
تصاعد الخطاب الإثيوبي حول البحر الأحمر ترافق مع موجة من المواد الرسمية وشبه الرسمية التي أعادت فتح قضايا عصب واستقلال إريتريا والعلاقات الإقليمية. أسمرا تصف ذلك بحملة تضليل، فيما تظهر مراجعة المصادر أن جزءًا من مخاوفها يستند إلى خطاب إثيوبي موثق، في حين تبقى اتهامات من الجانبين دون إثبات مستقل.
رصد إريتريا | تقرير تحليلي — 14 سبتمبر 2026
فتحت وزارة الخارجية الإريترية، السبت، جبهة جديدة في السجال المتصاعد مع إثيوبيا، باتهام مؤسسات إعلامية وبحثية إثيوبية بالمشاركة في حملة تستهدف إريتريا وشرعية دولتها، وربطت بين هذا النشاط وبين الخطاب المتزايد في أديس أبابا بشأن الحصول على «منفذ سيادي» إلى البحر الأحمر.
وجاء البيان، الصادر عن قسم البحوث والتوثيق في الوزارة، بلغة شديدة اللهجة، وسمّى وكالة الأنباء الإثيوبية «ENA» ومعهد الشؤون الخارجية «IFA» ومؤسسة فانا وHorn Review، متهمًا إياها بترويج روايات تتعلق بالأوضاع الداخلية في إريتريا والهجرة وتحالفاتها الخارجية، في سياق قالت أسمرا إنه يهدف إلى نزع الشرعية عن الدولة الإريترية وتهيئة الرأي العام لمطالب إثيوبية في البحر الأحمر.
لكن بعيدًا عن لغة البيان، يثير التصعيد سؤالًا أوسع: هل نحن أمام مجرد مواجهة إعلامية بين دولتين متخاصمتين، أم أن الخطاب المتبادل يعكس تحولًا أعمق في طبيعة الخلاف بين إريتريا وإثيوبيا؟
مراجعة «رصد إريتريا» للتصريحات الرسمية والمواد المنشورة في المؤسسات الإثيوبية خلال الأشهر الماضية تظهر أن الحديث عن البحر لم يعد محصورًا في الحاجة الاقتصادية إلى الموانئ أو تخفيض تكاليف التجارة. ففي عدة مناسبات، استخدم مسؤولون إثيوبيون صراحة تعبير «المنفذ السيادي»، وربطوه بالأمن القومي والبقاء والديموغرافيا والتاريخ.
وهذا التحول هو النقطة الأكثر أهمية في السجال الحالي.
من الوصول التجاري إلى «السيادة»
في 5 سبتمبر، قال وزير التعليم الإثيوبي برهانو نيغا لوكالة الأنباء الإثيوبية إن سعي إثيوبيا إلى «منفذ سيادي إلى البحر» يرتبط ببقاء البلاد على المدى الطويل، وقدم المسألة باعتبارها قضية تاريخية وديموغرافية واقتصادية وأمنية، وليست مجرد حاجة لوجستية.
وفي يونيو، كان مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي للشؤون الأمنية كينيا ياديتا أكثر وضوحًا، إذ وصف الوصول إلى البحر بأنه «مسألة سيادة» وقال إن إثيوبيا ترى أن لديها مبررات تاريخية وقانونية للسعي إلى منفذ سيادي.
أما رئيس الوزراء أبي أحمد، فقد قال أمام البرلمان في فبراير إن إثيوبيا والبحر الأحمر لا يمكن فصلهما، وربط حجته بحجم سكان بلاده، مشيرًا إلى حاجة إثيوبيا إلى مساحة ساحلية محدودة مقارنة بطول السواحل التي تمتلكها إريتريا وجيبوتي والصومال مجتمعة. كما طرح صيغًا تفاوضية شملت تبادل الأراضي أو المصالح والاستثمارات.
وفي المقابل، شدد أبي أحمد مرارًا على أن حكومته لا تسعى إلى الحرب للحصول على منفذ بحري. وفي مارس 2025 استبعد علنًا خوض حرب مع إريتريا لهذا الغرض، مؤكدًا أن المسألة يجب أن تحل بالحوار.
لهذا لا توجد، استنادًا إلى الأدلة العلنية المتاحة، قاعدة كافية للقول إن الحكومة الإثيوبية اتخذت قرارًا باستخدام القوة للاستيلاء على ميناء أو ساحل إريتري.
