أخبار اريتريااريترياالقرن الأفريقيترجماتتقاريرسياسة
أخر الأخبار

من الشراكة الهادئة إلى السفارة المغلقة.. ماذا نعرف فعلاً عن علاقات إريتريا وإسرائيل؟

سبقت العلاقات الدبلوماسية بين أسمرا وتل أبيب عقودٌ من الحضور الإسرائيلي في القرن الأفريقي والصراع على البحر الأحمر. وثائق أميركية تثبت وجود مستشارين عسكريين إسرائيليين ساعدوا إثيوبيا خلال حرب التحرير الإريترية، فيما تتعارض المصادر بشأن روايات القواعد في الجزر والساحل. وبعد الاستقلال نشأت علاقة رسمية شملت الدبلوماسية والزراعة والصحة والمصايد، قبل أن تدخل مرحلة جمود انتهت بإغلاق السفارة الإسرائيلية في أسمرا عام 2022 من دون قطع العلاقات.

رصد إريتريا | تحقيق وتحليل 

هناك مفارقة تاريخية في العلاقة بين إريتريا وإسرائيل.

فالدولة التي دعمت إسرائيل خصمها الإثيوبي عسكريًا خلال مراحل من حرب التحرير، أقامت معها بعد الاستقلال علاقات دبلوماسية وتعاونًا في قطاعات مدنية، وافتتحت كل منهما سفارة لدى الأخرى.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على إقامة العلاقات، ما زالت الدولتان تحتفظان بها رسميًا، وما زالت سفارة دولة إريتريا مدرجة في السجلات الحكومية الإسرائيلية، بينما لم تعد إسرائيل تملك سفارة عاملة في أسمرا بعد قرار إغلاق بعثتها هناك في يوليو 2022.

وفي خلفية هذه العلاقة ظل البحر الأحمر حاضرًا باستمرار.

منذ الحرب الباردة، مرورًا بحرب التحرير الإريترية، ثم استقلال إريتريا، وصولًا إلى الحرب في اليمن وتهديد الملاحة قرب باب المندب، تغيرت الظروف السياسية، لكن الجغرافيا التي أعطت الساحل الإريتري أهميته بالنسبة إلى إسرائيل لم تتغير.

وفي الوقت نفسه، تراكمت على مدى عقود روايات عن قواعد عسكرية ومحطات مراقبة إسرائيلية في دهلك ومصوع وأمبا سويرا ومواقع أخرى.

لكن مراجعة تاريخ هذه الروايات تكشف صورة أكثر تعقيدًا: الوجود والتعاون العسكري الإسرائيلي مع إثيوبيا خلال حرب التحرير موثقان، أما وجود قواعد إسرائيلية ثابتة في الجزر والساحل، ثم استمرارها بعد استقلال إريتريا، فمسألة مختلفة لا تسمح الأدلة المفتوحة المتاحة بحسمها بالطريقة التي توحي بها بعض الكتابات.

فماذا نعرف فعلًا عن واحدة من أكثر العلاقات غموضًا في القرن الأفريقي؟

قبل الاستقلال.. إسرائيل والحرب في إريتريا

لا تبدأ قصة إسرائيل مع إريتريا عام 1993.

قبل ذلك بعقود، كانت الأراضي الإريترية جزءًا من إثيوبيا، بينما أصبحت حرب التحرير جزءًا من تنافس إقليمي ودولي أوسع امتد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وكانت إسرائيل ترتبط بإثيوبيا في عهد الإمبراطور هيلا سلاسي بعلاقات أمنية وعسكرية.

وهنا تقدم وثائق الحكومة الأميركية المعاصرة للأحداث دليلًا مهمًا.

ففي وثيقة منشورة ضمن سلسلة Foreign Relations of the United States (FRUS) التابعة لوزارة الخارجية الأميركية، تحدث التقييم الأميركي عن وجود نحو 30 مستشارًا عسكريًا إسرائيليًا يقدمون للإثيوبيين تدريبًا على مكافحة التمرد في إريتريا.

وبذلك فإن وجود دور عسكري إسرائيلي مرتبط بالحرب الإريترية في تلك المرحلة ليس مجرد رواية لاحقة؛ بل يظهر في وثيقة أميركية رسمية معاصرة.

