
رصد اريتريا | الكاتب / إبراهيم قارو
حين يرحل أحد شهود التاريخ، لا يغيب شخص فقط، بل تغيب معه تفاصيل وتجارب وذاكرة قد لا تجد طريقها إلى صفحات الكتب أو أرشيفات المؤسسات. وفي البلدان التي مرت بتحولات كبرى، تصبح شهادات الذين عاشوا الأحداث جزءاً من الذاكرة الوطنية، لأن التاريخ لا يُكتب بالوثائق وحدها، بل أيضاً بأصوات من صنعوا تلك المراحل وعايشوا لحظاتها الحاسمة.
رحيل المناضل محمود عثمان عبد الله المعروف بـ”محمود عراقي” يفتح من جديد سؤالاً يتجاوز سيرة رجل شارك في مسيرة التحرير الإرترية؛ إنه يعيد طرح قضية أعمق تتعلق بمصير الذاكرة الوطنية في إرتريا: من يحفظ شهادات جيل التأسيس؟ ومن يكتب تاريخ تجربة تحرر طويلة شارك في صناعتها العديد من الأفراد والقوى والتيارات؟
فالأزمة في إرتريا لا تكمن فقط في تعدد الروايات حول الماضي، بل في تراجع المساحة المتاحة لحفظ هذا التعدد وتوثيقه. فحين تختفي الشهادات قبل تسجيلها، يصبح التاريخ عرضة لأن يُختزل في رواية واحدة، لا لأنها الأكثر اكتمالاً، وإنما لأنها الأكثر حضوراً وقوة.
و لا تكمن الأزمة في إرتريا في تعدد الروايات التاريخية، بل في سعي السلطة الحثيث على مدى عقود لتقليص هذا التعدد حتى كاد يندثر. فالتاريخ كما تكشف تجارب عديدة شهدتها حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا، لا يتحول إلى ساحة أزمة عندما تتنافس القراءات المختلفة للماضي، بل عندما تنجح سلطة ما في احتكار حق تعريف ذلك الماضي وتفسيره وتحديد حدوده. عندئذ لا يعود الصراع حول الوقائع نفسها، وإنما حول من يملك شرعية روايتها، ومن يملك سلطة تحويلها إلى ذاكرة وطنية ملزمة للجميع.
ومن هذا المنظور يكتسب رحيل المناضل محمود عثمان عبد الله المعروف ب”محمود عراقي “رحمه الله دلالة تتجاوز حدود المناسبة الشخصية أو الوطنية. فالرجل لم يكن حالة فردية أو اسماً عابراً في سجل الثورة الإرترية، بل كان واحداً من أبناء الجيل الذي شارك في بناء مشروع التحرير في مراحله المبكرة. فمنذ التحاقه بالثورة أواخر عام 1966، ثم ابتعاثه إلى العراق للتأهيل العسكري وعودته إلى الميدان برتبة ملازم أول، ظل جزءًا من التجربة التي أسهمت في تشكيل البنية العسكرية والتنظيمية لجبهة التحرير الإرترية. وبعد خروج الجبهة من الميدان عام 1980، امتدت رحلته مع المنافي شأن كثيرين من أبناء ذلك الجيل الذين انتهت بهم مسارات النضال خارج الوطن الذي سعوا إلى تحريره. وحين رحل مساء الإثنين السادس من يونيو 2026 في القاهرة، بعيداً عن وطنه وعن قريته “حديش” على ساحل البحر الأحمر، لم يكن الحدث مجرد نهاية لسيرة مناضل، بل يعتبر تذكيراً جديداً بأن جزءًا مهماً من تاريخ إرتريا ما يزال عالقاً بين ذاكرة الشهود وغياب التوثيق.
وتنبع أهمية هذا المعنى من أن أزمة التاريخ في إرتريا لا تعود أساساً إلى نقص المصادر أو ضعف البحث الأكاديمي، بقدر ما ترتبط بطبيعة العلاقة التي تشكلت بين السلطة والذاكرة منذ الاستقلال. فالتاريخ لم يُعامل باعتباره ملكية وطنية مشتركة أو مجالاً مفتوحاً للبحث والمراجعة، وإنما جرى التعامل معه باعتباره أحد مصادر الشرعية السياسية. ولهذا لم يكن احتكار الرواية التاريخية نتيجة عفوية أو تطور طبيعي في كتابة التاريخ الوطني، بل كان جزءًا من عملية أوسع هدفت إلى احتكار شرعية التأسيس ذاتها.
