وذاكرتهم، ليقدموا شهاداتهم مباشرة أمام جمهور يضم مسؤولين حكوميين، وصحفيين، وأكاديميين، ومستثمرين، وممثلين عن منظمات دولية.
ينظم المنتدى مؤسسة حقوق الإنسان (Human Rights Foundation)، ومقرها نيويورك، انطلاقًا من قناعة مفادها أن التجربة الشخصية قد تكون أبلغ من التقارير الرسمية في كشف طبيعة الأنظمة السلطوية. ولهذا، تحولت المنصة خلال أكثر من خمسة عشر عامًا إلى مساحة يلتقي فيها سجناء الرأي السابقون، والصحفيون، والمدافعون عن الحقوق المدنية، مع صناع القرار والمؤسسات الدولية. (Oslo Freedom Forum)
منبر للقصص التي لا تصل
لا يصدر المنتدى قرارات ملزمة، ولا يمتلك أدوات ضغط سياسية مباشرة، لكنه يؤدي وظيفة مختلفة: إبقاء القضايا التي تحاول الأنظمة إخفاءها حاضرة في النقاش العالمي.
كثير من المتحدثين يصلون إلى أوسلو بعد سنوات من الاعتقال أو التعذيب أو المنفى. بعضهم فقد أفرادًا من أسرته، وآخرون أمضوا سنوات في السجون دون محاكمة. وفي كل دورة، تتحول هذه القصص الفردية إلى جزء من سجل عالمي يوثق أنماط الانتهاكات في عشرات الدول.
ويصف مراقبون المنتدى بأنه “دافوس حقوق الإنسان”، ليس لأنه يناقش الاقتصاد أو السياسة الدولية، بل لأنه يجمع شخصيات مؤثرة من مختلف القطاعات حول قضية واحدة: حماية الإنسان عندما تفشل مؤسسات بلاده في حمايته.
عندما تصبح إريتريا جزءًا من النقاش العالمي
ضمن القضايا التي حظيت بحضور متكرر في المنتدى، تبرز إريتريا، الدولة التي ما تزال تواجه انتقادات متواصلة بسبب أوضاع الحريات العامة وحرية الصحافة.
فبحسب مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، جاءت إريتريا في المرتبة 180 من أصل 180 دولة، وهي المرتبة الأخيرة عالميًا، في ظل استمرار حظر وسائل الإعلام المستقلة وغياب الصحافة الحرة داخل البلاد. (rsf.org)
هذا الواقع جعل المنتدى مساحة مهمة للصحفيين الإريتريين الذين لم يعد بإمكانهم العمل داخل وطنهم، بل وجدوا في المنفى المكان الوحيد القادرين فيه على سرد قصصهم.
أرقا ألم فسها… من الإذاعة إلى السجن ثم إلى منصة أوسلو
من بين تلك الأصوات، برزت الصحفية والكاتبة والشاعرة الإريترية أرقا ألم فيسها ، التي وقفت أمام جمهور المنتدى لتروي كيف تحولت من مقدمة برامج إذاعية إلى سجينة سياسية.
بدأت فسها مسيرتها في راديو بانا، وهو مشروع إعلامي تابع لوزارة التعليم ركز على البرامج الثقافية والتوعوية. لكن في عام 2009، اعتُقلت مع عدد من زملائها، وأمضت أكثر من خمس سنوات في الاحتجاز، بينها فترات في الحبس الانفرادي، قبل أن تُفرج عنها لاحقًا وتغادر البلاد إلى المنفى. وخلال مشاركتها في المنتدى، لم تقدم رواية شخصية فحسب، بل استخدمت تجربتها لتسليط الضوء على تأثير القمع على الأسر الإريترية، والثمن الذي يدفعه الصحفيون عندما يصبح نقل المعلومات جريمة. (Oslo Freedom Forum)
أكثر من مؤتمر
لا تنتهي جلسات المنتدى بانتهاء الكلمات. فالمحاضرات تُترجم إلى لغات متعددة، وتُنشر عبر المنصات الرقمية، وتُستشهد بها في تقارير إعلامية وأبحاث أكاديمية، كما تفتح أمام المشاركين أبواب التعاون مع مؤسسات إعلامية ومنظمات حقوقية وشبكات دولية للدفاع عن الحريات.
وفي زمن تتراجع فيه مساحة العمل المدني في العديد من الدول، يسعى المنتدى إلى تحويل الشهادات الفردية إلى ذاكرة جماعية يصعب محوها، وإلى إبقاء أسماء المعتقلين والمختفين والصحفيين المنفيين حاضرة في الوعي العالمي.
ورغم أن المنتدى لا يستطيع إطلاق سراح سجين أو تغيير سياسات دولة بمفرده، فإنه ينجح في أداء مهمة لا تقل أهمية: كسر العزلة التي تحاول الأنظمة فرضها على ضحاياها، ونقل أصواتهم من الزنازين إلى منصة دولية يسمعها العالم.