لكن الوثيقة نفسها تكشف أيضًا أهمية التمييز بين المستشارين والتعاون العسكري وبين القواعد العسكرية الإسرائيلية.

ففي الوقت الذي تحدثت فيه عن التعاون الإسرائيلي-الإثيوبي، وصفت الادعاء الذي كان متداولًا آنذاك بأن إثيوبيا منحت إسرائيل جزرًا في البحر الأحمر للاستخدام العسكري بأنه غير صحيح وفق التقييم الأميركي.

وهذا التناقض الظاهري مهم لفهم ما سيظهر لاحقًا من روايات حول دهلك والساحل الإريتري.

إسرائيل كانت منخرطة عسكريًا إلى جانب إثيوبيا؛ لكن ذلك وحده لا يثبت أنها كانت تملك قواعد مستقلة على الجزر.

فتحي عثمان: «البحيرة العربية» والسياق الأوسع للبحر الأحمر

وفي لقائه في برنامج  «المتحري»، وضع فتحي عثمان، الدبلوماسي السابق والمدير التنفيذي لشبكة رصد إريتريا الإعلامية، العلاقة الإسرائيلية بالمنطقة ضمن السياق الأوسع للحرب الباردة والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق.

وأوضح عثمان أن دول المنطقة كانت، بشكل أو بآخر، ترتبط بأحد القطبين؛ فكانت عدن في اليمن حليفًا لموسكو، بينما كان الإمبراطور الإثيوبي هيلي سيلاسي حليفًا للولايات المتحدة، وكذلك حليفًا لإسرائيل.

ويرى عثمان أن الاستراتيجية الإسرائيلية سعت إلى إضعاف السيطرة العربية على البحر الأحمر، بحيث لا تكون ضفتاه الشرقية والغربية كلتاهما تحت سيطرة دول عربية، وهو ما عبّر عنه بالقول إن إسرائيل تسعى إلى الحيلولة دون أن يصبح البحر الأحمر «بحيرة عربية».

وبحسب عثمان، اعتمدت إسرائيل في السابق على إثيوبيا في هذا السياق، بينما تعتمد اليوم على إريتريا. وأوضح أن ذلك يمكن أن يكون عبر العلاقات الدبلوماسية، ولا يعني بالضرورة وجودًا عسكريًا إسرائيليًا في إريتريا  .

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في سياق التحقيق، إذ تضع حدًا فاصلًا بين مستويين مختلفين: العلاقات والمصالح الاستراتيجية التي قد تربط إسرائيل بإريتريا، والوجود العسكري الإسرائيلي الفعلي داخل الأراضي الإريترية. فالعلاقات السياسية والدبلوماسية والمصالح المرتبطة بأمن البحر الأحمر يمكن تتبعها تاريخيًا، بينما يظل إثبات وجود عسكري مسألة مختلفة تتطلب أدلة مستقلة ومباشرة.

وفي ضوء هذه القراءة، يمكن فهم أهمية الموقع الإريتري ضمن معادلة جيوسياسية أوسع للبحر الأحمر؛ فالساحل الإريتري وموقعه الجغرافي لا يرتبطان فقط بمسار العلاقات بين إسرائيل وأسمرا أو أديس أبابا، وإنما أيضًا بالممر البحري الممتد من خليج العقبة عبر البحر الأحمر وصولًا إلى باب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي

مسفن حقوص: علاقة «طبيعية» بعد التحرير ومصالح لكل طرف

ويقدم مسفن حقوص، وزير الدفاع الإريتري السابق، قراءة أكثر تحفظًا لطبيعة العلاقة التي نشأت بين إريتريا وإسرائيل عقب التحرير.

ويقول حقوص إن علاقة قامت بين الطرفين «بعد التحرير مباشرة»، لكنه يتحفظ على وصفها بأنها كانت علاقة وطيدة، ويصفها بدلًا من ذلك بأنها «علاقة طبيعية». ومن وجهة نظره، كان من الطبيعي أن تكون العلاقة على هذا النحو، إذ كانت إريتريا بحاجة إلى اعتراف إسرائيل بها كدولة، فيما يرى أن إسرائيل ربما كانت لديها، من جانبها، نية لإقامة علاقة مميزة مع إريتريا من أجل مصالحها.