لكن هناك فرقًا بين إثبات نية الحرب وإثبات تغير الخطاب السياسي.
والأخير واضح.
فالحكومة ومسؤولون ومؤسسات رسمية إثيوبية لم يعودوا يناقشون فقط «الوصول إلى البحر»، وإنما استخدموا بصورة متكررة مفاهيم «السيادة» و«الحقوق التاريخية» و«البقاء»، وهو ما ينقل الملف من نطاق المصالح التجارية القابلة للتفاوض إلى مساحة أكثر حساسية تمس مفهوم الإقليم والسيادة.
عصب في الخطاب الإثيوبي
هذا التحول يظهر بوضوح أكبر في المواد المنشورة على وكالة الأنباء الإثيوبية.
ففي يوليو، نقلت الوكالة عن محلل سياسي قوله إن الطريقة التي أصبحت بها إثيوبيا دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا نتجت عن قرارات انتقالية تفتقر، بحسب رأيه، إلى الشرعية الدستورية، وإن إثيوبيا لم تحصل آنذاك على ضمان «منفذ سيادي» إلى موانئ اعتبرها تاريخية، وخص عصب بالذكر.
وفي 16 أغسطس، نشرت ENA مادة حملت عنوانًا يدعو إلى «استعادة بحر إثيوبيا»، وقدمت فقدان عصب باعتباره «ظلمًا» تاريخيًا ينبغي تصحيحه، ووصفت الميناء بأنه أرض كانت ذات يوم خاضعة للسيادة الإثيوبية.
هذه المواد ليست أحكامًا قضائية ولا تنشئ حقوقًا قانونية، وبعضها يعبر عن كتاب أو محللين وليس عن قرار رسمي للحكومة.
لكن نشرها بصورة متكررة على وكالة أنباء الدولة، إلى جانب تصريحات مسؤولين عن «المنفذ السيادي»، يجعل من الصعب اعتبار مخاوف أسمرا مجرد اختراع دعائي بلا أساس.
في الوقت نفسه، لا يكفي تكرار هذه المواد لإثبات ادعاء الخارجية الإريترية بوجود عملية إعلامية مركزية موحدة تديرها الحكومة الإثيوبية.
ما يمكن إثباته هو وجود نمط مكثف ومتقارب في الخطاب.
أما إثبات وجود توجيه مركزي لكل مؤسسة وكل مادة منشورة، فيحتاج إلى أدلة أخرى لم تعثر عليها «رصد إريتريا» في المصادر المفتوحة.
ماذا يقول القانون؟
وسط الخطاب التاريخي والسياسي، توجد نقطة قانونية أكثر وضوحًا.
الدول الحبيسة تتمتع بحق في الوصول إلى البحر وحرية العبور وفق القانون الدولي، لكن ذلك لا يساوي حقًا تلقائيًا في السيادة على أراضي دولة أخرى.
تنص المادة 125 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على حق الدول الحبيسة في الوصول من البحر وإليه وحرية المرور عبر دول العبور، لكنها تنص أيضًا على أن شروط هذا العبور تحدد باتفاقات ثنائية أو إقليمية، مع احتفاظ دول العبور بسيادتها الكاملة على أراضيها.
وهذا تمييز جوهري.
الوصول إلى الموانئ حق ومصلحة يمكن تنظيمهما بالتفاوض والاتفاق؛ أما السيادة على ساحل أو إقليم دولة أخرى فهي مسألة مختلفة قانونيًا.
ولا ينشأ حق في أرض دولة مجاورة بسبب عدد السكان أو الحاجة الاقتصادية أو الكلفة المرتفعة للنقل.
وفي الحالة الإريترية، ليست الدولة نفسها أو استقلالها مسألة قانونية معلقة.
فالأمم المتحدة أشرفت على استفتاء إريتريا في أبريل 1993، وخلص ممثلها إلى أن عملية الاستفتاء كانت حرة ونزيهة في جميع مراحلها.
وفي 28 مايو من العام نفسه، قبلت الجمعية العامة إريتريا عضوًا في الأمم المتحدة دون تصويت معارض.
ثم، بعد حرب 1998–2000، أنشأ اتفاق الجزائر بين البلدين لجنة مستقلة لترسيم الحدود استنادًا إلى المعاهدات والقانون الدولي، واتفق الطرفان مسبقًا على أن قرارات اللجنة بشأن ترسيم وتحديد الحدود ستكون نهائية وملزمة.