فكما احتكرت السلطة المجال السياسي، سعت كذلك إلى احتكار المجال الرمزي الذي تتشكل داخله الذاكرة الجماعية. وكان إدراكها واضحاً بأن السيطرة على مؤسسات الدولة لا تكفي وحدها لضمان استمرار الشرعية، ما لم تقترن بالقدرة على إنتاج سردية تاريخية تجعل السلطة امتداداً طبيعياً وحصرياً لمسار التحرير الوطني. ومن هنا أُعيدت صياغة التجربة الوطنية في إطار سردية ضيقة تميل إلى اختزال تاريخ طويل ومعقد في فاعل سياسي واحد، بينما جرى تهميش أو إقصاء مساهمات وتجارب وقوى عديدة أسهمت بدرجات متفاوتة في صناعة ذلك التاريخ.
ولا تكمن خطورة هذا المسار فيما حجبه من أسماء أو أدوار فحسب، بل الخطورة ما أنتجه من أنماط وعي سياسي. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، وإنما الإطار الذي تتشكل من خلاله تصورات المجتمع عن الشرعية والوطنية والمواطنة والعلاقة بالدولة.
وحين تنشأ أجيال كاملة على رواية واحدة للماضي، فإنها لا تتلقى تفسيراً للتاريخ فقط، بل تتلقى في الوقت نفسه تصوراً محدداً لطبيعة السلطة وحدود النقد وموقع الاختلاف داخل المجال الوطني. وهكذا تتحول السيطرة على الذاكرة إلى إحدى أدوات إعادة إنتاج الهيمنة السياسية.
ولهذا السبب لم يكن الصراع على الذاكرة منفصلًا عن الصراع على الشرعية. فكل سلطة تدرك أن امتلاك رواية التأسيس يمنحها قدرة أكبر على تفسير الحاضر وتحديد آفاق المستقبل. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الرواية من قراءة سياسية أو تاريخية إلى حقيقة رسمية مغلقة، لا تُفرض بقوة الأدلة والبحث، وإنما بقوة النفوذ السياسي وهيمنة المؤسسات. وعند هذه النقطة يفقد التاريخ وظيفته المعرفية، ويتحول إلى أداة لإعادة إنتاج موازين القوة القائمة.
وقد أدى هذا الأمر إلى اختزال تجربة تحرر امتدت لعقود وأسهمت في صنعها قوى سياسية وعسكرية واجتماعية متعددة داخل إطار سردي لا يعكس تعقيد التجربة الإرترية ولا تنوع الفاعلين الذين شاركوا في تشكيلها. فالتحرير لم يكن نتاج الجهد العسكري وحده، بل كان أيضاً حصيلة مساهمات سياسية ومدنية وإعلامية واجتماعية واسعة. غير أن أجزاءً مهمة من هذه التجربة بقيت خارج الذاكرة الرسمية، الأمر الذي جعل أجيالاً متعاقبة تتعرف إلى تاريخ بلادها من نافذة واحدة، بينما ظلت نوافذ أخرى مغلقة أو شبه غائبة.
وبطبيعة الحال فإن تحميل السلطة وحدها مسؤولية هذا الواقع لا يقدم تفسيراً كاملًا للمشكلة. فنجاح أي سلطة في فرض روايتها لا يعتمد فقط على أدوات السيطرة التي تمتلكها، بل يرتبط أيضاً بضعف البدائل القادرة على إنتاج معرفة تاريخية مستقلة وموثقة. ومن هنا تبرز مسؤولية القوى السياسية والمجتمعية والنخب الوطنية التي أخفقت، لأسباب مختلفة، في تحويل حفظ الذاكرة إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد.
فخلال عقود من الصراع السياسي والتنظيمي، تراجع ملف التوثيق إلى مرتبة ثانوية، رغم أن أهميته لا تقل عن أهمية العمل السياسي نفسه. ولم يُنظر إلى حفظ الذاكرة الوطنية باعتباره استثماراً في مستقبل الدولة، بل جرى التعامل معه باعتباره شأناً ثقافياً يمكن تأجيله. وفي ظل هذا الفراغ، رحل كثير من المناضلين والقادة الميدانيين والإعلاميين والكوادر السياسية دون أن تُسجل شهاداتهم بصورة منهجية، ودون أن تُجمع وثائقهم أو تُحفظ مذكراتهم ضمن أرشيف وطني مستقل.
ولا تمثل هذه الظاهرة خصوصية إرترية خالصة. فقد شهدت تجارب عديدة في إفريقيا وخارجها محاولات مشابهة لاحتكار ذاكرة التحرير بعد الوصول إلى السلطة. غير أن بعض تلك التجارب نجح في بناء مؤسسات مستقلة للأرشفة والتاريخ الشفهي والدراسات الأكاديمية، وهو ما حافظ على مساحة من التعدد والمراجعة داخل المجال العام. أما في الحالة الإرترية، فقد تزامن احتكار الرواية الرسمية مع ضعف المؤسسات المستقلة القادرة على إنتاج معرفة تاريخية بديلة، الأمر الذي منح السردية المهيمنة قدرة أكبر على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها.