وفي سياق التحقيق، تكتسب شهادة حقوص أهميتها في أنها تقدم تصورًا من داخل التجربة السياسية الإريترية المبكرة لطبيعة العلاقة بعد التحرير، من دون أن تصفها بتحالف وثيق أو تحدد مضمون المصالح التي كانت إسرائيل تسعى إليها. وهي بذلك تساعد على تفسير أحد دوافع التقارب من الجانب الإريتري، كما يراه حقوص، والمتمثل في الحاجة إلى اعتراف إسرائيل بالدولة الإريترية، مقابل تقديره بأن لإسرائيل مصالحها الخاصة في تطوير العلاقة.

ولا تكفي هذه الشهادة، بمفردها، لاستخلاص طبيعة تلك المصالح الإسرائيلية أو افتراض وجود ترتيبات أمنية أو عسكرية محددة بين الطرفين. وتبقى هذه المسائل منفصلة عن شهادة حقوص، ويقتضي إثباتها الرجوع إلى وثائق ومصادر مستقلة. وما تقدمه شهادة حقوص، في حدودها، هو رؤيته لطبيعة العلاقة في تلك المرحلة باعتبارها علاقة طبيعية بين الطرفين، لكل منهما حساباته، من دون أن تحمل الشهادة وحدها دلالات تتجاوز ما قاله.

1993.. إسرائيل تتحرك مبكرًا نحو الدولة الجديدة

إسرائيل تتحرك مبكرًا نحو الدولة الجديدة .. 1993

لم تنتظر إسرائيل طويلًا حتى تعاملت مع الواقع الجديد.

وفي العام نفسه، سجلت العلاقة محطة مبكرة تمثلت في زيارة أسياس أفورقي إلى إسرائيل لتلقي العلاج. ووفق تقرير أرشيفي لوكالة «يونايتد برس إنترناشونال» (UPI)، نُشر في فبراير/شباط 1996، كان أفورقي قد زار إسرائيل عام 1993، حيث تلقى علاجًا طبيًا وخضع لعملية وُصفت بأنها منقذة للحياة لعلاج التهاب السحايا.

وتكتسب الزيارة أهميتها في سياق التحقيق من توقيتها؛ إذ جاءت خلال العام نفسه الذي شهد انتقال العلاقة بين الطرفين إلى المستوى الدبلوماسي الرسمي. ومع ذلك، لا تكفي الأدلة المتاحة للقول إن الزيارة العلاجية كانت سببًا في إقامة العلاقات، ولذلك ينبغي قراءتها بوصفها إحدى المحطات المبكرة في تاريخ العلاقة، لا دليلًا بحد ذاتها على طبيعتها أو دوافعها.

وفي 4 مارس/آذار 1993، قبل استفتاء الاستقلال الإريتري، أفادت وكالة Jewish Telegraphic Agency بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية أرسلت مبعوثًا إلى إريتريا، وأن إسرائيل تعتزم إقامة علاقات دبلوماسية معها بعد الاستقلال.

وبالفعل، أُقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في عام 1993.

ومنذ ذلك الوقت أخذت العلاقة شكلًا رسميًا وعلنيًا: سفارات، سفراء واتصالات حكومية.

وهذه نقطة مهمة لأنها تناقض الصورة التي تختزل العلاقة كلها في تعاون استخباراتي سري.

ما وراء السفارات.. الزراعة والصحة والمصايد

الأدلة المتاحة تكشف أن العلاقة بعد الاستقلال لم تكن عسكرية أو دبلوماسية فقط.

ففي عام 1995 دخل البلدان في ترتيبات للتعاون في قطاع المصايد، وتوثق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO وجود اتفاق صيد إريتري-إسرائيلي يتعلق بالنشاط قبالة الساحل الإريتري.

ثم جاءت زيارة أسياس أفورقي إلى إسرائيل في فبراير 1996 لتكشف نطاقًا أوسع من التعاون.

