
تقدم الجماعة على الساحل اليمني يتزامن مع تصريحات لعثمان صالح تؤكد أولوية الدول المشاطئة في إدارة أمن البحر الأحمر، فيما تظهر وثائق إريترية رسمية أن هذا الموقف يسبق الأزمة الحالية بسنوات
رصد إريتريا | تقرير تحليلي – 12 سبتمبر 2026
أعاد التقدم العسكري السريع لجماعة أنصار الله «الحوثيين» على الساحل الغربي لليمن، ووصولها إلى جزيرة ميون «بريم» داخل مضيق باب المندب، تسليط الضوء على موقع إريتريا وموقفها المعلن من أمن البحر الأحمر، بالتزامن مع تصريحات لوزير الخارجية الإريتري عثمان صالح بشأن الحرب في اليمن وحرية الملاحة ودور الدول المشاطئة.
وقالت وكالة رويترز، في تقرير نشرته السبت، إن أربعة مصادر في الحكومة اليمنية أفادت بأن الحوثيين استولوا على جزيرة ميون يوم الجمعة. وكانت الوكالة قد نقلت عن مصدرين في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أن القوات الحكومية انسحبت من الجزيرة، وأن الحوثيين سيطروا أيضًا على بلدة ذباب الواقعة على الساحل اليمني مباشرة قبالة ميون. (Reuters)
وتشكل هذه التطورات تحولًا مهمًا في ميزان السيطرة على الجانب اليمني من باب المندب، لكنها لا تعني، وفق المعطيات المتاحة حتى الآن، أن الحوثيين أحكموا السيطرة الكاملة على المضيق. فحتى تقرير رويترز الصادر في 12 سبتمبر تحدث بصيغة شرطية عما قد يترتب إذا تمكن الحوثيون من السيطرة على باب المندب. (Reuters)
لماذا تكتسب التطورات أهمية بالنسبة إلى إريتريا؟
يقع باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا على الساحل الإفريقي. ويبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 29 كيلومترًا، وتقسمه جزيرة ميون اليمنية إلى قناتين للملاحة. (Reuters)
ويمثل المضيق المدخل الجنوبي للطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس، وأحد أهم الممرات لنقل السلع والطاقة بين آسيا وأوروبا. ووفق بيانات شركة Kpler التي أوردتها رويترز، بلغ حجم المنتجات النفطية التي عبرت باب المندب في يونيو ما يعادل نحو 7 في المئة من إنتاج النفط العالمي. (Reuters)
وتضع هذه الجغرافيا إريتريا مباشرة ضمن البيئة الأمنية للبحر الأحمر، من دون أن يعني ذلك أنها طرف في الصراع اليمني.
عثمان صالح: لا خيار عسكريًا في اليمن
تزامنت التطورات الميدانية مع مقابلة أجرتها Middle East Eye مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح في أسمرا، تناولت اليمن وباب المندب وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
وقال صالح، بحسب المقابلة، إنه لا يرى خيارًا عسكريًا لحل الأزمة اليمنية، وإن اليمن يجب أن يُمنح فرصة للسلام. كما قال إن على الدول المشاطئة أن تقرر كيفية إدارة حرية الملاحة في البحر الأحمر.
وأكد الوزير أن الموقع الإريتري يمنح البلاد مسؤولية في المساهمة في الحفاظ على البحر الأحمر ممرًا آمنًا. ونشرت Middle East Eye عبر حسابها الرسمي مضمون المقابلة، مؤكدة أن صالح تحدث عن غياب الحل العسكري للصراع اليمني. (السودان المستقل)
لكن صالح أشار كذلك إلى مشكلة تعترض أي ترتيب إقليمي من هذا النوع، هي الانقسام السياسي والعسكري في اليمن وعدم وجود سلطة واحدة تسيطر على كامل البلاد.
وهذا الأخير يمثل تقييمًا سياسيًا للوزير الإريتري، وليس حكمًا قانونيًا على وجود الدولة اليمنية؛ إذ تستمر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في ممارسة علاقاتها الخارجية وتمثيل البلاد في المؤسسات الدولية.
رؤية إريترية سبقت الأزمة الحالية
مراجعة المواقف الرسمية الإريترية تظهر أن حديث صالح عن دور الدول المشاطئة ليس موقفًا طارئًا نتج عن التقدم الحوثي الأخير.
ففي سبتمبر 2019، نشرت الحكومة الإريترية تصورًا من 12 نقطة لأمن البحر الأحمر، شدد على ضرورة امتلاك كل دولة مشاطئة قدراتها الدفاعية والبحرية الخاصة «دون تفويض الآخرين»، ثم استكمال ما تعجز عنه القدرات الوطنية من خلال التعاون الجماعي بين الدول الساحلية. (Eritrea Ministry Of Information)
واللافت أن الوثيقة لم تدعُ إلى استبعاد القوى الخارجية بصورة مطلقة؛ إذ نصت على إمكانية إنشاء الدول المعنية ترتيبات للتعاون مع «قوى خارجية» في المهام التي تتجاوز قدراتها الجماعية، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار توافقي. (Eritrea Ministry Of Information)
وهذا التفصيل مهم لفهم السياسة الإريترية بدقة: الأولوية، وفق الطرح الرسمي، للقدرات الوطنية ثم التعاون بين الدول المشاطئة، مع إبقاء التعاون الخارجي خيارًا مشروطًا بالحاجة والتوافق.