ومن هنا لا تبدو الحاجة ملحة إلى بناء رواية جديدة في مواجهة الرواية الرسمية بقدر ما تبدو الحاجة ملحة إلى تحرير التاريخ نفسه من منطق الاحتكار. فالمسألة لا تتعلق باستبدال سردية أحادية بأخرى، وإنما بإنشاء فضاء وطني يسمح بتعايش الروايات المختلفة داخل إطار البحث والتوثيق والنقد العلمي. ويتطلب ذلك إطلاق مشروع مستقل لحفظ الذاكرة الإرترية يقوم على جمع الوثائق المتناثرة، وتسجيل الشهادات الشفوية لمن تبقى من أبناء جيل التأسيس، وإنشاء أرشيف رقمي مفتوح، وتشجيع الدراسات الأكاديمية المستقلة، وبناء شراكات مع الجامعات ومراكز البحث ومؤسسات الأرشفة المتخصصة لضمان حماية هذا الإرث من الضياع أو التسييس.
وفي هذا السياق تكتسب وفاة المناضل محمود “عراقي” رحمه الله دلالة تتجاوز حدود المناسبة الشخصية، لأنها تكشف إحدى أكثر الثغرات خطورة في التجربة الإرترية المعاصرة: غياب مشروع وطني قادر على حماية الذاكرة الجماعية من التآكل. فمع كل شاهد يرحل، لا تفقد البلاد أحد المشاركين في صناعة تاريخها فحسب، بل تفقد أيضاً جزءًا من المعرفة المباشرة بذلك التاريخ، بما يحمله من وقائع وتجارب وشهادات يصعب تعويضها لاحقاً. وهنا يتحول الزمن من عامل محايد إلى عامل ضاغط يعمل ضد الذاكرة الوطنية، إذ تتقلص تدريجياً فرص التوثيق والمراجعة التاريخية كلما غاب أصحاب التجربة أنفسهم. ولذلك لا تقتصر خسارة هذا الإهمال على ضياع شهادات جيل التأسيس، بل تمتد إلى إضعاف الأساس المعرفي الذي تقوم عليه الشرعية الوطنية، لأن المجتمعات لا تستطيع بناء توافقات مستقرة حول مستقبلها إذا كانت عاجزة عن امتلاك فهم موثق ومتعدد المصادر لماضيها.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه إرتريا اليوم لا يكمن في حسم الجدل حول التاريخ، بل في إنقاذ شروط هذا الجدل قبل أن تتآكل. فإما أن يُستعاد التاريخ بوصفه ملكًا لجميع الإرتريين، مفتوحاً للبحث والمراجعة والتعدد، وإما أن يستمر التآكل البطيء للذاكرة الوطنية حتى تصبح أجزاء واسعة من تاريخ البلاد رهينة للرواية الأكثر حضوراً لا للرواية الأكثر اكتمالًا. وعندها لن تكون الخسارة فقدان شهادات فردية فحسب، بل فقدان قدرة المجتمع نفسه على بناء ذاكرة وطنية جامعة تشكل أساساً للاستقرار السياسي والتماسك الوطني.
رحم الله المناضل محمود “عراقي” رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وأجزل له المثوبة على ما أفنى من عمره في سبيل قضية آمن بها وحمل أعباءها بصبر وثبات. نسأل الله تعالى أن يتقبله بقبول حسن، وأن يجعل ما قدمه من جهد وتضحية وعطاء في ميزان حسناته، وأن يكرم نزله ويغفر له ويجمعه بالصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا. كما نسأله سبحانه أن يلهم أسرته ورفاق دربه جميل الصبر والاحتساب، وأن يربط على قلوب أبنائه البررة، صلاح وعثمان، وأن يجزيهم خير الجزاء على ما أحاطوه به من برٍّ ورعاية وإحسان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ستبقى سيرة محمود “عراقي”رحمه الله كما سيرة جيل التأسيس الذي انتمى إليه، جزءًا أصيلًا من التاريخ الوطني الإرتري، مهما تعرضت بعض صفحاته للتهميش أو الإقصاء. فالتاريخ لا تصنعه السلطات وحدها، وإنما تصنعه أيضاً تضحيات الشعوب، وتجارب المناضلين، والذاكرة الجماعية التي تبقى أوسع من أي رواية وأبقى من أي سلطة.





Valuable info. Lucky me I found your website by accident, and I’m shocked why this accident didn’t happened earlier! I bookmarked it.