وخلال الزيارة التقى أفورقي رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز والرئيس عيزر وايزمان، وبحث الطرفان تعزيز العلاقات.

ووفق التقارير المعاصرة، شملت مجالات التعاون الزراعة والمصايد والصحة.

كما جرى الحديث عن خبراء إسرائيليين يعملون في مشاريع تدريب زراعي داخل إريتريا، وعن تعاون في القطاع الصحي.

وهذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تقدم صورة مختلفة عن العلاقة التي اختُزلت لاحقًا في الحديث عن القواعد ومحطات التنصت.

كانت هناك، في النصف الأول من التسعينيات، علاقة دولة بدولة ذات مجالات تعاون مدنية معلنة.

أسياس ينفي القواعد منذ 1996

زيارة 1996 تكشف أيضًا أن الجدل حول القواعد لم يبدأ مع تقرير Stratfor عام 2012.

خلال وجوده في إسرائيل، سُئل أسياس أفورقي عن المزاعم المتعلقة بوجود قواعد إسرائيلية في البحر الأحمر، فنفاها في حديث لإذاعة إسرائيل.

وهذا مهم لأنه يمدد سجل النفي الإريتري إلى مرحلة مبكرة جدًا من العلاقات.

وبذلك يمكن تتبع الموقف الرسمي الإريتري الرافض لرواية القواعد عبر سنوات مختلفة، من التسعينيات إلى بيانات وتصريحات لاحقة في 2016 و2018 و2023.

العلاقة لم تكن تحالفًا مطلقًا

لكن التعاون في التسعينيات لا يعني أن أسمرا وتل أبيب أصبحتا حليفين في كل الملفات.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الحرب الإريترية-الإثيوبية.

ففي عام 1998 اعترضت إريتريا على صفقة إسرائيلية مرتبطة بتطوير القدرات الجوية الإثيوبية، وطلبت من إسرائيل وقفها.

لكن الحكومة الإسرائيلية لم تستجب للمطلب الإريتري.

هذه الواقعة مهمة لأنها تكشف حدود العلاقة: إسرائيل احتفظت بمصالح وعلاقات مع إثيوبيا حتى بعد استقلال إريتريا وإقامة العلاقات مع أسمرا.

وهذا يجعل وصف العلاقة الإريترية-الإسرائيلية بأنها «تحالف استراتيجي» ثابت توصيفًا يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.

كانت العلاقة أقرب إلى علاقة براغماتية تتقاطع فيها المصالح عندما تتوافق، وتتعارض عندما تختلف الحسابات.

2002.. اتصالات في مجال المعدات العسكرية

بعد سنوات من حرب الحدود، ظهر مؤشر آخر على الجانب الأمني للعلاقة.

ففي عام 2002 شارك ممثل لشركة الدفاع الإسرائيلية Elbit Systems ضمن وفد زار إريتريا، وبُحثت إمكانات تتعلق بتحديث طائرات ومعدات عسكرية إريترية.

لكن المصادر المتاحة لا تثبت أن تلك المناقشات تحولت إلى صفقة منفذة.

ولذلك فإن الواقعة تثبت وجود اتصالات واهتمام محتمل بالتعاون العسكري، لا تنفيذ برنامج تسليح محدد.

وهذه التفرقة ضرورية في ملف تكثر فيه الاستنتاجات التي تتجاوز الأدلة.

البحر الأحمر.. العامل الأكثر استمرارية

ظل البحر الأحمر حاضرًا في خطاب الطرفين.

وفي مقابلة رسمية عام 2012، تحدث أسياس أفورقي عن إسرائيل باعتبارها جزءًا من واقع البحر الأحمر، وأشار إلى قدراتها العسكرية والبحرية والجوية في سياق مناقشة ترتيبات الأمن الإقليمي.

لكن أسمرا تبنت في الوقت نفسه موقفًا معلنًا يرفض تحويل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر إلى مبرر للقواعد العسكرية الأجنبية.

وأعاد أفورقي طرح هذا المبدأ في يناير 2026، مؤكدًا أن دول المنطقة نفسها ينبغي أن تكون قادرة على حماية سيادتها وأمن الممر البحري.

