
رصد اريتريا | مقال تحليلي
على مدى أكثر من عقدين، ظلت إريتريا تُصنف في الخطاب الغربي كواحدة من أكثر الدول عزلة في العالم. فقد ارتبط اسمها بالعقوبات الدولية، والانتهاكات الحقوقية، والخدمة الوطنية غير محددة المدة، والتوترات المستمرة مع جيرانها. لكن مقالاً نشرته مجلة The Economist في يونيو 2026 تحت عنوان “Could Eritrea Come in From the Cold?” يشير إلى أن شيئاً ما بدأ يتغير في طريقة نظر الغرب إلى الدولة الواقعة على ساحل البحر الأحمر.
ورغم أن المقال يطرح سؤالاً مباشراً حول إمكانية خروج إريتريا من عزلتها، فإن القراءة المتأنية تكشف أن القضية الحقيقية ليست ما إذا كانت إريتريا قد تغيرت، بل ما إذا كانت المصالح الغربية قد تغيرت.
فالتحولات التي شهدتها منطقة البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة أعادت رسم الأولويات الاستراتيجية للقوى الكبرى. وأصبح الممر البحري الذي يربط أوروبا بآسيا عبر قناة السويس أحد أكثر المناطق حساسية في العالم. ومع تصاعد التوترات الأمنية، وتزايد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، برزت أهمية الدول المطلة على البحر الأحمر بصورة غير مسبوقة.
في هذا السياق، تبدو إريتريا دولة يصعب تجاهلها.
فالدولة التي تمتلك مئات الكيلومترات من السواحل المطلة على البحر الأحمر تقع في نقطة جغرافية تجعلها قادرة على التأثير في معادلات الأمن البحري والتجارة الدولية والتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي. ومن هنا يمكن فهم التحول التدريجي في بعض دوائر التفكير الغربية من التركيز الحصري على ملف حقوق الإنسان إلى التفكير في كيفية التعامل مع إريتريا بوصفها لاعباً استراتيجياً لا يمكن استبعاده من الحسابات الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن الغرب أصبح أقل اهتماماً بالقضايا الحقوقية داخل البلاد، بل إن الرسالة الضمنية التي يحملها المقال تبدو أكثر تعقيداً. فالمجلة لا تدافع عن النظام الإريتري، لكنها تطرح تساؤلاً عملياً حول جدوى استمرار سياسة العزلة التي اتبعت لسنوات طويلة دون أن تحقق تحولاً سياسياً جوهرياً.
لقد بقي النظام قائماً رغم العقوبات والضغوط السياسية. كما أن الدولة لم تنهَر، ولم تؤدِ سياسة الاحتواء إلى تغيير جذري في بنية الحكم. ومن هذا المنطلق يبدو أن بعض الأوساط الغربية بدأت تتساءل عما إذا كانت المقاربة الحالية بحاجة إلى مراجعة.
وتظهر رسالة أخرى أكثر أهمية بين سطور المقال، وهي أن الفراغ الجيوسياسي لا يبقى فارغاً طويلاً.
ففي عالم يتزايد فيه التنافس بين القوى الكبرى، لا تستطيع واشنطن أو العواصم الأوروبية افتراض أن دولة معزولة عن الغرب ستبقى معزولة عن الجميع. وإذا استمرت القطيعة الغربية مع أسمرة، فإن قوى أخرى قد تجد فرصة لتعزيز نفوذها هناك.
لهذا السبب لا يمكن فصل النقاش حول إريتريا عن المنافسة الأوسع بين الولايات المتحدة والصين وروسيا في أفريقيا والبحر الأحمر. فبالنسبة لبعض الاستراتيجيين الغربيين، لم يعد السؤال يتمحور حول طبيعة النظام الإريتري فحسب، بل حول هوية الشركاء الذين قد يملؤون الفراغ إذا استمرت سياسة التجاهل.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن المقال يتوقع إصلاحات داخلية سريعة في إريتريا. فالإشارة المستمرة إلى ملفات الحريات السياسية والخدمة الوطنية توحي بأن المجلة لا ترى تغيراً جذرياً في المشهد الداخلي. ومع ذلك، فإنها تلمح إلى احتمال أن تختار بعض الدول الغربية التعامل مع الواقع القائم بدلاً من انتظار تحولات قد لا تحدث في المستقبل القريب.
ويعكس هذا التوجه نمطاً معروفاً في السياسة الدولية، حيث غالباً ما تتقدم الاعتبارات الاستراتيجية على الاعتبارات الأيديولوجية عندما تتغير البيئة الجيوسياسية.
ومن زاوية أخرى، يوحي المقال بأن إريتريا نفسها أصبحت تمتلك أوراقاً تفاوضية أقوى مما كانت عليه في السابق. فموقعها الجغرافي وثرواتها المعدنية وتأثيرها في ملفات القرن الأفريقي يمنحها هامشاً أكبر للمناورة مقارنة بالصورة التقليدية التي كانت تُقدم بها كدولة معزولة وضعيفة.
وربما تكون الرسالة الأهم التي يسعى المقال إلى إيصالها هي أن منطقة القرن الأفريقي تدخل مرحلة جديدة من إعادة التشكيل السياسي والاستراتيجي. فالعلاقات المتقلبة بين إريتريا وإثيوبيا، والتنافس على موانئ البحر الأحمر، والتغيرات في موازين القوى الإقليمية، كلها عوامل تدفع العواصم الغربية إلى إعادة تقييم افتراضات قديمة استمرت لسنوات.
وفي نهاية المطاف، لا يبدو أن The Economist تقول إن إريتريا أصبحت دولة مختلفة. بل تقول شيئاً أكثر أهمية من ذلك: إن العالم من حولها هو الذي تغير.
وبينما تستمر الانتقادات المتعلقة بالحكم والحريات وحقوق الإنسان، فإن موقع إريتريا الجغرافي والظروف الإقليمية الجديدة يدفعان بعض صناع القرار في الغرب إلى التساؤل عما إذا كانت تكلفة تجاهل أسمرة أصبحت أعلى من تكلفة الانخراط معها.
ومن هنا يمكن قراءة المقال ليس بوصفه تحليلاً لشأن إريتري داخلي فحسب، بل باعتباره مؤشراً مبكراً على نقاش متصاعد داخل بعض الدوائر الغربية حول مستقبل العلاقة مع واحدة من أكثر دول أفريقيا غموضاً وعزلة.