وبالتالي، فإن المصالح الإثيوبية في الحصول على وصول تجاري مستقر وفعال إلى البحر قابلة للنقاش والتفاوض، لكن الحديث عن تعديل السيادة أو الحدود يقع في نطاق قانوني وسياسي مختلف تمامًا.
ماذا قالت أسمرا.. وما الذي يمكن إثباته؟
ذهبت الخارجية الإريترية في بيانها أبعد من قضية البحر، واتهمت حزب الازدهار باستخدام إريتريا كبش فداء لأزماته الداخلية، وباستضافة ودعم تنظيمات إريترية معارضة، وباستخدام ملفات الهجرة والمياه والعلاقات الإقليمية لتقديم الدولة الإريترية باعتبارها مصدرًا لعدم الاستقرار.
بعض الوقائع المحيطة بهذه الاتهامات قابل للتوثيق.
فوكالة الأنباء الإثيوبية أجرت خلال الأشهر الأخيرة مقابلات متكررة مع شخصيات وحركات إريترية معارضة.
في يونيو، نشرت الوكالة مقابلة مع رئيس حركة «الثورة الخضراء» الإريترية محمد أحمد أسناي، الذي اتهم حكومة أسمرا بزعزعة استقرار المنطقة، وقال إن حركته مستعدة لمواجهتها عسكريًا إلى جانب سعيها إلى التغيير السياسي.
وفي أغسطس، استضافت ENA متحدثًا باسم تنظيم عفر البحر الأحمر الديمقراطي «RSADO»، الذي وجه بدوره اتهامات إلى الحكومة الإريترية وإلى علاقاتها الإقليمية.
كما نشرت الوكالة مقابلات أخرى مع شخصيات إريترية معارضة تتهم أسمرا بدعم أطراف تسعى إلى إضعاف الدولة الإثيوبية.
إذن، يمكن إثبات أن وسائل إعلام حكومية إثيوبية أتاحت مساحة متكررة لجماعات وشخصيات إريترية معارضة للحكومة في أسمرا، بعضها يتحدث صراحة عن تغيير النظام.
لكن ذلك لا يثبت بمفرده اتهام الخارجية الإريترية بأن إثيوبيا تمول أو تدرب تلك التنظيمات.
المنصة الإعلامية شيء، والدعم العسكري أو المالي شيء آخر.
ولم تعثر «رصد إريتريا» في المواد المفتوحة التي راجعتها على أدلة مستقلة كافية تسمح بتقديم مزاعم التدريب والتمويل باعتبارها حقيقة ثابتة.
والاتهامات الإثيوبية تحتاج إلى الاختبار نفسه
المعيار ذاته ينطبق على أديس أبابا.
في فبراير، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي غيديون تيموثيوس إريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا وبالتدخل عسكريًا على أراضٍ تعتبرها بلاده إثيوبية.
وقالت رويترز إنها اطلعت على الرسالة التي وجهها الوزير إلى نظيره الإريتري عثمان صالح وتحققت من صحتها. وتضمنت الرسالة أيضًا عرضًا للتفاوض بشأن ملفات مشتركة، من بينها وصول إثيوبيا إلى البحر عبر عصب.
وردت إريتريا بنفي الاتهامات ووصفها بأنها مختلقة.
لكن إثبات وجود رسالة رسمية لا يثبت تلقائيًا صحة الاتهامات الواردة فيها.
ولم تعثر «رصد إريتريا» في المصادر المفتوحة التي راجعتها على أدلة مستقلة حاسمة تسمح بتقديم اتهام أسمرا بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا كحقيقة مثبتة.
لذلك فإن الصياغة المهنية تظل: اتهام إثيوبي رسمي تنفيه إريتريا.
وهو المعيار نفسه الذي ينبغي تطبيقه على ادعاءات أسمرا ضد أديس أبابا.
أين يتجاوز بيان الخارجية ما يمكن إثباته؟
رغم أن بيان الخارجية الإريترية يستند إلى تطورات حقيقية في الخطاب الإثيوبي، فإنه يتضمن أيضًا استنتاجات لا يمكن التعامل معها كلها باعتبارها حقائق مستقلة.