وهنا تظهر مفارقة العلاقة مرة أخرى: الاعتراف بأهمية إسرائيل في معادلة البحر الأحمر لا يعني اعتراف إريتريا بوجود عسكري إسرائيلي على أراضيها.

السؤال الأكثر حساسية.. ماذا عن القواعد بعد الاستقلال؟

في 11 ديسمبر 2012 نشر مركز التحليل الاستخباراتي الأميركي Stratfor تقريرًا بعنوان:

Eritrea: Another Venue for the Iran-Israel Rivalry

وقال إن إسرائيل تحتفظ بوجود محدود لكنه مهم داخل إريتريا لجمع المعلومات ومراقبة النشاط الإيراني في البحر الأحمر.

وبحسب التقرير، الذي استند إلى مصادر دبلوماسية وإعلامية لم يسمها، كان لإسرائيل وجود بحري محدود في أرخبيل دهلك ومصوع، إضافة إلى موقع لجمع المعلومات في أمبا سويرا.

وانتشرت الرواية على نطاق واسع بعدما نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية ودولية.

لكن هنا تظهر مشكلة منهجية أساسية.

عدد المقالات التي تنقل معلومة لا يساوي عدد المصادر التي تثبتها.

فجزء كبير من التقارير اللاحقة أعاد إنتاج رواية Stratfor نفسها، من دون تقديم وثيقة حكومية إسرائيلية، أو اتفاقية عسكرية، أو مصدر مستقل معلن يمكن من خلاله إثبات طبيعة الانتشار المزعوم.

وبالتالي فإن تقرير Stratfor يثبت وجود رواية استخباراتية محددة عن نشاط إسرائيلي في إريتريا، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات أن القواعد كانت موجودة فعلًا.

أسمرا: لا قواعد ولا محطات تنصت

الحكومة الإريترية تنفي ذلك بصورة قاطعة.

وفي 3 سبتمبر 2023 أصدرت وزارة الإعلام الإريترية بيانًا ردًا على قناة «الحدث»، بعدما أعادت القناة طرح روايات عن قواعد إسرائيلية واتفاقات عسكرية سرية.

وأكد البيان أن إريتريا لم تدخل في اتفاق عسكري مع إسرائيل، ونفى أن تكون إسرائيل قد امتلكت أو تمتلك محطات تنصت في البلاد.

وسبق ذلك نفي رسمي لروايات عن أمبا سويرا ودهلك.

وفي عام 2018 وصف أسياس أفورقي الحديث عن قواعد إسرائيلية وإيرانية في دهلك ومحطة إسرائيلية في أمبا سويرا بأنه من الادعاءات الباطلة.

إذن، لدينا روايتان متعارضتان بوضوح:

تقارير استخباراتية مفتوحة ومصادر مجهولة تتحدث عن وجود إسرائيلي، مقابل نفي رسمي إريتري مستمر منذ التسعينيات.

لكن هناك تفسيرًا ثالثًا ظهر حديثًا.

لا قواعد دائمة.. ولكن استخدام عرضي؟

في يناير 2026 نشر الباحث الإسرائيلي إيهود يعاري تحليلًا في Washington Institute for Near East Policy تناول التاريخ الإسرائيلي في البحر الأحمر.

وقال يعاري إنه، وفق مصادر استشارها، لم تكن هناك قواعد دائمة للجيش الإسرائيلي في إريتريا، وإنما استخدام إسرائيلي عرضي لمنشآت إريترية.

هذه الرواية لا تحسم القضية؛ فهي تعتمد بدورها على مصادر لم يسمها الكاتب وليست إعلانًا رسميًا إسرائيليًا.

لكنها مهمة لأنها تقدم احتمالًا وسطًا بين روايتي «القواعد الإسرائيلية الدائمة» و«عدم وجود أي نشاط على الإطلاق».

وبذلك يصبح التوصيف الأكثر دقة للملف:

لم تتمكن «رصد إريتريا» من العثور في المصادر المفتوحة على دليل مستقل حاسم يثبت وجود قواعد عسكرية إسرائيلية دائمة داخل إريتريا المستقلة. توجد تقارير عن نشاط واستخدام لمنشآت إريترية، لكن طبيعة ذلك النشاط وحجمه واستمراريته تبقى غير محسومة علنًا، فيما تنفي الحكومة الإريترية وجود القواعد ومحطات التنصت.