وجدد الرئيس أسياس أفورقي هذه الرؤية في يناير 2026، عندما قال إن جوهر المقترح الإريتري يقوم على مسؤولية كل دولة عن حماية قطاعها الساحلي، وتعزيز قدرات الدول المشاطئة وبناء آليات للعمل المشترك ضد القرصنة والتهريب والاتجار غير المشروع وغيرها من التهديدات البحرية. (Eritrea Ministry Of Information)
وفي يوليو 2026، أكد عثمان صالح ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال مباحثات في القاهرة أن أمن البحر الأحمر وحوكمته، بما يتفق مع القانون الدولي، مسؤولية الدول المشاطئة. (Eritrea Ministry Of Information)
وتحمل صفحة وزارة الإعلام الإريترية الخاصة بالاجتماع تاريخ نشر 19 يوليو 2026، رغم ورود سنة 2027 داخل السطر الأول من متن الخبر، وهو خطأ تحريري ظاهر؛ إذ تؤكد المصادر المصرية الرسمية أن الاجتماع جرى في 19 يوليو 2026. (أفريقيا)
الموانئ والقوى الخارجية
ويظهر موقف أكثر تشددًا تجاه التمركز الأجنبي في مقابلة أخرى أجرتها Middle East Eye مع عثمان صالح حول دور الإمارات والموانئ في المنطقة.
وقال صالح إن أسمرا لم تكن راغبة في دخول شركة DP World إلى إريتريا، وأضاف: «لا نريد لأي قوة أجنبية أن يكون لها “مركز” في إريتريا».
ولا ينبغي تفسير هذه العبارة على أنها رفض إريتري مطلق لأي تعاون أمني مع أطراف خارجية؛ فالوثيقة الرسمية لعام 2019 تترك الباب مفتوحًا لهذا التعاون عندما تعجز الدول المشاطئة عن تنفيذ مهمة بصورة جماعية، وبموجب إطار متفق عليه.
وبذلك يمكن قراءة تصريحات صالح الأخيرة باعتبارها تشديدًا على من يملك زمام المبادرة وصنع القرار الأمني، أكثر من كونها رفضًا مبدئيًا لكل أشكال التعاون الخارجي.
روايتان متعارضتان حول أمن الملاحة
في الجانب اليمني، تقدم الحكومة المعترف بها دوليًا رؤية مختلفة في التفاصيل، وإن كانت تشترك مع أسمرا في التشديد على دور الدولة الساحلية.
وقالت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة في 10 سبتمبر إن تعزيز قدرة مؤسسات الدولة والقوات البحرية وخفر السواحل على حماية الأراضي والسواحل والموانئ والمياه الإقليمية يمثل، من وجهة نظر حكومتها، المسار الأقل كلفة والأكثر استدامة لحماية باب المندب وأمن الملاحة الدولية. (سبأ نت)
كما تتهم الحكومة اليمنية إيران بدعم تقدم الحوثيين، وهو اتهام ينبغي نسبته إليها وإلى الجهات التي تتبناه، لا تقديمه مستقلاً عن مصدره.
أما الحوثيون فيقولون إن الملاحة في الممر ستظل آمنة، باستثناء السفن السعودية الخاضعة للحظر الذي سبق أن أعلنته الجماعة. ونقلت رويترز هذا الموقف عن المتحدث العسكري يحيى سريع. (Reuters)
لكن هذا التأكيد يظل موقفًا صادرًا عن طرف في النزاع، وليس تقييمًا مستقلاً لسلامة الملاحة.
وتظهر التجربة السابقة حساسية هذا الممر؛ فمنذ أواخر عام 2023 أدت هجمات الحوثيين على السفن إلى تحويل شركات شحن وطاقة كبرى بعض رحلاتها بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى إطالة الرحلات وارتفاع تكاليف الشحن. (Reuters)
ماذا يعني ذلك لإريتريا؟
حتى الآن، تسمح الوقائع بثلاث خلاصات رئيسية.
أولًا، حقق الحوثيون تقدمًا عسكريًا نوعيًا على الساحل اليمني ووصلوا إلى مواقع شديدة الحساسية داخل باب المندب، بينها ميون وذباب بحسب مصادر حكومية يمنية تحدثت إلى رويترز، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بعد بوصف المضيق بأنه أصبح تحت سيطرتهم الكاملة. (Reuters)
ثانيًا، الموقف الذي عبر عنه عثمان صالح بشأن دور الدول المشاطئة في أمن البحر الأحمر لا يمثل سياسة جديدة فرضتها الأزمة الحالية، بل يتسق مع رؤية إريترية معلنة وموثقة منذ سنوات. (Eritrea Ministry Of Information)
وثالثًا، من المرجح أن يؤدي استمرار التحولات العسكرية على الساحل اليمني إلى زيادة أهمية موقع إريتريا في النقاشات الإقليمية والدولية بشأن أمن جنوب البحر الأحمر. وهذا استنتاج تحليلي يستند إلى الجغرافيا والمواقف الرسمية والتطورات الميدانية، وليس إعلانًا عن سياسة أو تحرك إريتري جديد.
وتضع التطورات الأخيرة، في المحصلة، الرؤية الإريترية لأمن البحر الأحمر أمام اختبار عملي جديد: كيف يمكن بناء نظام تقوده الدول المشاطئة لضمان أمن الملاحة في وقت تعاني فيه إحدى أهم دول المضيق، اليمن، من انقسام سياسي وعسكري عميق؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف بدرجة كبيرة على تطورات الميدان اليمني وعلى قدرة دول البحر الأحمر على تحويل المبادئ المتعلقة بالسيادة والتعاون الإقليمي إلى ترتيبات عملية قابلة للتطبيق.