من ذلك وصف النشاط الإعلامي الإثيوبي بأنه عملية منسقة بالكامل، والقول إن الهدف الأساسي منه هو صرف الأنظار عن أزمات الداخل الإثيوبي.
لا خلاف على أن إثيوبيا تواجه مشكلات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، وأن النزاعات المسلحة استمرت في عدد من مناطق البلاد.
لكن وجود أزمة داخلية في الوقت نفسه الذي تتصاعد فيه قضية البحر الأحمر لا يثبت وحده أن الحكومة الإثيوبية طرحت الملف البحري بسبب تلك الأزمة أو بهدف تحويل انتباه الرأي العام عنها.
ذلك تفسير سياسي محتمل، لكنه يحتاج إلى دليل على السببية والنية.
كما أن بعض الملفات الأخرى التي أثارها البيان — ومنها أرقام متعلقة باللاجئين والمياه والفقر والبنية الأساسية — تتطلب تدقيقًا منفصلًا في مصادرها وسنواتها ومنهجياتها، ولا يحتاج التقرير الحالي إلى تبنيها للوصول إلى استنتاجه الرئيسي.
بل إن تحميل القضية الأساسية بأرقام ضعيفة أو قابلة للنقاش قد يضعف حجة أقوى بكثير تدعمها الوثائق نفسها.
ليس كل ما تنشره ENA هو موقف الحكومة
وتبرز هنا ضرورة أخرى للتمييز.
وكالة الأنباء الإثيوبية مؤسسة رسمية، لكن ليس كل رأي لمحلل أو شخصية معارضة تنشره الوكالة يصبح تلقائيًا سياسة حكومية.
لذلك ينبغي التفريق بين ثلاثة مستويات:
تصريحات رئيس الوزراء والوزراء والمسؤولين الحكوميين؛ والمواد التحريرية التي تنشرها المؤسسات الرسمية؛ ثم آراء المحللين والضيوف الذين تستضيفهم تلك المؤسسات.
هذه المستويات جميعها مهمة لفهم البيئة السياسية والإعلامية، لكنها ليست متساوية في الوزن.
وعندما يقول مستشار لرئيس الوزراء إن الوصول إلى البحر «مسألة سيادة»، تكون دلالة التصريح مختلفة عن مقال لكاتب يستخدم لغة تاريخية أكثر تطرفًا.
هذا الفصل ضروري أيضًا حتى لا تقع الصحافة في الخطأ ذاته الذي تنتقده: تحويل كل صوت من الطرف المقابل إلى سياسة رسمية موحدة.
لماذا تثير كلمة «سيادي» القلق في أسمرا؟
من منظور إثيوبي، تقدم أديس أبابا القضية باعتبارها معضلة استراتيجية لدولة يتجاوز عدد سكانها مئة مليون نسمة وتعتمد بصورة كبيرة على موانئ دول أخرى.
وهي مصلحة حقيقية يمكن فهمها اقتصاديًا وأمنيًا.
ومن منظور إريتري، لا تكمن المشكلة في استخدام إثيوبيا للموانئ.
لقد استخدمت إثيوبيا الموانئ الإريترية تاريخيًا، ويمكن نظريًا إنشاء ترتيبات جديدة لاستخدام الموانئ وفق اتفاقات تجارية وسيادية يتفاوض عليها الطرفان.
المشكلة تبدأ عندما ينتقل الخطاب من الوصول إلى السيادة، ومن التجارة إلى إعادة تفسير التاريخ والحدود.
حينها تصبح القضية بالنسبة إلى إريتريا مختلفة تمامًا.
فالدولة التي خاضت حرب استقلال طويلة، ثم أجرت استفتاء تحقق منه المجتمع الدولي، ثم أصبحت عضوًا كاملًا في الأمم المتحدة، ثم دخلت حربًا حدودية مع إثيوبيا انتهت بآلية تحكيم قبلها الطرفان باعتبارها نهائية وملزمة، ستتعامل بصورة مختلفة مع خطاب يتحدث عن ساحلها باعتباره موضوعًا قابلًا لإعادة التفاوض التاريخي.
ولا يتطلب إدراك ذلك تبني موقف الحكومة الإريترية.
إنه استنتاج يمكن استخلاصه من التاريخ والقانون وطبيعة الخطاب السياسي الحالي.
حرب روايات.. لكنها ليست روايتين متساويتين في كل شيء
المواجهة الحالية تتضمن بلا شك حرب روايات.