من التعاون إلى البرود

رغم الجدل الأمني، استمرت العلاقات الدبلوماسية الرسمية.

وتظهر السجلات الإسرائيلية والإريترية تبادل السفراء واستمرار السفارات لسنوات.

لكن مع نهاية العقد الثاني من القرن الحالي بدأت علامات الجمود تظهر.

وبحسب تقرير إسرائيلي معاصر، غادر آخر سفير إسرائيلي مقيم أسمرا في أكتوبر 2018، وأرسلت وزارة الخارجية الإسرائيلية بعد ذلك قائمين بالأعمال بصورة مؤقتة.

ثم أصبح مقر السفارة خاليًا منذ أبريل 2020.

وفي يوليو من العام نفسه أعلنت الخارجية الإسرائيلية اختيار الدبلوماسي إسماعيل خالدي سفيرًا لدى إريتريا.

وكان اختياره لافتًا داخل إسرائيل؛ إذ أصبح أول دبلوماسي بدوي تختاره الخارجية الإسرائيلية لمنصب سفير.

لكن خالدي لم يصل إلى أسمرا لتولي مهامه.

عامان بلا سفير.. ثم إغلاق السفارة

في 9 يوليو 2022 وافق رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك يائير لابيد على إغلاق السفارة في إريتريا.

وأكدت مصادر في مكتب رئيس الوزراء القرار لوسائل إعلام إسرائيلية.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، كانت أسمرا قد وافقت على تعيين خالدي، لكنها أخرت وصوله لمدة تقارب عامين.

وهنا ينبغي التوقف عند حدود الأدلة.

نعرف ما تقوله المصادر الإسرائيلية، لكن «رصد إريتريا» لم تعثر في المصادر الرسمية الإريترية المتاحة على تفسير علني مفصل لأسباب عدم وصول السفير.

لذلك لا يمكن الجزم بالدافع السياسي وراء موقف أسمرا.

كما أن يوليو 2022 يمثل قرار الإغلاق الرسمي، وليس بداية توقف السفارة عمليًا؛ فالتمثيل كان قد تراجع قبل ذلك، والمقر أصبح خاليًا منذ 2020 بحسب المصادر الإسرائيلية.

السفارة أغلقت.. العلاقات لم تنقطع

إغلاق السفارة لم يكن قطعًا للعلاقات.

وهذه واحدة من أكثر نتائج التحقيق وضوحًا.

فوزارة الخارجية الإسرائيلية ما تزال تصنف إريتريا ضمن الدول التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية.

كما أن قاعدة البيانات الرسمية الإسرائيلية للبعثات الأجنبية ما تزال، في أحدث البيانات المتاحة حتى سبتمبر 2026، تسجل Embassy of the State of Eritrea كسفارة في تل أبيب.

إذن، الوصف الدبلوماسي الأدق للوضع الحالي هو:

علاقات دبلوماسية رسمية قائمة، وتمثيل إريتري في إسرائيل، في مقابل غياب سفارة إسرائيلية عاملة في أسمرا.

وهذا يعكس انخفاضًا واضحًا في مستوى التمثيل، لكنه لا يمثل قطيعة دبلوماسية.

فلسطين.. حدود التقارب مع إسرائيل

العلاقة مع إسرائيل لم تمنع إريتريا من اتخاذ مواقف مؤيدة للحقوق الفلسطينية.

ففي أغسطس 2011 أكدت الخارجية الإريترية دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

وفي نوفمبر 2012 صوتت إريتريا لمصلحة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67/19 الذي منح فلسطين وضع «دولة مراقب غير عضو».

وفي السنوات الأخيرة أصبح الخطاب الإريتري أكثر انتقادًا للعمليات الإسرائيلية في غزة.

ففي يونيو 2024 وصف وزير الخارجية عثمان صالح الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين بأنها غير عادلة وغير إنسانية، وأكد شرعية تطلعات الفلسطينيين إلى الاستقلال.

وفي سبتمبر من العام نفسه أكد أمام اجتماع لحركة عدم الانحياز حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، مع تأكيد حق الفلسطينيين والإسرائيليين في العيش بأمن وسلام.

وفي يناير 2025 جددت أسمرا تضامنها مع الفلسطينيين ودعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وبالتالي فإن العلاقة الإريترية-الإسرائيلية لم تكن تطابقًا سياسيًا أو أيديولوجيًا.

الإريتريون في إسرائيل.. ملف ثالث بين الدولتين

هناك كذلك عامل لا يرتبط مباشرة بالبحر الأحمر: وجود أعداد كبيرة من الإريتريين في إسرائيل، بينهم معارضون ومؤيدون للحكومة في أسمرا.

وفي سبتمبر 2023 اندلعت مواجهات عنيفة في تل أبيب بين إريتريين من المعسكرين، وتدخلت الشرطة الإسرائيلية.

وأصبحت القضية شأنًا سياسيًا داخليًا في إسرائيل، مع تصريحات بشأن ترحيل مشاركين في أعمال العنف.

لكن لا توجد أدلة كافية تربط هذه الأحداث سببيًا بتدهور العلاقات بين الحكومتين.

فأزمة السفارة الإسرائيلية سبقت مواجهات تل أبيب بسنوات، وأغلقت السفارة رسميًا قبلها بأكثر من عام.

هل تريد إسرائيل العودة إلى أسمرا؟

في الفترة الأخيرة ظهرت منشورات تزعم أن إسرائيل «ندمت» على إغلاق سفارتها، وأن الحرب في اليمن وتهديد الحوثيين وباب المندب دفعتها إلى البحث عن العودة إلى إريتريا.

من الناحية الاستراتيجية، يمكن فهم سبب تجدد الاهتمام بالساحل الإريتري.

فإسرائيل تواجه منذ سنوات تحديات مباشرة مرتبطة بالبحر الأحمر، بينما تقع إريتريا على الضفة المقابلة للساحل اليمني وعلى مقربة من باب المندب.

لكن المنطق الجيوسياسي ليس دليلًا على قرار دبلوماسي.

حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق، لم تعثر «رصد إريتريا» في المصادر المفتوحة التي راجعتها على إعلان رسمي إسرائيلي عن إعادة فتح السفارة، أو تصريح رسمي إريتري يؤكد وجود مفاوضات بهذا الخصوص، أو وثيقة تشير إلى بدء إجراءات إعادة البعثة.

كما لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الادعاء بأن الحكومة الإسرائيلية «ندمت» على قرار إغلاق السفارة.

ومع ذلك، توجد إشارات إلى استمرار اهتمام بعض الدوائر الإسرائيلية بإريتريا.

ففي ديسمبر 2025 كتب الجنرال والوزير الإسرائيلي السابق إفرايم سنيه، الذي تعامل مع الملف الإريتري سابقًا، أن التعاون بين البلدين كان مهمًا، ورأى أن العلاقات الحالية ليست دافئة بالقدر الذي ينبغي أن تكون عليه.

لكن سنيه مسؤول سابق، ولا يمثل تصريحه قرارًا للحكومة الإسرائيلية الحالية.

والفارق هنا جوهري: وجود أصوات إسرائيلية تدعو إلى تحسين العلاقة شيء، ووجود قرار حكومي بإعادة السفارة شيء آخر.

الأول يمكن إثباته.

الثاني لا يمكن إثباته حتى الآن.

ثلاث مراحل.. وعلاقة واحدة يحكمها البحر الأحمر

تكشف مراجعة أكثر من خمسة عقود من التاريخ عن ثلاث مراحل مختلفة.

المرحلة الأولى سبقت استقلال إريتريا، عندما تعاونت إسرائيل عسكريًا مع إثيوبيا، وكان لها مستشارون يساعدون القوات الإثيوبية في سياق حرب التحرير الإريترية.

وتوجد روايات عن قواعد ومواقع إسرائيلية على الساحل والجزر في تلك الفترة، بينها ما أورده فتحي عثمان، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بوضع كل هذه الروايات في مرتبة الحقائق المثبتة، بل إن وثيقة أميركية معاصرة عارضت بعض مزاعم القواعد.