أديس أبابا تتهم أسمرا بمحاولة إضعاف إثيوبيا عبر تحالفات وجماعات مسلحة، وتقدم قضية البحر باعتبارها مطلبًا تاريخيًا واقتصاديًا وأمنيًا لا يمكن تجاهله.
أسمرا تقول إن إثيوبيا تستخدم تلك الاتهامات لتبرير سياسة توسعية، وإن الحملة الإعلامية جزء من محاولة لإضعاف شرعية الدولة الإريترية وتهيئة الرأي العام لمطالب تمس سيادتها.
ليس مطلوبًا من الصحافة اختيار إحدى الروايتين كاملة.
لكن ليس مطلوبًا منها أيضًا وضع كل شيء في خانة «وجهتي نظر» عندما توجد وقائع يمكن حسمها.
استقلال إريتريا حقيقة قانونية دولية.
حدودها مع إثيوبيا خضعت لآلية قانونية وافق عليها البلدان باعتبار نتائجها نهائية وملزمة.
إثيوبيا دولة حبيسة ولها مصلحة مشروعة في الوصول المستقر إلى البحر.
القانون الدولي يميز بين الوصول والعبور وبين السيادة على أراضي دولة أخرى.
ومسؤولون إثيوبيون استخدموا بالفعل خلال 2026 مصطلح «المنفذ السيادي» وربطوه بالأمن والبقاء والتاريخ.
هذه ليست روايات متنافسة؛ إنها وقائع يمكن توثيقها.
أما الاتهامات المتعلقة بدعم الجماعات المسلحة أو النوايا الخفية أو التخطيط للحرب أو عمليات التضليل المركزية، فتظل بحاجة إلى أدلة تتجاوز تصريحات الأطراف.
ما الذي يعنيه التصعيد؟
تكمن خطورة المرحلة الحالية في تحول اللغة السياسية نفسها.
فحين تُعرّف دولة قضية ما باعتبارها مرتبطة بـ«البقاء» و«السيادة»، ترتفع كلفة التراجع عنها في الداخل.
وحين تنظر الدولة المجاورة إلى اللغة نفسها باعتبارها تهديدًا لوحدة أراضيها، فإنها تبدأ بدورها في قراءة تحركات الطرف الآخر من منظور أمني.
وهذه هي البيئة التي تنشأ فيها المعضلة الأمنية: كل طرف يرى إجراءات الآخر دفاعية بالنسبة إليه وهجومية بالنسبة إلى الطرف المقابل.
حتى الآن، لا تكفي الأدلة للقول إن الحرب بين إريتريا وإثيوبيا حتمية، ولا توجد قاعدة علنية تسمح بالجزم بأن أديس أبابا قررت استخدام القوة للحصول على عصب. بل إن القيادة الإثيوبية تقول العكس علنًا.
لكن من الخطأ أيضًا التقليل من أهمية الخطاب الجديد باعتباره مجرد نقاش اقتصادي عادي.
فالحديث عن «السيادة» و«50 كيلومترًا من الساحل»، وإعادة فتح السؤال التاريخي بشأن عصب، واستضافة أصوات تعيد النظر في شرعية القرارات التي رافقت استقلال إريتريا، كلها تجعل الملف أبعد من خلاف حول رسوم الموانئ.
وفي المقابل، فإن الرد الإريتري يكون أكثر قوة عندما يستند إلى القانون والوثائق بدلًا من المبالغة أو تحويل أزمات إثيوبيا الداخلية إلى أساس للحجة.
إريتريا لا تحتاج إلى إثبات فشل إثيوبيا اقتصاديًا أو سياسيًا لكي تثبت سيادتها.
وسيادة إريتريا بدورها لا تلغي حق إثيوبيا في البحث عن حلول لمعضلتها الجغرافية والتجارية.
المساحتان يمكن أن تتعايشا إذا بقي الخط الفاصل واضحًا:
الوصول إلى البحر قابل للتفاوض؛ السيادة لا تنتقل بالحاجة.
وما إذا كان الطرفان سيتمكنان من الحفاظ على هذا الفصل قد يكون أحد أهم الأسئلة التي ستحدد مستقبل العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا، وربما استقرار جزء أوسع من القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم تعثر «رصد إريتريا» على رد إثيوبي رسمي مباشر منشور على بيان الخارجية الإريترية الصادر في 12 سبتمبر.