المرحلة الثانية بدأت مع استقلال إريتريا عام 1993.

انتقلت العلاقة من تعاون إسرائيل مع إثيوبيا إلى علاقة رسمية مع الدولة الإريترية الجديدة.

وتظهر شهادة مسفن حقوص المفارقة التي أحدثها ذلك داخل البيئة الإريترية، بينما تكشف الوثائق والوقائع اللاحقة أن العلاقة توسعت إلى الدبلوماسية والزراعة والصحة والمصايد، مع بقاء قنوات مرتبطة بالأمن والدفاع.

لكن أزمة 1998 مع إثيوبيا أظهرت سريعًا حدود العلاقة؛ إسرائيل لم تتخل عن مصالحها الإثيوبية لمصلحة أسمرا.

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التراجع الدبلوماسي: غياب السفير المقيم، تعطل وصول إسماعيل خالدي، ثم إغلاق السفارة الإسرائيلية رسميًا عام 2022.

ومع ذلك، بقيت العلاقات الدبلوماسية قائمة.

الخلاصة.. ما الذي نعرفه فعلًا؟

تكشف الوثائق أن اختزال العلاقة بين إريتريا وإسرائيل في رواية «القواعد السرية» يضيع جزءًا كبيرًا من القصة.

هناك حقيقة تاريخية يمكن إثباتها: إسرائيل تعاونت عسكريًا مع إثيوبيا خلال حرب التحرير الإريترية، وكان مستشارون عسكريون إسرائيليون يعملون في هذا السياق.

لكن الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول إن إسرائيل أنشأت شبكة ثابتة من القواعد في دهلك ومصوع وعصب وحالب يحتاج إلى أدلة أقوى من المتاح علنًا.

وبعد استقلال إريتريا، أصبحت العلاقة أكثر وضوحًا: سفارات، سفراء، زيارات رفيعة المستوى، وتعاون في الزراعة والصحة والمصايد، إلى جانب اتصالات في مجالات أمنية ودفاعية.

وفي الوقت نفسه، لم تكن العلاقة تحالفًا مطلقًا؛ فقد اصطدمت مصالح الطرفين عندما واصلت إسرائيل علاقاتها العسكرية مع إثيوبيا.

أما روايات الوجود العسكري الإسرائيلي داخل إريتريا المستقلة، فتبقى في منطقة رمادية.

Stratfor تحدث عن وجود بحري واستخباراتي؛ أسمرا تنفي القواعد ومحطات التنصت بصورة قاطعة؛ ومصادر إسرائيلية حديثة تقدم احتمالًا ثالثًا يقوم على استخدام عرضي لمنشآت إريترية من دون قواعد إسرائيلية دائمة.

لم تتمكن «رصد إريتريا» من العثور على دليل علني مستقل يحسم هذا الخلاف.

أما ما يمكن حسمه فهو أن إغلاق السفارة الإسرائيلية عام 2022 لم ينه العلاقات الدبلوماسية.

واليوم يعيد اليمن والحوثيون وباب المندب والاضطراب المتزايد في البحر الأحمر إريتريا إلى دائرة الحسابات الاستراتيجية.

لكن الادعاء بأن إسرائيل قررت العودة إلى أسمرا أو أنها «ندمت» رسميًا على إغلاق سفارتها يسبق الأدلة المتاحة.

بعد أكثر من نصف قرن من دخول الساحل الإريتري الحسابات الإسرائيلية، بقي العامل الأكثر ثباتًا في هذه العلاقة ليس الحكومة الموجودة في أسمرا أو تل أبيب، ولا السفارات التي تفتح وتغلق، بل الجغرافيا.

البحر الأحمر لم يتغير.

ولهذا قد تكون عودة إريتريا إلى الحسابات الإسرائيلية منطقية.

لكن هناك فارقًا بين أن تجعل الجغرافيا العودة منطقية، وبين أن تثبت الأدلة أن العودة بدأت بالفعل. وحتى الآن، تثبت الأدلة الأولى فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى